Define your generation here. Generation What

فى مصر فقط.. اﻹنتلجنسيا أيضا رثة

تستخدم العلوم الاجتماعية كلمة “رثة” لوصف شريحة من الطبقة العاملة، تتسم بغياب تام للوعى ببؤسها، وبأسباب هذا البؤس، وترفض أن يبصّرها أحد بهذه الأسباب، وتتعاون مع الظالمين ضد شركائها في البؤس.

هذا التعريف ينطوى على تفسير مفهوم لأسباب “رثاثة” هذه الشريحة، فقد بلغت من فقدان الحس والقدرة على الفهم ما جعلها امتدادًا لطبقة أقنان الأرض في عصر اﻹقطاع الأوروبي.

على الناحية الأخرى، كانت المهمة التاريخية لشريحة المتعلمين “اﻹنتلجنسيا” هى دراسة أسباب الظلم والاستبداد، واقتراح الحلول لتغير مجتمعاتها إلى الأفضل، حتى وإن كان بعض هؤلاء المتعلمين محافظين، فالمحافظة شيء، والرجعية شيء آخر، والرثاثة شيء ثالث.

لكن كيف نفسر انفراد مصر باحتواء نسبة مؤثرة من طبقة أو شريحة المثقفين والمهنيين وعموم الحاصلين على تعليم جامعي، وما بعد الجامعي، تستحق بجدارة وصف الشريحة الرثة؟ فهم لم يتخلوا فقط عن مهمة قيادة الوعي العام نحو الحلول، بل يفكرون ويعملون ضد التقدم، وضد مصالحهم على المدى البعيد!

ولمن يريد إثباتًا للظاهرة قبل محاولة تفسيرها نقدم هذه النماذج:

– لواء الشرطة المتقاعد الذي لم يجد ما يدافع به عن مصر “الحبيبة” في قضية الباحث الإيطالي، المقتول بعد تعذيبه، جوليو ريجينى، سوى أن يتساءل باستنكار: لماذا جاء أصلًا لمصر ليبحث في شأن لا يخص غيرنا، وهو حركة النقابات العمالية المستقلة؟ المدهش أن نسبة كبيرة ممن استمعوا إلى هذا السؤال اتفقوا معه بدرجة ملحوظة من الحماس، وكانوا جميعًا من حملة المؤهلات الجامعية، والماجستير والدكتوراه، في تخصصات مختلفة!

وعندما رد أحد الحاضرين بسؤال: ولماذا يحصل باحثون مصريون على دكتوراه في النظام السياسي الأمريكي مثلًا، أو في حركات السود الأمريكيين، أو في المشكلات الطائفية الهندية، أو التحولات الديمقراطية فى أمريكا اللاتينية وشرق آسيا، وغيرها، كان الرد بكل بساطة أن مصر وضعها مختلف لأنها مستهدفة!

وعندما قال آخر: “لكن ريجيني حصل على تأشيرة دخول وإقامة ومنحة جامعية، بموافقة السلطات المختصة في مصر”، كان الرد شبه الإجماعي، أن هذا خطأ ينبغي ألا تكرره هذه السلطات.

من جانبي قلت: علينا إذن محاكمة العالم الفرنسي شامبليون “الذي كرمته مصر الملكية بإطلاق اسمه على شارع مهم في وسط القاهرة” لأنه تدخل في شؤوننا، وأمضى 25 عامًا من حياته ليقرأ حجر رشيد، ويهدى إلى مصر والعالم أسرار اللغة المصرية القديمة، ولنقترح أن تكتفى هيئة المحكمة المصرية التي ستتشكل خصيصًا لمحاكمة شامبليون، بعد قرنين ونصف من وفاته، بالعقوبة التي نالها، لأنه أصيب بالربو فالتدرن الرئوي، ومات شابًا بسبب عكوفه تلك الأعوام الطويلة على فك طلاسم حجر رشيد، في مكان رطب لا تدخله الشمس إلا قليلًا، وهكذا نكون أرضينا ضمائرنا، إن كانت موجودة، بعدم معاقبته مرتين، وفي الوقت نفسه سجلنا سابقة قانونية بمحاكمة من تسول له نفسه البحث العلمي في شئوننا.

