Define your generation here. Generation What

عن الحرية والسلطة وتنظيم الإعلام

1

“النظام العام”، “الأمن القومي”، “الآداب العامة”، “زمن الحرب”، تعبيرات عادة ما يضعها القائمون على اقتراح وسن التشريعات المعنية بتنظيم الحقوق والحريات في مصر، في ذيل النص القانوني. يعلن المشرع من خلالها عن الحدود التي يجب أن يتوقف عندها المخاطَبون بأحكام هذا القانون أو ذاك إزاء ممارستهم حريات كالتعبير والتنظيم والاجتماع والصحافة. هذا النوع من الصياغات القانونية ليس مجرد تقسيم لما يقع في خانة الحقوق وما يقع تحت بند الواجبات، وإنما يعبر عن رؤية القائمين على التشريع في مصر لمسألة الحريات بوجه عام. تفترض هذه الرؤية أن العديد مما اصطلح على تسميته “حقوق الإنسان” ليست حقوقًا متأصلة في الأفراد بمجرد ميلادهم، بل هي تلك فقط التي ينص عليها قانون تصدره الدولة. ومن ثم فإن القانون هو الذي يحدد ما يعتبر من قبيل حرية التعبير المصونة وما يشكل اقترافه تحريضًا على قلب نظام الحكم، ما هو من قبيل حرية الصحافة وما يعتبر نشرًا لأخبار كاذبة، وكذلك ما يندرج تحت تعريف “تظاهرة سلمية”، وما يعتبر تجمهرًا من شأنه تهديد السلم العام. هنا تتشكل المعادلة من ثلاثة أطراف: الدولة والأفراد والقانون. وفقاً للرؤية الليبرالية التقليدية لمسألة الحريات فإن وظيفة القانون الرئيسية هي منع الدولة، ممثلة في أجهزتها وموظفيها، من إساءة استعمال السلطة. وفقاً للمشرّع المصري فإن الخطر لا يكمن في الدولة التي قد تتغوّل على حقوق وحريات الأفراد، وإنما في الأفراد أنفسهم.

2

تقدمت اللجنة الوطنية لإعداد التشريعات الصحفية بمقترح قانون لتنظيم الصحافة والإعلام، نُشر على الموقع الإلكتروني لنقابة الصحفيين. بمطالعة أولية لنصوص القانون يبدو أن غرضه الظاهري هو تفعيل بعض مواد دستور 2014 المعنية بإعادة تنظيم وسائل الإعلام، سواء الخاصة أو المملوكة للدولة. وقبل أن يعدد القانون حقوق الصحفيين أعلنت مادته الثانية جواز فرض رقابة على الصحف في زمن الحرب وأوقات التعبئة العامة، وأعلنت مواد أخرى حق الدولة في منع تداول المحتوى الصحفي، الذي يجري إنتاجه في الخارج، من الدخول إلى الأراضي المصرية، إذا كان من شأنه تهديد الأمن القومي أو الإخلال بالحياء العام أو التعرض للأديان. تجسد هذه المواد رؤية القائمين على صياغة القانون لحرية الصحافة ودورها. فبقدر ما تكون الصحافة مصدرًا للمعلومات والمعرفة فإنها دائمًا ما تشكل تهديدًا للرواية الرسمية، سواء السياسية أو الدينية أو غيرها، ولذلك ترى السلطة وجوب وضع ضمانات تحد من قدرتها على خلق سردية مختلفة جذريًا وقادرة على الهيمنة في محيطها الاجتماعي. هنا يتحول دور القانون من تنظيم حرية الصحافة إلى تنظيم القيود على حرية الصحافة، أي يتحول الاستثناء إلى قاعدة عامة، وهذه هي الوظيفة الحقيقية للمصطلحات السابق الإشارة إليها.

