Define your generation here. Generation What
لماذا يضحي “المركزي” بالجنيه؟
 
 

انهيار جديد في قيمة الجنيه المصري أعلن عنه البنك المركزي أمس بخفض سعره أمام الدولار بنسبة 15%، بواقع 112 قرشًا، في إجراء اعتبره البنك في بيان “سياسة أكثر مرونة فيما يتعلق بسعر الصرف”.

 كان البنك المركزي قد باع 198.1 مليون دولار في عطاء استثنائي أمس، بسعر بلغ 8.85 جنيه للبنوك، مقابل 7.73 جنيه في العطاء الدوري السابق يوم الأحد الماضي، كما طرح اليوم، الثلاثاء، عطاءً مماثلًا، قبل أن يعلن عن أنه سيطرح غدًا، الأربعاء، عطاءً جديدًا بمبلغ مليار ونصف مليار دولار “لتغطية مديونيات العملاء بالعملات الأجنبية القائمة الناتجة عن عمليات استيرادية”.

ويمثل هذا الارتفاع أكبر قفزة في سعر الدولار في السوق الرسمي في مصر منذ العام 2005، ليواصل الجنيه تراجعه بلا انقطاع تقريبًا منذ العام 2011 بدءًا من سعر صرف 5.9 جنيه للدولار، وصولًا إلى 7.83 في يناير الماضي، تبعا لبيانات وزارة المالية.

هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث في بنك الاستثمار فاروس، قال لـ “مدى مصر”، في وقت سابق لعطاء الأمس، إن الإجراءات التي أعلن عنها البنك المركزي مؤخرًا “مجرد خطوات على طريق تعويم الجنيه خلال أيام أو أسابيع”، مشيرًا إلى قراري البنك قبل أيام بإلغاء الحد الأقصى للإيداع والسحب بالعملة الأجنبية للأفراد وللشركات.

وأوضح “جنينة”: “سيعمد البنك المركزي غالبًا إلى توحيد السعر (للدولار الأمريكي) في السوقين الرسمي والموازي عبر رفع يده عن تسعير الدولار في البنوك، وترك الأمر للعرض والطلب، مع السماح للبنوك بتوفير الدولار لبعضها البعض”، مضيفًا: “مع قرار البنك المركزي إلغاء الحد الأقصى للإيداع والسحب، سيتمكن أي فرد من سحب أي مبالغ بالدولار، ما يعني أنه قادر على بيعها في السوق الموازي بسعر أعلى (من السعر الرسمي)، هذا المبلغ المتاح في السوق الموازي يفترض أن يتاح إعادته إلى السوق الرسمي عبر إلغاء الحد الأقصى للإيداع، وعبر توحيد سعر الدولار على نحو يغري الناس بضخ الدولار في السوق الرسمي”.

ورأى “جنينة” وقتذاك أن القرار المتوقع بتحرير سعر صرف الجنيه يرتبط ببدء مباحثات غير معلنة حتى الآن بين الحكومة المصرية وصندوق النقد الدولي حول قرض، وهي الأنباء التي نقلتها وكالة بلومبرج. 

في بيانه أمس قال البنك المركزي إنه “سيتابع عن قرب كافة التطورات، ولن يتوانى عن توظيف كامل أدواته وصلاحياته للحفاظ على انتظام أسواق النقد واستقرار مستوى الأسعار في الأجل المتوسط”.

وهي عبارة تشير بوضوح لمحاولة كبح جماح التضخم الذي قد ينفلت على خلفية ارتفاع سعر الدولار في البلد الذي يعاني من خلل كبير في الميزان التجاري، وارتفاع كبير في تكلفة وارداته، “ما يرجح غالبا نية البنك المركزي رفع الفائدة في اجتماع لجنة السياسة النقدية القادم”، وفقًا لما يراه أيمن هدهود، الباحث في السياسة النقدية، في محاولة للتشجيع على الإدخار بدلًا من الإنفاق الاستهلاكي، وهو ما قد يتحدد خلال اجتماع لجنة السياسة النقدية الخميس المقبل.

