Define your generation here. Generation What
زيارة إلى عالم آدم حنين
 
 

في عام 2014 تحول منزل آدم حنين بقرية الحرانية بالجيزة إلى متحف يحوي المئات من الأعمال الفنية المتنوعة، موزعة على ثلاثة طوابق وحديقة النحت. منذ ذلك الحين لم يتوقف محبو الفن التشكيلي عن زيارة المنزل ليس فقط للاستمتاع بمشاهدة الأعمال الفنية، وإنما أيضًا، وهو الأهم، محاولة اكتشاف ما تقوله تلك الأعمال عن خيال وأفكار الفنان التشكيلي الكبير، وهو ما حاولت محررة “مدى مصر”، جنيفر ايفانز، عمله في نقاشها مع الفنانين سما والي وطه بلال أثناء رحلتهم داخل المتحف.

جنيفر ايفانز: سما، هذه زيارتك الثانية للمتحف، صحيح؟ ما رأيك؟

سما والي: أحببته، ببساطة. هناك جزء يبدو وكأنه مرسم. هذه هي المساحة التي أنتج فيها الكثير من أعماله. مساحة مليئة بالحيوية. لقد قابلته آخر مرة كنت فيها هنا.

طه بلال: هناك الكثير من الأعمال المختلفة، من الرسم بالريشة للرسم بالقلم للنحت والزخرفة على القماش، وبكل أنواع المواد.

جنيفر: كلها تعود إلى الفترة التي كان يدرس فيها التصميم الأكاديمي في الخمسينيات. هو يبدو مهتمًا للغاية بالتجريب بمختلف المواد، وبمختلف الطرق في تشكيل الأشياء وتصميم العلامات. يبدو أنه يمر بمراحل يجرب فيها تقنية معينة ثم ينتقل لشيء آخر، قد يعود إليه مرة أخرى بعدها. أشعر أنه يحب التعامل مع المواد وتجريب أشياء جديدة. هو يجعلك ترغب في تجريب الأشياء بنفسك.

سما: هناك بعض الأشياء مصنوعة من الأصباغ ومن الصمغ العربي على أوراق البردي، ويظهر أنه استخدم هذا كثيرًا أثناء وجوده في باريس.

جنيفر: بعض هذه الأشياء تبدو مثل المفروشات. بعضها يذكرني بأعمال إيفا هسه الفنية، بسبب حروفها المطاطية وغير المستوية، كما لو أنها في مكان وسط بين النحت والرسم، وهذا أعجبني. ولكن يصعب عليه أيضًا إضافة أي تفاصيل عليها، بسبب خشونة ورق البردي.

طه: نعم، تأثيره طاغ، أشبه بمنحوتات الجرانيت، من ناحية سطحها الخشن.

سما: لا أعرف إن كان مهتمًا برسم التفاصيل. فالرسومات تبدو أكثر تركيزًا على الشكل العام وتصميم العلامات.

جنيفر: صحيح. هناك بعض الحيوانات أو النمل، يبدو فيها أكثر تفصيلًا. كما تتميز الجداريات على الجير بالكثير من الدقة، كما لو أنه أراد للخطوط أن تكون نظيفة وواضحة جدًا، لكنه هذا كان في مرحلة مبكرة من حياته الفنية. ربما قبل أن يدرك أنه ليس مهتمًا في الحقيقة بالـ…

سما: الخطوط الواضحة. أيضًا مع الجير، أعتقد أن المادة نفسها تحتاج إلى درجة من الوضوح.

جنيفر: كما لو كان يرسم بالقلم – عليك أن تقرر ما تنوي فعله، ثم تفعله، لأنك إذا أخطأت في نقطة ما سيصبح الأمر  نوعًا من الفوضى.

سما: هناك أيضًا رسومات الحبر.

جنيفر: أعجبني الكثير من رسومات الحبر، التي تدور بالأساس حول صنع العلامات. أعجبتني تلك التي رسم فيها أشكالًا ضخمة، ولكن دون حدود، كما لو كان يلون داخل حدود لم تكن موجودة، وبالتالي تكتسب الأشكال حجمًا أكبر.