وبالمرة فعلينا أيضًا محاكمة المستشرقين وغيرهم ممن نقبوا في تراثنا، وأخرجوا منه كنوزًا لم نكن ندرى بها، مع إدراكي أن هناك مستشرقين لم يكونوا مهمومين بالبحث العلمي فقط، وكان منهم استعماريون وجواسيس، ومتحاملون على الإسلام، وعلى المسيحية الشرقية، إلا أن الأجيال السابقة علينا اكتفت فقط بالرد عليهم بأبحاث ومؤلفات، وذلك في عصر لم يكن فيه لسيادة اللواء ومؤيدي رأيه الكلمة العليا في شؤون البلاد والعباد.

هؤلاء لا يرون أن مد خط فكرهم إلى نهايته يعنى عزلنا عن العالم والعصر، لنقعد راضين بجهلنا، وجهلنا راض عنا، وما كانت البروليتاريا الرثة رثة إلا لجهلها الذي لا تعرف معه أين تقع مصلحتها.

– الوزير السابق ورجل القانون الذي دافع عن رفضه تعيين ابن زبال في سلك القضاء، بتساؤل ظنه مفحمًا: “إذا جاء أحدكم ابن زبال يحمل شهادة جامعية بتفوق يخطب ابنته، فهل سيقبله زوجًا لها؟”،

رجل القانون هنا يخلط دون أن يدرى بين ما يحكم به القانون، وما يحكم به العرف الاجتماعي، أو ما يسمى بـ “العادات و التقاليد”، فأنا وأنت وهو أحرار في قبول أو رفض ابن الزبال أو ابن الوزير إذا أراد مصادقتنا أو مصاهرتنا أو حتى الذهاب معنا في رحلة، ولكن لا أنا ولا أنت ولا هو لنا الحق في رفض ما يمنحه له القانون الذي يسرى على الجميع، وإلا فليكونوا صرحاء مع أنفسهم، وليغيروا القانون بحيث ينص على حرمان شرائح بعينها من وظائف بعينها.

كان الرجل صادقًا في إحساسه، لدرجة أنه لم يعط نفسه فرصة ليدرك أن القياس الذي استند إليه هو بلغة الفقه والقانون قياس فاسد من الأصل.

كذلك لم يدرك أن المجتمعات الحديثة “ومنها مصر قبل عدة عقود” ابتكرت مؤسسات تأهيل ثقافية واجتماعية تجهّز أبناء الطبقات الأدنى لأعلى الوظائف، دبلوماسية وقضائية وعسكرية، ومن هذه المؤسسات ما يعمل على دمج الطلاب من كافة الطبقات في فترة التحصيل الدراسي، ومنها ما يتبع الجهات التي تحتاجه موظفًا فيها. لكن الهوى الطبقي يعمي ويصمّ، إلى درجة تعطل العقل عن إدراك البديهيات، فإذا برجل القانون يهدم القانون، وهو مؤمن أنه يخدمه.

لدهشتي وجدت في الصباح التالي أستاذًا كبيرًا في إحدى كليات الزراعة يثنى على الوزير المستقيل لأنه رد على منتقديه ردًا دامغًا، ولمزيد من الدهشة أيده أغلب الحاضرين، وبينهم أساتذة ومدراء ومهندسون وأطباء، فإذا تساءل واحد أو اثنان من الحاضرين، كيف لمثلهم أن يقبلوا أن تحل الدولة العرف محل القانون؟، وكيف يضمنوا ألا تدور الدائرة على مصالحهم هم إذا ضحينا بالقانون هكذا؟ كانت الإجابة: “يا عم دعك من القانون، فنحن (شعب) لا يلتزم بالقانون من الأصل”، فإذا واصلت الجدل متسائلًا: “حتى إذا كان هذا هو الوضع، فعلى الدولة الالتزام بالقانون وإلزام الشعب به”، دخلت في حلقة مفرغة من الإجابات العبثية.

هذه هى “الرثاثة” بعينها، وقد امتدت إلى أعلى الشرائح تعليمًا وعصرية في مجتمعنا، بحيث لم يعد هؤلاء يدركون أن احترام القانون هو في صميم مصالحهم هم قبل الآخرين، حتى لا يتحول المجتمع إلى فوضى تدمر تلك المصالح، وقد لا تبقى ولا تذر.