وكانت لجنة السياسة النقدية في البنك المركزي قد قررت في يناير الماضي الإبقاء على سعر الفائدة  للإيداع والإقراض دون تغيير، بعد قرار سابق في ديسمبر من العام الماضي برفع الفائدة للإيداع والإقراض بواقع 50 نقطة أساس – 0.5%.

وقد تم الاتفاق بين الحكومة والبنك المركزي خلال اجتماع المجلس التنسيقي الأول، تبعا لبيان لجنة السياسة النقدية وقتها، على وضع برنامج يتضمن عدة أهداف من ضمنها “المحافظة على استقرار الأسعار باستهداف معدلات تضخم لا تتجاوز العشرة في المئة على المدى المتوسط”، بحسب نص البيان.

وأعلن البنك الأهلي وبنك مصر، الحكوميين، أمس، عن طرح شهادات استثمار للأفراد الطبيعيين بعائد 15%، مقابل التنازل عن أي عملة عربية أو أجنبية، وهو توجه يقول “هدهود” إنه “لا يستهدف في الأساس كبح التضخم، بل يسعى لضمان توفر الدولار عبر إغراء الأفراد بالتخلي عنه”.

وينص قانون البنك المركزى والجهاز المصرفى والنقد رقم ٨٨ لسنة ٢٠٠٣  على أن “استقرار الأسعار هو الهدف الرئيسي للسياسة النقدية يختص البنك المركزي بصياغتها و تنفيذه، الذي يتقدم على غيره من الأهداف”.

وشهد معدل التضخم العام ارتفاعًا شهريًا بواقع 0.97% خلال فبراير 2016، مقابل 0.11% في يناير، وانخفض المعدل السنوي للتضخم العام إلى 9.13% من 10.10%، تبعا للبنك المركزي.

وقال “هدهود”: “القرار الجديد برفع السعر في السوق الرسمي لن يؤدي في حد ذاته لارتفاع معدلات التضخم، لأن المستوردين أصلًا ظلوا يعتمدون على السوق الموازي في تدبير احتياجاتهم من الدولار”، مضيفًا أن “المستوردين ظلوا يتحملون عمولة إضافية تبلغ 5% لصالح الوسطاء الذين يتولون تدبير الدولار لتسديد التزامات المستوردين في الخارج، وهو نمط ظل سائدًا نتيجة القيود على إيداع الدولار في البنوك وعلى الاستيراد”.

وكشف مؤشر مديري المشتريات الصادر عن بنك الإمارات دبي الوطني أن ضعف العملة أدى لزيادة تكاليف المشتريات في فبراير الماضي.

ويستند مؤشر مديري المشتريات إلى بيانات مجمعة من الإجابات الشهرية لمسئولي المشتريات في عدد من شركات القطاع الخاص غير المنتج للنفط على استبيانات.

ووفقًا للتقرير “أشارت بيانات الأسعار إلى زيادة أخرى حادة في إجمالي تكاليف مستلزمات الإنتاج خلال شهر فبراير. فقد كانت الزيادة القوية في أسعار المشتريات هي المحرك الأساسي، وهو ما عزته الشركات في الغالب إلى ضعف الجنيه المصري أمام الدولارالأمريكي. كما ارتفع متوسط أسعار المنتجات للمرة الأولى في ستة أشهر”.

وكان البنك المركزي قد خفف القيود على إيداع الدولار عبر قرار رفع الحد الأقصى لإيداع الدولار للشركات المصدرة ذات الاحتياجات الاستيرادية في فبراير الماضي، وللمستوردين. وهي القيود التي كان هشام رامز، محافظ البنك المركزي السابق، قد فرضها العام الماضي، عبر فرض حد أقصى للإيداع النقدي بالدولار في البنوك عند عشرة آلاف دولار يوميًا للأفراد والشركات وبإجمالي 50 ألف دولار شهريًا في محاولة للحد من نشاط السوق الموازي.

وأوضح “هدهود”: “قبل فرض القيود على الإيداع والسحب والاستيراد عموما، كانت البنوك هي الأخرى تفرض ما أسمته بعمولة تدبير الدولار بواقع 5%”.