 

سما: بين رسومات الحبر أعجبني أيضًا ذلك الذئب المتكرر، إضافة إلى شخصيات غريبة الشكل، أعيد بعضها استخدامه في كتاب “رباعيات صلاح جاهين”، الذي يملك والدي نسخة منه.

جنيفر: هناك صفحات معدودة من هذا الكتاب في المتحف. رأينا صفحة منه في “مجموعة الأهرام”، لكنها كانت نسخة مصغرة منه، وكان بها الكثير من البقع المائية. كل الأعمال هنا في المتحف تبدو في حالة جيدة جدًا.. حتى تلك المصنوعة من البردي والصمغ. لقد اعتني بها جيدًا.

سما: وهذه لا تتجاوز تلك القطع الخاصة بمجموعته. لا أكاد أتخيل كم الأعمال في المجموعات الأخرى.

طه: نعم. في متحف “المتحف” بالدوحة لديهم خارج المبنى واحدة من نماذج سفينة نوح تلك، حجمها رهيب، مثل تلك الموجودة هنا في الحديقة.

جنيفر: تنوع الأعمال في حد ذاته مذهل. تلك الطيور الصغيرة المنحوتة، ثم تلك الكتل والسفن الضخمة.

طه: أو رسومات ألوان المياه على نمط “بول كلي”، التي تبدو دقيقة جدًا، بتفاصيل كثيرة، جنبًا إلى جنب مع الرسومات الهندسية التجريدية الضخمة.

جنيفر: هناك في البداية الكثير من رسومات الفحم الضخمة التي رسمها مؤخرًا. أعجبتني كثيرا. أشعر أنه كان يدرك ما يفعله بالمادة. فالفحم مادة يصعب التحكم فيها، ومن السهل أن ينتهي بك الأمر وقد أنتجت شيئًا معتادًا، لكني أشعر أنه شديد التحكم في الفحم، مما يجبره على تأمله.  

طه: يعجبني أنهم وضعوا في هذا الطابق الكثير من نحوت الجرانيت أيضًا. هذه الرسومات تذكرني بالمنحوتات والعكس صحيح. كل من المضيء والغامق في تلك الرسومات والمنحوتات الضخمة، يؤثران على بعضهما البعض. كما أن بعض الرسومات التجريدية التي رسمها بالحبر في باريس تذكرني هي الأخرى بأسطح الجرانيت.

جنيفر: كذلك الذئب والنمل، وبعض الأشكال الأخرى المتكررة هنا وهناك. هناك بعض الصور المسيحية التي تظهر أحيانا. هذه الموديل الأنثى التي أعتقد أنها موضوع لكل فنان تقليدي، ثم الكثير من الأشجار. واضح أنه يحب الطبيعة.

طه: الكثير من الطيور المنحوتة. هناك بومة شديدة الجمال.

سما: وهناك روح دعابة في الكثير من أعماله النحتية. هناك بومة سمينة للغاية، يبدو وجهها وكأنه محشور إلى الداخل، في حين يكاد باقي جسدها يغطيه تماما.

جنيفر: نعم! كما لو كان المطلوب ألا تدرك أنها بومة، لكنها في نفس الوقت بومة بلا أدنى شك.

سما: هناك تأثير فرعوني أكيد في أعماله.

جنيفر: يقال إنه أثناء وجوده في فرنسا، كان ينوي السفر إلى المكسيك لدراسة الفن الكولومبي القديم، لذلك نجد لديه اهتمامًا بالأشياء العتيقة.

هناك أيضًا شيء في طريقة عرض حديقة النحت يشعرك أنها مقصودة، إلى جانب كونها مليئة بالبهجة واللعب. في عملين من أعماله الجيرية الأولى بدا وكأنه يرسم حدائق النحت – حيث يوجد شخص مع كل تلك الأعمال الفنية المحيطة به. لذلك أعتقد أنه كان يرغب في تصميم حديقة نحت منذ وقت طويل.