تلك التعبيرات بطبيعتها يصعب تعريفها، نظرًا لارتباطها برؤية صاحب المصلحة في تضمينها في هذا النوع من التشريعات، لذا فإن تفسيراتها غالبا ما تكون خارج نطاق الإجماع. فمفهوم الأمن القومي، على سبيل المثال، في رأي القائمين على الحكم في مصر، خاصة العسكريين منهم، يتحقق بنشر أقل قدر ممكن من المعلومات، في حين قد يرى الصحافي المهني المخلص لحق جمهوره في المعرفة أن التكتم والسرية لا يحققان رسالة الصحافة. وتُستخدم هذه المصطلحات المبهمة لحل هذا التناقض. نظرًا لصعوبة تعريف “الحياء العام” على سبيل المثال لا يجد القاضي القائم على تطبيق القانون أمامه من سبيل سوى القياس، سواء باستخدام سوابق أخرى من الماضي، أو بالاستناد إلى مبادئ عامة كتلك الواردة في البابين الأول والثاني من الدستور المتعلقين بالدولة والمقومات الأساسية للمجتمع كالدين والأخلاق والوطنية. هنا يواجه كل من المشرع والقاضي مأزقًا يتعلق بمبدأ قانوني هام، وهو عدم جواز القياس إذا كان التشريع يرتب عقوبات جنائية على مخالفة أحكامه، وذلك نظرا لتعارض القياس أو الألفاظ القانونية المؤدية إليه مع مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات الذي يقتضي أن تكون نصوص القانون العقابي واضحة ودقيقة ولا تقبل التأويل. وأن تكون بذاتها دالة على الفعل المؤثم بركنيه المادي والمعنوي. عادة ما يرى المشرع المصري والكثير من القضاة أن هذه مسألة هامشية لا تستحق التوقف عندها. لكنها في الحقيقة تعبر عن مفهوم سلطوي للقانون ودوره في المجتمع.

3

تفاءل البعض بنصّ دستور 2014 على النشر الإلكتروني إلى جانب الأشكال الأخرى للصحافة والنشر. مصدر التفاؤل هو العقبات والانتهاكات التي يواجهها الصحفيون العاملون في مواقع إلكترونية تعمل خارج الإطار التقليدي لتراخيص الصحف ووسائل الإعلام الأخرى، وذلك في ظل رفع مظلة الحماية النقابية عنهم وتركهم فريسة لسردية افتقادهم الشرعية القانونية التي يتمتع بها زملاؤهم العاملون في صحف أو محطات إذاعية وتلفزيونية مرخصة. وفقًا لمشروع قانون تنظيم الإعلام فإن التغيير الوحيد الذي سيطرأ على المشهد الإعلامي هو إخضاع الصحف والمواقع الإلكترونية لذات القيود المفروضة على وسائل الإعلام الأخرى، سواء من حيث قواعد الإنشاء والملكية أو إنتاج وإدارة المحتوى.

بتتبع التطورات التي اتسم بها المشهد الإعلامي منذ يونيو 2013 يمكن فهم الدافع وراء هذا المقترح. حيث ظلت تلك المواقع بدرجات متفاوتة خارج إطار السيطرة التي نجحت السلطة في فرضها على وسائل الإعلام الأخرى، فوسائل التهديد والتهميش والإقصاء، المُستخدَمة لإسكات أصوات وأقلام معينة في وسائل الإعلام التقليدية، لم تنجح بذات الدرجة، أو لم تجد المدخل المؤثر لذلك النجاح مع الصحف والمواقع الإلكترونية، التي صمم بعضها على البقاء خارج السرب المغرد بتمجيد عبقرية الحكم العسكري. يبدو أن المحتوى الذي تقدمه هذه المنصات الإلكترونية أصبح غير محتمل من قبل السلطة، مثل أشياء أخرى كثيرة كالتظاهر والمنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان واتحادات الطلاب وغيرها من مظاهر الحياة المدنية، لذا يصبح القانون هنا ضرورة لإضفاء الشرعية على القيود المرتقب فرضها على هذه المنصات. قد يجادل البعض بأنه لا يمكن توفير الحماية لصحفيي المواقع الإلكترونية دون إخضاعهم للقانون. وهذا يتوقف على فهم المقصود بالقانون. يتصور صائغو المقترح التشريعي أن القانون هو الذي يمنح حرية الصحافة ويقيدها. فيما يتصور رافضو هذا الفهم ضيق الأفق والسلطوي لدور القانون أن للأفراد ممارسة حرياتهم، وعلى القانون إلزام الدولة بواجبها السلبي بعدم التدخل لقمع حرية الصحافة، وبواجبها الإيجابي بالتدخل لحمايتها من أي اعتداء يقع عليها من أطراف أخرى. ويقتضي الفهم الأخير أن ينصب تركيز الدولة على حل مشاكل مثل التمويل وتكافؤ الفرص بين وسائل الإعلام المختلفة وتقديم مظلة للرعاية الاجتماعية والصحية لصحفيي هذه المواقع، وليس جعل القانون نقطة تفتيش بيروقراطية جديدة، لا يحصل على صك الشرعية إلا من يمر من خلالها.