محمد المصرى النائب السابق لرئيس الاتحاد العام للغرف التجارية قال لـ”مدى مصر” إن “الفيصل بالنسبة للمستوردين ليس سعر العملة (الأمريكية) في حد ذاته، بل وفرتها، 200 مليون دولار إضافية لا تمثل إلا النذر اليسير من الاحتياجات الضرورية من الدولار للسوق المصري”، مضيفًا أن “عدم قدرة الجهاز المصرفي على تمويل الاحتياجات الضرورية من الدولار بغض النظر عن السعر الرسمي المعلن تعني عودة الطلب عليه في السوق الموازي، وبالتالي ارتفاع سعره فيها مجددًا”.

وارتفع سعر الدولار في السوق الموازي إلى عشرة جنيهات للشراء في مطلع مارس الحالي ، قبل أن يسجل انخفاضا ملحوظًا على خلفية قراري البنك المركزي بإلغاء الحد الأقصى للإيداع والسحب، وصولًا إلى توقف السوق تماما، كما نقلت رويترز عن متعامل في السوق الرسمي في مواجهة المتغيرات الجديدة التي أدت لتراجع الطلب.

وقال “هدهود”: “لا يوجد أي إجراء يمكن أن يكبح السوق الموازي إلا توافر العرض من الدولار أصلًا، ما طرحه البنك خلال أسبوعين من عطاءات لا يمكن أن تفي إلا باحتياجات السوق في الأجل القصير، بعدها ستبدأ دورة جديدة من أزمة الطلب في مقابل شح العرض في السوق الرسمي، وبالتالي ارتفاع الطلب في السوق الموازي وعودة السعر للارتفاع فيه”.

كان البنك المركزي قد طرح عطائين للدولار خلال أسبوعين، بواقع 500 مليون دولار، و40 مليون دولار، ويعد عطاء أمس هو الثالث، بعد توقف عن طرح الدولار في البنوك طوال شهر فبراير ما تسبب في زيادة الطلب على السوق الموازي وصولًا إلى ارتفاع قياسي في سعره حين اقترب من تجاوز حاجز العشرة جنيهات.

وقال “هدهود”: “البنك المركزي امتنع طوال فبراير عن مساندة الجنيه خشية الضغط على الاحتياطي من النقد الأجنبي، محررا بذلك سعره بدرجة كبيرة في السوق الموازي، قبل أن يتدخل في مارس عبر الضغط على الاحتياطي من النقد الأجنبي الذي فقد حتى الآن خلال أسبوعين 740 مليون دولار”.

وأضاف: “بذلك يكون البنك المركزي قد اتخذ إجراءً تضمن لأول مرة منذ سنوات انخفاض مزدوج في سعر الدولار والاحتياطي معًا، ما حدث فعليًا أن البنك أوقف تراجع سعر الجنيه في السوق الموازي، فالانخفاض الذي أحدثه البنك في سعر الجنيه في السوق الرسمي هو انخفاض شكلي، لأن الدولار لم يكن متوفر فعليًا في السوق الرسمي”.

ولفت إلى أن “الاحتياطي من النقد الأجنبي قد بلغ حدًا خطرًا في مقابل التزامات مصرعلى صعيد الدين الخارجي”.

وبلغ إجمالي الدين الخارجي في الربع الأول من العام المالي الحالي 46.1481  مليار دولار، مقابل احتياطي من النقد الأجنبي يبلغ 16.5 مليار دولار تقريبا في فبراير الماضي. وتصل نسبة الالتزمات قصيرة الأجل إلى الاحتياطي 17.1% ، وفقًا لبيانات البنك المركزي. فيما كان إجمالي الدين الخارجي في العام 2011 لا يتعدى 34.9 مليار دولار تقريبًا، في الوقت الذي تجاوز فيه الاحتياطي من النقد الأجنبي وقتها 36 مليار دولار، وبلغت فيه الالتزمات الخارجية قصيرة الأجل إلى الاحتياطي 10.4%.

اعلان
 
 
بيسان كساب