سما: هل لاحظت كراسات رسم الرحلات المعروضة؟ مكتوب على إحداها: “هذه حكاية خط أسود وخط أحمر وكيف التقيا وما حدث بينهما.” يظهر أنه كان يعيش في خياله أو أنه يبعث الحياة في خياله. وهذا مبهج بالنسبة لي في هذه الأيام – أي تجاوُز التحليل الاجتماعي والجوانب الاجتماعية للفن. فقط الدخول في خيال إنسان والتعرف على الخبرات التي ساهمت في تكوينه، بدلًا من محاولة الوصول إلى رسالة واضحة.

جنيفر: هل تعتقدين أن فناني اليوم أكثر اهتمامًا بتوصيل رسالة؟

سما: بشكل عام أشعر بهذا، هنا، نعم.

جنيفر: أوافقك. هذه هي الطريقة التي يتلقى بها الفنانون تعليمهم إلى حد ما، يقال لهم إن الواحد منهم يحتاج إلى “مفهوم”، لذلك كثيرًا ما ينتهي العمل بتجسيد هذا المفهوم، ولا أكثر من التجسيد.

سما: مثل خط مباشر. كذلك يظهر أننا نتعلم البحث ليصبح نتاجًا لمنظور اجتماعي أو تاريخي إلخ، على اعتبار أن هذا أكثر تعقيدًا وثقافة من البحث في الشكل أو المادة. لكني أعلم أن لحنين تأثيرًا كبيرًا على النحاتين في مصر.

طه:. بعض الحيوانات التي شكّلها أحمد العسقلاني تذكرني بآدم حنين.

جنيفر: أحد الأمور التي تعلمتها من أعمال حنين أنه كان يقضي يومه في صنع أشياء، بعضها أقل نجاحًا أو جذبًا للاهتمام، والبعض الآخر جيد جدًا. أعتقد أنه من النادر، لأسباب عدة، أن تلتقي أشخاصًا يمنحون وقتهم لصنع أشياء، بغض النظر عما إذا كانت جيدة من عدمه. أنت تحتاج مساحة لتتمكن من فعل هذا، كما تحتاج القدرة على قضاء وقتك كله في فعله.

كذلك وبشكل عام، وليس فقط في حالة حنين، هناك فكرة أنك تصنع الشيء لذاته وليس لغرض ما. وبالتالي إن دُعيت لعرض ما، فستصنع شيئًا، أو إن صنعت شيئًا فستبحث عن فرصه لعرضه، ومن ثم فالموضوع يتعلق بلحظة التفاعل مع الجمهور وتاريخك الفني، أكثر من أن يكون …  

سما: قضاء وقت في الأستوديو.

جنيفر: نعم، والفشل والمحاولة مرة أخرى.

سما: أعرف أن وزارة الثقافة في الماضي كانت تقدم منحًا للفنانين كي يوجهوا وقتهم كله للفن، نوعًا من الدخل الشهري. لا أعرف إذا كان هذا يحدث الآن، لكن المنظومة كلها اختلفت اليوم. الوقت أصبح محدودًا ويجب على الفنان الموازنة بين حياته اليومية وبين إنتاجه كفنان.

 

جنيفر: يصبح الأمر بالتدريج مرتبطًا بوظيفة أو بغرض ما. بالنسبة للكثير من أعمال حنين، يبدو أن كان لديه غرض ما في ذهنه. يجلس هنا ويفعل ما يفعله كل يوم ويحصل على نتائج مختلفة.

سما: يجرب، مثلما في المعمل. لكني أثق في وجود فنانين شباب يمارسون نفس الروتين اليومي.

جنيفر: أحمد بدري يبدو كذلك.

سما: أفكر في رامي دوزي. هو رسام، وكنت أذهب إلى مرسمه وأتذكر أن جدوله اليومي كان صارمًا. كان يكرس وقته كله لعمله.

جنيفر: من الصعب أن تجعل نفسك تعمل، وليس مجرد موازنة عملك هذا مع الوظيفة . دائمًا أتذكر ويليام بليك الذي كان يدير محل طباعة في أثناء اليوم، ويبدو أنه كان ينتج كل أعماله في المساء، بعد السادسة. هناك إذن طرق لتحقيق ذلك.