– نموذج ثالث: رجل القانون أيضًا الذي يقترح إصدار تشريع لمعاقبة أولياء أمور الشباب الإرهابيين، عائدًا بنا إلى عصر داحس والغبراء، ومخالفًا كل ما درسه ودرسناه في نظريات القانون والجريمة والعقاب، وهادمًا القانون الذي هو علة وجوده في هذا المنصب، ومتجاهلًا أن الإرهابي نتاج لعوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية وفكرية وتربوية، ليس أهمها عدم مراقبته من قبل ولى أمره.

– النموذج الرابع: أساتذة الطب الكبار الذين شاركوا في إنتاج “جهاز الكفتة” وباركوه وروّجوا له، وهم يعلمون أن كل ما درسوه، وكل ما يدرّسونه لطلابهم ضد هذه الخزعبلة، ولكنهم قبلوها وأسكتوا ضمائرهم وعقولهم طمعًا أو خوفًا، فإذا كنت عالمًا وخنت علمك على هذا النحو، فكيف تصف نفسك؟

– نموذج خامس: أساتذة طب وهندسة ومحاسبة ولغات يقسمون بكل أيمانهم أن الديمقراطية وهم كبير، وأنه لا توجد في العالم دولة ديمقراطية حقيقية، وأن قصة حقوق الإنسان هذه ليست سوى “سبوبة” للارتزاق، أو هي خدعة استعمارية. كل هذا لتبرير دفاعهم عن نظام حسنى مبارك، ورفضهم لثورة يناير، ولتسويغ محاولات إحياء نظام مبارك من جديد، لأن بعضهم كان صديقًا لهذا الوزير أو ذاك، وبعضهم كان هذا الرجل الكبير أو ذاك قد اختاره طبيبًا له.

قال لي أحدهم بالحرف الواحد إن مشكلة مصر الحقيقية هي في الأجيال التي تقل عن خمسين سنة، فهؤلاء يظنون أنفسهم أفضل من أجيالنا التي رضيت بما يسمونه الحكم الديكتاتوري، مع أن كل الحكومات في كل العالم ديكتاتورية! وعقّب آخر بقوله إنه لو امتلك السلطة فسيكون ديكتاتورًا أيضًا، لا يفكر إلا في نفسه ومن حوله. وعندما قلت له إنه لهذا السبب تحديدًا وُجدت الديمقراطية؛ لتحدّ بأساليب الرقابة  التوازن والمساءلة من الدوافع الفطرية في الطبيعة الإنسانية نحو الجشع والتسلط والانفراد بالقرار، وأن الديمقراطية نفسها تتطور باكتشاف النقائص التي تتسلل منها تلك الدوافع غير الحميدة، أجابني: أنتم يا صحفيون تصدقون الأوهام!

قضية الروائي الشاب أحمد ناجى، وقضايا ازدراء الأديان نموذجًا:

في الأولى حُكِّم القانون في ما لا يخصه، أو في ما لا ينبغي أن يخصه، بسعي ورضا شريحة من اﻹنتلجنسيا المصرية، إذ أن للأدب والفكر محاكم من نوع خاص، هي محاكم الذوق والنقد، وفي الحالات القصوى تكون المحاكم العلمية، كما حدث في محاكمة على عبد الرازق عن كتابه “الإسلام وأصول الحكم” فالرجل جُرّد، في محاكمة علمية أزهرية، من درجة العالمية، وكانت هذه رجعية مرفوضة، لكنه لم يحاكم جنائيًا، وحدث مثل ذلك مع طه حسين بخصوص كتاب “في الشعر الجاهلي”، وحدث شئ من هذا أيضًا ضد رواية “أولاد حارتنا” لنجيب محفوظ، فقد تزعم الشيخ محمد الغزالي حملة لمقاطعة صحيفة الأهرام التي نشرت الرواية، ولم يدع إلى محاكمة محفوظ جنائيًا.

فإذا قارنّا بين هذه الحالات، وهى كلها قريبة العهد بنا، وبين ما يحدث مع أحمد ناجى، فسيظهر فورًا كم تراجعت اﻹنتلجنسيا المصرية إلى ما وراء الوراء نفسه.