4

يمكن انتقاد مقترح القانون على أساس مخالفته للعديد من نصوص الدستور، خاصة فيما يتعلق بالقيود التي يضعها على إنشاء وتملك وسائل الإعلام بجميع أنواعها بما يشمل المواقع الإلكترونية. لكن الدستور أيضاً لا يمنح الحقوق، بل يكشف عنها. فحرية الصحافة يجب أن تكون مكفولة ليس لأن الدستور ينص عليها أو يصمت عنها، بل لأنها ضرورية لتمكين الأفراد من مراقبة أداء الدولة وتداول المعرفة. كذلك فإن الدولة المصرية تفرض رقابتها على الأخبار الكاذبة، ليس لأن لديها مشكلة أخلاقية مع الكذب، بل مع ذلك النوع من الكذب الذي لا يؤيد ولا يروج لروايتها. هنا تظهر  قواعد الملكية التي تفضح بؤس النص الدستوري الكاشف عن حرية الصحافة. حيث نصت المادة 70 من دستور 2014 على أنه يحق للأشخاص الطبيعيين والاعتباريين تملك وإصدار الصحف وإنشاء وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، ووسائط الإعلام الرقمي، على خلاف نظيره في دستور 1971 الذي  صمت عن تحديد من له الحق في إنشاء الصحف. رغم هذا قصر قانون تنظيم الصحافة الحالي الحق في إنشائها وتملكها على الأشخاص الاعتباريين (الشركات). ابتهج البعض بإعطاء الدستور الحالي الحق للأفراد في الإنشاء والتملك مفترضين أن من شأن هذا التطور  كسر حالة احتكار رجال الأعمال لوسائل الإعلام، لكن كعادة المشرع الدستوري المصري، أحال بموجب المادة 70 تنظيم الأمر برمته للقانون، وما أدراك ما القانون. وفقًا لمقترح القانون ستحل الهيئة الوطنية للإعلام محل اتحاد الإذاعة والتليفزيون، وستخضع الصحف القومية لما يسمى بـ “الهيئة الوطنية للصحافة”، بالإضافة إلى إنشاء المجلس الأعلى للإعلام الذي سيكون مسؤولاً عن منح تراخيص الصحف ووسائل الإعلام المرئي والمسموع والإلكتروني، وهو بذلك يحل محل المجلس الأعلى للصحافة صراحة، والشركة المصرية لمدينة الإنتاج الإعلامي وصلاحيات الهيئة العامة للاستثمار ضمنًا. يبدو أن أصحاب الاقتراح بإنشاء هذه الهيئات لم يشغلهم تغيير المضمون بقدر ما انشغلوا بتغيير الاسم فقط، مع الإبقاء على ذات السياسات.