سما: الكثير من الفنانين يمضون وقتًا أكثر في كتابة المقترحات.

جنيفر: كما أنه من الأسهل، بطريقة ما، أن تقوم بعمل أشياء أخرى. من المجهد للغاية أن تواجه نفسك بضرورة أن تخلق شيئًا من العدم في كل يوم، خاصة إن لم تكن معتادًا على هذا.

سما: هذا بالتأكيد أصعب ما في الأمر – أن تضبط إيقاعك، وأن تجد ذلك التوازن بين الحياة والفن.

جنيفر: لا أعرف إذا كان لحنين أي نوع آخر من الحياة. أعتقد أنه بدأ حياته ثريًا.

سما: لا أتخيل أنه كان يعمل في أي شيء آخر.

طه: أكيد، فقد صنع الكثير من الأعمال الفنية.

سما: ذهبت لمشاهدة معرض بيكاسو اﻷخير للنحت في متحف موما بمدينة نيويورك، وأعتقد بصدق أن متحف آدم حنين يرتقي لنفس المستوى. يبدو أن بيكاسو أيضًا كان يعمل بلا انقطاع.

ما رأيك في الطريقة التي عُرضت بها الأعمال في المتحف؟

طه: أعتقد أنها جيدة. هناك أعمال فنية أينما تنظر، في كل مكان. وبكل الأحجام، من القطع الضخمة إلى القطع الصغيرة للغاية التي تبدو كجواهر. والأمر نفسه في القطع ثنائية الأبعاد. الإنارة كانت جيدة، وكان منظر الإهرامات من النافذة جميلًا.

جنيفر: يمكن القول إنه كان مزدحمًا بعض الشيء، لكن لم أشعر بهذا. فالعرض كان يناسب طريقته في صنع الأشياء، أن تأخذ ما تريده وتستخدمه. لا يبدو أنهم كانوا انتقائيين أكثر من اللازم.

طه: أحاول أن أتخيل كيف جهزوه، شعرت أنه كان هناك تخطيط مسبق، لكن كان هناك عدم ترابط فيه.

جنيفر: صحيح، كان هناك توازن بين بعض التخطيط، مع بعض من “سيبدو هذا جيدا إلى جنب ذاك”.

سما: بعض الغرف بدا وكأنها مخططة. هناك “قاعة البشارة” و”قاعة الشهود”، وإن كنت أعتقد أن التعريف باللوحات كان يمكن أن يكون أفضل من ورقة A4 مطبوعة. لم أتوقع أن يكون متحف آدم حنين معرضًا نقيًا معلبًا أبيض.

جنيفر: نعم، ما كان هذا ليكون مناسبًا. هذا أحد الأمور الجميلة في هذا المتحف، الشعور ببعض التلقائية.

طه: أستطيع أن أتصور أن البعض قد يرغب في وضع أعماله الصغيرة في مساحة صغيرة للغاية وأن يجعل شكلها دراميًا. لكني سعيد لأن ذلك لم يحدث في هذه الحالة.

جنيفر: هذا يسلبهم بعضًا من سلطتهم، لكن على نحو ناجح جدًا. كما أن الأمر يناسب أعماله من حيث طبيعتها -ذلك الاستكشاف الطويل للأساليب والمواد المختلفة- أن يكون المتحف في منزله. وتلك التماثيل بجوار المدخل تجعلك تشعر بأن حياته الفنية كلها مجسدة أمامك وفي المتحف نفسه.

ــــــــــــــــــــــ

المتحف مفتوح يوميا، باستثناء الأربعاء والخميس، من الحادية عشر صباحا إلى الرابعة مساء. شارع اللبيني. القاهرة.
ويمكن التواصل معه هاتفيًا: 01211737708، أو عبر الإيميل adamheneimuseum@gmail.com، كما يمكنكم الاطلاع على الموقع الإلكتروني عبر هذا الرابط.

 
اعلان