Define your generation here. Generation What

نزهة صغيرة

لم أكن أنوي نشر هذه الشهادة حياءً من معاناة سجناء آخرين يقتلهم الإهمال الطبي قتلًا صريحًا، لكني قررت الآن نشرها تضامنًا مع سجناء العقرب، لأنها تلقي ضوءًا ما على جحيم حياتهم. هذه الشهادة هي سرد لأزمة صحية قاسية مررت بها أثناء حبسي بسجن برج العرب، تنفيذًا لحكم بالحبس سنتين لخرق قانون التظاهر. الأزمة تحكي عن منهج وزارة الداخلية في إدارة السجون المصرية. وسألتزم بسرد ما حدث فحسب.

بعد تولي اللواء مجدي عبد الغفار وزارة الداخلية يوم 5 مارس 2015، اختار اللواء حسن السوهاجي مساعدًا له لقطاع مصلحة السجون. في الشهر ذاته بدأت حملات التفتيش. في سجن برج العرب، فُتشت عنابر السياسيين وصودر كل ما لدينا، إلا بعض ملابس وقليل من البطاطين. كانت المراوح الكهربائية (التي أحضرها أهالينا الصيف السابق) مما صادره التفتيش.

في الصيف الماضي الذي كان من أشد الأصياف حرارةً ورطوبةً، طالبنا بدخول مراوح جديدة لأن الزنازين بلا تهوية، فرُفضت طلباتنا الكثيرة، بل كُدست زنازين السياسيين حتى بلغ تمام العدد 28 تقريبًا في الزنزانة الواحدة التي تبلغ مساحتها 5.5 في 3.5 مترًا. قضيتُ ذلك الصيف كأنني في أوتوبيس مغلق بإحكام، مكتظ بالغلابة. كان الضباط يسخرون من الأهالي ويهينونهم كلما حاولوا إدخال المراوح إلينا. كان التريض نصف ساعة يوميًا، ثم وصل إلى ساعة.

استمر ذلك حتى مات (قُتِل) الزميل جابر أبو عميرة في منتصف أغسطس بسبب أزمة صحية أُهمِل إسعافه منها. في الصباح التالي أحضرت إدارة السجن مروحة لزنزانة الزميل المرحوم، وبدأت توافق على إدخال بعض المراوح الكهربائية يومًا بعد يوم، بحد أقصى ثلاث مراوح لكل زنزانة، وهو عدد قليل للغاية، بعد أن كانت ست مراوح أو أكثر لكل زنزانة، وكانت لي مروحة خاصة بي في صيف 2014.

في أواخر يوليو 2015 أصابتني “نزلة برد” عادية، انقلبت إلى “كحة”، وهذا معتاد لي، وأتداوى منه بأدوية مقاومة للحساسية. هذه المرة، بسبب الرطوبة الشديدة والتكدس والحرمان من الشمس ومن التهوية، لم أتحسن، بل تفاقمت الكحة مصحوبة ببلغم وضيق في التنفس، ثم التهاب في الجيوب الأنفية، حتى أصبحت عاجزًا عن النوم نومًا طبيعيًا.

منذ مارس الأسود ذاك، لم تعد الإدارة تسمح بخروج السياسيين للمستشفى إلا في حالات نادرة وطارئة، مع تأخير شديد، كما لم تعد تسمح بإدخال الأدوية، لكن الأهالي كانوا يتدبرون إخفاءها وإدخالها أحيانا، أو يُسمح بدخولها إذا صادفت الزيارة ضابطًا متسامحًا (كان ضابط واحد يسمح بذلك، وكان إنسانًا راقيًا ومحترفًا). هكذا نفدت أدويتي دون أن يسمح ضباط الزيارات التالية بدخول الأدوية، فبدأت أقترضها.

مع تدهور حالتي سألتْ أسرتي بعض الأطباء عن حالتي، فأكدوا على ضرورة تناولي الدواء بانتظام، وأخبروهم أنه في حالة تغير لون البلغم أو رائحته، يجب عليّ الإصرار على نقلي لمستشفى السجن لأن ذلك مؤشر خطير. كنت قد طلبتُ زيارة مستشفى السجن، وقمت بالإجراء المتبع: تسجيل اسمي لدى مسئول العنبر الذي يبلغ ضباط المستشفى، الذين قد يقومون باستدعائي أو لا، ولم أُستدعَ حتى خرجت.

اكتملت مراوح زنزانتي الثلاث قرب منتصف سبتمبر، غير أن الوقت كان قد تأخر، حيث لاحظت تغيرًا واضحًا في لون البلغم، إلى اللون الزيتي الغامق نسبيًا، مع صدور رائحة كريهة عنه، وزيادة التهاب الجيوب الأنفية وإحساس دائم بعدم القدرة على التنفس الطبيعي وهبوط عام ووهن. مع إصرار أطباء المستشفى على تجاهل طلباتي، بحثت عن أي طبيب سجين، حتى عثرت على طبيب أطفال بدا لي ذكيًا ومثقفًا. شرحت له حالتي، فأخبرني أنني مصاب بالتهاب بكتيري يجب علاجه بأدوية خاصة منها دواء يحتوي على مادة الكورتيزون. كتب لي الأدوية ووصف الجرعات منبهًا لضرورة أخذي الأدوية كلها بانتظام حتى نهاية الكورس (10 أيام).