5

من الإشكاليات التي يتضمنها قانون تنظيم الصحافة الحالي رقم 96 لسنة 1996 الذي يطرح مشروع القانون الحالي استبداله، هو اشتراط نمط معين للملكية وحد أدنى لرأس المال للحصول على ترخيص بإصدار صحيفة، وهناك شروط شبيهة بالنسبة للمحطات الإذاعية والتليفزيونية الخاصة، ينظمها قانون ضمانات وحوافز الاستثمار والقرارات المنشئة والمنظمة للشركة المصرية لمدينة الإنتاج الإعلامي. هذه الشروط، ونظرًا لضخامة المبالغ المالية التي يتطلبها القانون لمنح الترخيص، لا يستطيع معها صبرًا إلا رجال الأعمال. يتطلب القانون الحالي مليون جنيه كرأس مال مدفوع إذا كانت الصحيفة تصدر بشكل يومي، ومائتين وخمسين ألف جنيه إذا كانت أسبوعية، ومائة ألف جنيه إذا كانت شهرية، في حين يطرح مشروع القانون الجديد شروطًا أكثر إجحافاً للصحف الورقية، حيث يتطلب ألا يقل رأس مال الشركة المدفوع عن ثلاثة ملايين جنيه إذا كانت الصحيفة يومية، ومليون جنيه إذا كانت أسبوعية، و500 ألف جنيه إذا كانت شهرية، ومثلها للصحيفة الإلكترونية، أو للصحيفة الإقليمية اليومية، و200 ألف جنيه للأسبوعية و100 ألف جنيه للشهرية، ويلزم القانون الأشخاص الطبيعيين “الأفراد” بذات الحد الأدنى الذي يلتزم به الأشخاص الاعتباريون “الشركات”، مع غياب لأي توضيح حول ما إذا كان من حق الأفراد إنشاء الصحف، أم أن الأمر مقصور فقط على الشركات والتعاونيات التي يقترحها القانون كإطار تنظيمي. أما بالنسبة لوسائل الإعلام المسموع والمرئي الذي يبث على الإنترنت، فيتطلب القانون ألا يقل رأس مال الشركة عن خمسة وعشرين مليون جنيهًا للقناة التليفزيونية الإخبارية أو العامة، وخمسة عشر مليون جنيه للقناة التليفزيونية المتخصصة، وسبعة ملايين جنيه للمحطة الإذاعية، ونصف مليون جنيه للمحطة أو القناة التليفزيونية الرقمية على الإنترنت. هنا يمحي القانون الحدود الفاصلة بين الأشخاص الطبيعيين والأشخاص الاعتباريين، حيث يتطلب أن يكون الشخص الطبيعي مساهمًا في الشركة المساهمة المنشئة للوسيلة الإعلامية.

6

لشكل الملكية وحجم رأس المال دلالات هامة بالنسبة للسلطة، فوجود شركة مساهمة أو توصية بالأسهم أو حتى شركة تعاونية كشرط لإنشاء الوسيلة الإعلامية، مع اشتراط هذه المبالغ الطائلة من الأموال، يضمن أن المشهد الإعلامي لن يجتذب سوى أصحاب رؤوس الأموال، الذين هم في حقيقة الأمر حلفاء محتملين للنظام. وقد لا يصادف هذا الاحتمال توقعات النظام، لا بأس، فبالقانون أيضاً يمكن إلغاء الترخيص الممنوح لصاحب الشأن إذا خالف طبيعة النشاط المرخص به. كذلك فإن وضع قيود على حرية الأفراد في إنشاء وتملك وسائل الإعلام يُبقي عدد المنصات الإعلامية النشطة ضمن حدود سيطرة الدولة، ويقلل من المخاطر التي يحملها اتساع هذا العدد على قصة كل يوم التي يرويها المتحدث العسكري أو وزير الخارجية أو إعلاميو الدولة، حول الرخاء والتقدم والازدهار الذي ينتظر مصر تحت حكم خير أجناد الأرض.

ختامًا، فإن الإضافة الوحيدة التي يسعى مشروع القانون الجديد إليها هي إدخال منصات الإعلام الرقمي إلى مرمى نيران القانون، والمهمة بالطبع ليست سهلة نظراً لطبيعة الفضاء الرقمي وصعوبة السيطرة عليه، لكن لهذا السبب تحديدًا سيؤدي هذا القانون إلى تصعيد الصدام مع هذه المنصات والقائمين عليها والعاملين بها، وهو ما سيترتب عليه إضافة صفحات جديدة للسجل الأسود لحالة حقوق الإنسان في مصر تحت الإدارة الحالية للرئيس عبد الفتاح السيسي.

اعلان