وفي القضية الثانية، قضية أو قضايا ازدراء الأديان، وجدت اﻹنتلجنسيا المصرية نفسها في موقف شديد التناقض، فقد رحبنا جميعًا بمعاقبة الرجل الذي أهان الإنجيل علنًا على شاشات التليفزيون بالسجن المستحق، ولكننا أفقنا على تطبيق العقوبة على إسلام البحيري وفاطمة ناعوت، وتلاميذ المنيا المسيحيين، وكلهم اتهموا بازدراء الإسلام، فما الحل؟

لا أناقش الأحكام هنا، ولكني ألفت النظر إلى تناقض الجماعة الثقافية، بين ترحيب بمعاقبة من ازدرى الإنجيل، ورفض لمعاقبة إسلام وناعوت وأطفال المنيا، دون جهد حقيقي لبحث تعديل القانون بما يحفظ لكل أصحاب ديانة حقهم في احترام عقائدهم ومقدساتهم، وبما يقي مصر النزاعات الدينية والطائفية، ولكن أيضًا بما لا يفتئت على حرية الرأي والاجتهاد والتعبير. إنه خيط رفيع علينا إجهاد أنفسنا بالبحث عنه، وعدم الاكتفاء بالترحيب هنا، والصراخ هناك، وإلا ستبقى الجماعة الثقافية متهافتة أمام المجتمع والسلطة.

وهذا نموذج من خبراء الاقتصاد، فهو مسؤول كبير سابق في البنك المركزي، وكان يمثل البنك في لجان الاستيراد، جلس بين أصدقائه متحسرًا بحماس على أيام “أبو علاء”، قاصدًا حسنى مبارك، وعندما سُئل عن سبب الارتفاع المتوالي في سعر الدولار رغم تغيير محافظ البنك المركزي، قال إن السبب هو أن لجان ترشيد الاستيراد لم تعد فعالة بعد إلغاء وزارة الاقتصاد، فأصبح “ترشيد الاستيراد” ضائعًا بين الوزارات، وتُرك السوق سداحًا مداحًا فضاع الجنيه، وضاعت من قبله صناعات كثيرة، وعندما سألته، أليس أبو علاء هو من ألغى وزارة الاقتصاد؟ أجاب بانعدام منطقية يُحسد عليها، أن من ألغاها هو جمال مبارك ورجاله، وكأن جمال مبارك كان ابن مبارك آخر، غير “أبو علاء”.

ليسامحنا أرسطو من وراء ستة وعشرين قرنًا من الزمان على إجرامنا في حق قانونه المسمى “قانون رفع التناقض في التفكير”.

ونتحدث الآن عن نموذج من أهل الثقافة الكبار جدًا، وقد شغل وزارة الثقافة مرتين، وفي تجربة شخصية معه فرض الرجل نفسه علىّ مرتين دون موعد. في الأولى لمدة ساعتين في جريدة الشروق، وفى الثانية لمدة أربع ساعات في اليوم التالي لاختياري رئيسًا لتحرير الأهرام. في الأولى كان يريد الكتابة في الشروق، وفى الثانية كان يطلب رفع مكافأته.

نختتم بنموذج أكثر شمولًا، حتى وإن لم تكن النماذج السابقة حالات فردية، وإنما تشكل في مجموعها تيارًا غالبًا في اﻹنتلجنسيا المصرية الحالية كما لمست، وكما يلمس غيري. هذا النموذج الذي نختم به هو غالبية التنويريين الجدد، فهم يكافحون على جبهة واحدة، هي جبهة التطرف الديني، وما يسمونه أحيانًا الفكر الظلامي، ولهم كل الحق في ذلك، لكن غالبيتهم الساحقة لا تذكر شيئًا عن الاستبداد السياسي، في حين أن التنوير كما عرفته أوروبا التي استعرنا المفهوم منها، كان موجهًا ضد الاستبدادين الديني والسياسي في الآن نفسه، وبالقوة نفسها، فمثلما كان هناك فولتير وديفيد هيوم وديد رو يكافحون عار التعصب الديني، كان هناك جون لوك ومونتيسيكيو وجان جاك روسو يكافحون الطغيان السياسي.