أرسلت لأسرتي أسماء الأدوية عن طريق زميل زاره أهله قبلي بأيام، مؤكدًا على ضرورة إدخال الأدوية كلها بأي شكل، ونبّهتُ لأن يطلبوا، حال رفضها، مقابلة مأمور السجن ويشرحوا له مدى تدهور حالتي التي حكاها لهم أهل زميلي بعد زيارته.

في “زيارتي” التالية يوم الأحد 20 سبتمبر 2015، أصر الضابط على منع الأدوية، ومع إلحاح والدتي المسنة، أدخل بعض شرائط من بعض الأدوية، وقال لها حين أخبرته بخطورة حالتي: “يعمل طلب لرئيس المباحث بنقله للمستشفى”. وهو يعلم جيدًا أن كلامه محض هراء لن يفيد. رفض المأمور مقابلة أمي. وحين رأيتها في الزيارة عرفت من بكائها ما حدث. طلبتُ منها أن تذهب بعد الزيارة للمستشفى وتخبرهم عن حالتي وتترك لهم الأدوية حيث يمكنهم توصيلها.

عند خروجي من الزيارة بدأت أخبر ضابط الزيارة عن حالتي فقاطعني بالجملة التي قالها لأمي وهو يعلم أنه كاذب. حاولت أن أشرح أكثر فخبط كتفي خبطة خفيفة وأشار بيده لي بمعنى “امشي” مشيرًا إلى باب الخروج، فخرجت لأنني أعرف أنه سيشتمني أو يضربني إذا تكلمت كلمة أخرى. كما مُنع أكثر العصائر الطبيعية والزبادي بالفاكهة التي كنت بحاجة إليها، لتعويض نقص الفيتامينات وتقوية مناعتي.

تسولتُ بعض الأدوية وتناولتها، حتى نجحتْ أسرة زميل لي في تهريب شحنة أدوية ممتازة لي يوم الثلاثاء التالي، كانت أمي قد أوصلتْها إليهم يوم الاثنين، (رغم أنها توجهت للمستشفى بعد الزيارة وقابلت ضابطًا طبيبًا وسلّمته نسخة أخرى من الأدوية، فوعدها وعدًا أكيدًا بزيارتي في الزنزانة بنفسه، في اليوم التالي للكشف عليّ وتسليمي أدويتي واتخاذ اللازم لإنقاذي، وهو ما لم يلتزم به الضابط الطبيب).

في يوم الأربعاء التالي أخرجوني من الزنزانة فجأة بعفو رئاسي، قبل شهرين من انقضاء سنتي العقوبة.

بدأتُ رحلة العلاج منذ خروجي، وتناولت كورسات أدوية مختلفة وصفها لي أطباء عاديون، لأنني ظننت أن علاجي سيكون سهلًا فور خروجي للهواء والشمس. تحسنتُ على نحو ملحوظ غير أنني لم أُشفَ.

منذ يوم 18 نوفمبر 2015 بدأت علاجًا مكثفًا بإشراف طبيب مرموق، في مستشفى كبير متخصص في علاج أمراض القلب والصدر بالإسكندرية. أخبرني الطبيب أن لديّ التهابات على الرئة وأن مرضي الآن أصبح “مزمنًا”، يحتاج علاجًا منتظمًا يمتد من ثلاثة لستة شهور، وبعدها سأشفى تمامًا بإذن الله. لا أزال أتابع مع الطبيب ويغيّر لي الأدوية، حيث قللها نسبيًا مع تحسن حالتي بشكل ملحوظ عن سبتمبر الماضي، مع احتمال ضعيف لتدخل جراحي لعلاج الجيوب الأنفية.

تعقيبان:

  • أشهد من واقع خبرتي في سجني الحضرة وبرج العرب، أنه لا يمكن مقارنة أوضاع سجناء العقرب بوضعي أثناء أزمتي الصدرية، التي كانت قد بدأت تهددني حقًا، رغم وجود أدوية قليلة وتريض قصير وطعام وملابس من الزيارات. أزمتي هذه نزهة صغيرة! أشهد أن ما يتعرض له سجناء العقرب هو قتل ممنهج لهم.
  • في شهادتي لم أسمح بالتعبير عن مشاعري، بل حكيت الوقائع فحسب. هنا أريد أن أضيف أن لحظات لقائي بالضابط بعد زيارتي يوم الأحد غيّرتْ حياتي تغييرًا ما؛ لم أتخيل أنه يمكن انتهاك حق الإنسان في الحياة بهذا الاستخفاف. لم ينطق الضابط، بل خبط على كتفي وأشار باحتقار غير مفهوم، رغم أنني شرحتُ له بوضوح أن حالتي متدهورة وخطيرة. لا أزال لا أفهم، ولا أظنني سأفهم، لماذا يُمنع دوائي عني بينما القانون يلزم السجن بعلاجي بدوائه هو؟ إشارة الضابط كان معناها: “روح موت، في داهية”. ماذا لو أنني ريفي فقير بسيط، لا يزورني أهلي إلا مرة في الشهر؟ كانت حالتي ستتدهور حتى أموت، كما مات عم جابر بعد أن ظل زملاؤنا في زنزانة 12 ينادون ويصرخون مستغيثين أكثر من نصف ساعة لإخراجه من الزنزانة وهو يُحتضَر.
اعلان