فى أحد اللقاءات الفكرية التي نظمها الدكتور مراد وهبة سألت مثقفًا كبيرًا جدًا، ومعروفًا بصلابته ضد الاستبداد الديني: “وماذا عن الاستبداد السياسي؟” ولكن الرجل -وهو صديق- لم يجب، ولم أشأ مواصلة الضغط عليه.

السطور السابقة ليست موجهة ضد أحد بعينه، ولا هي حتى إدانة أخلاقية أو سياسية للإنتلجنسيا المصرية، ولكنها محاولة لرصد ووصف هذه الظاهرة، التي لا يستطيع أحد إنكارها، والتي تعد من أسباب تخلفنا العلمي والثقافي والسياسي، إذ من يصلح الملح إذا الملح فسد؟ ولكن هل من تفسير، وهل من علاج؟

ليس للظواهر الاجتماعية سبب واحد بالطبع، وفي حالتنا هذه فإن استدامة خضوع المثقف للسلطة واعتماده على رضاها في إحراز المناصب والترقي العلمي، ومستوى المعيشة المعقول منذ تأسس نظام يوليو، أديا إلى تآكل تدريجي متسارع في تقاليد الاستقلال الفكري والاعتداد بالمسؤولية المجتمعية لهذه الشريحة. كذلك فإن نظام التعليم القائم على التلقين وإرهاب امتحانات الذاكرة هو أيضا أحد الأسباب، ثم إن التعليم القائم على التخصص المهني المنفصل عن سائر مكونات المعرفة، وخاصة عن العلوم الإنسانية “وهو ما لم يعد معمولًا به في بقية العالم”، كان لا بد أن يؤدى إلى عدم انطباق التعريف العلمي الدقيق للـ”إنتلجنسيا” على كثير من المهنيين من خريجي هذا النوع من التعليم في مصر.

وكشاهد من أهلها، كان الأستاذ الدكتور محمد فريد رعية الرئيس الأسبق لقسم الأمراض الجلدية بجامعة عين شمس “وهو من دفعة الأستاذين محمد الظواهري وحسن الحفناوي” يصف الطبيب الماهر في حرفته، دون أن يكون ملمًا بشيء من الأدب والتاريخ والفلسفة، بأنه مثل “السباك أو النجار الشاطر”، لا أكثر، وهكذا المهندس والمحاسب، بل والمحامي والصحفي الذين لا يهتمون سوى بتخصصهم الدقيق وبالنجاح المالي.

ومن بعد التعليم يأتي جدب المجتمع من مؤسسات التفاعل السياسي والفكري الحر، فيبقى “المهني” على حالة الخواء التي خرج بها من الجامعة، إن لم يعمقها. ويشعر من لديه دافع للمعرفة والتفاعل، بعدم جدوى معارفه ومساعيه، فيصاب بالإحباط، وينصرف إلى الحفلات، أو الغراميات، أو الملابس الفاخرة، والسيارات الفارهة، أو إلى التباهي بمعرفة هذا وذاك من ذوى السلطان والمال، أو السفر هنا وهناك. تلك المؤسسات هى الأحزاب السياسية، والجمعيات العلمية، والصالونات الثقافية، والروابط المهنية ذات المضمون الاجتماعي والتثقيفي، وغيرها من أنواع النشاط الأهلي.

***

هل عرفنا الآن لماذا ورث نظام يوليو إنتلجنسيا مصرية قوية وواعدة كانت من أسباب نجاحاته الأولية؟ ولماذا أورث هذا النظام نفسه مصر الآن إنتلجنسيا لا تستحق سوى وصفها، حقًا وصدقًا، بالـ”إنتلجنسيا الرثة”، فهي لا تدرك أن مصلحتها ومثلها العليا تكمن في قيادة المناخ الفكري، الذي يقيم دولة القانون الديمقراطية المؤسسة على توازن السلطات، وخضوع الجميع للمساءلة وتكافؤ الفرص، في مجتمع مفتوح ومندمج، وليس مجتمع الطبقات أو الفئات المغلقة، المتربصة ببعضها البعض.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد