Define your generation here. Generation What
ملاحظات حول “الأسرة” و”القاضي الناقد الأدبي” في حيثيات حكم سجن “ناجي”
 
 

أودعت محكمة جنح مستأنف بولاق أبو العلا، أمس الأول، حيثيات حكمها، الذي أصدرته في فبراير الماضي، بحبس الروائي أحمد ناجي سنتين، وتغريم طارق الطاهر رئيس تحرير “أخبار الأدب” عشرة آلاف جنيه، بناء على اتهام الأول بنشر مقال حوى مادة كتابية خادشة للحياء، والثاني بالإخلال بواجب الإشراف على جريدته مما أدى إلى نشر المقال محل الاتهام، وذلك على خلفية نشر “أخبار الأدب” فصلًا من رواية “استخدام الحياة”، التي ألفها ناجي، في عددها الصادر في 3 أغسطس 2014.

وفي حيثيات الحكم الذي صدر برئاسة المستشار ميسرة الدسوقى رئيس المحكمة وعضوية المستشارين محمد فريد وأحمد أبو رية، استندت المحكمة إلى عدد من مواد الدستور، وقالت إن “المشرع الدستوري قد نص فى المادة العاشرة من الدستور على أن (الأسرة أساس المجتمع قوامها الدين والأخلاق والوطنية وتحرص الدولة على تماسكها واستقرارها وترسيخ قيمها) والحفاظ على الأسرة التى هى أساس المجتمع مقدم على الحفاظ على مصلحة فرد أو طائفة، لا غاية لها سوى تحصين أنفسها من العقاب، أو جعل أنفسهم بمأمن من العقوبات المقيدة للحرية، بدعوى حرية الرأى”، وهي المادة التي وضعتها المحكمة في مواجهة المادة 67 من الدستور التي قالت عنها إن المشرع حين نص فيها على حرية الإبداع الفني والأدبي “لم يكن ليقصد حماية هؤلاء الذين نسبوا أنفسهم إلى الكتاب يسعون فى الأرض فسادا، ينشرون الرذيلة ويفسدون الأخلاق بأقلامهم المسمومة تحت مسمى حرية الفكر، وإلا لكان تناقضا مع نفسه، حين دعا إلى الحفاظ على الأسرة، لأنها أساس المجتمع بالحفاظ على الدين والأخلاق.

حسن الأزهري المحامي في مؤسسة حرية الفكر والتعبير قال لـ “مدى مصر” إن “النص الدستوري لا يمكن أن ينظر إليه في مواجهة نص دستوري آخر”، مستكملًا: “لكن هذا ما أقدمت عليه المحكمة فعلًا، وهو أمر مدهش.. حيث استقدمت نصًا في مواجهة آخر، بينما العرف الدستوري هو تكامل النصوص ووحدتها العضوية”.

وفي ما يتعلق بالمادة العاشرة من الدستور، قال الأزهري إن النص الدستوري حول الأسرة يكاد يكون نصًا ثابتا في دساتير مصر المتواترة، “لكنه نص إنشائي بلاغي في المقام الأول، لا يهدف فعليًا إلى تطبيق أي شيء، إنما يستهدف فقط ما يشبه التحذير من الأضرار المحدقة بالأسرة على نحو عام”، بحسب الأزهري، الذي أضاف: “لا يوجد مقياس يوضح كيفية تطبيق نص كهذا، خاصة وأنه يتضمن إشارة لا إلى الأسرة فقط بل إلى الدين والأخلاق والوطنية كقيم مبهمة ومحل خلاف”، موضحًا أنه تبعًا لنص المادة فـ “الدين مثلًا لا يتضمن مفهومًا واضحًا، فالأديان متعددة وكذلك المذاهب.

من جهته، قال طارق عبد العال، رئيس الوحدة القانونية في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إن “النص لا يهدف إلا إلى الإشارة لحماية المجتمع، ومجرد إقراره ليس إلا رمزًا لمعايير أخلاقية لا يمكن تطبيقها للعقاب؛ كون النص نفسه يخلو من أي صياغة إلزامية”.

غير أن ما ساقته المحكمة في حيثياتها حمل معنى آخر، وهو نزع صفة “الإبداع” عن رواية أحمد ناجي “استخدام الحياة”، بشكل يُخرج الرواية، وكاتبها، من الحصانة الممنوحة لها بحكم الدستور بوصفها عمل إبداعي. وهو ما علق عليه عبد العال قائلًا: “من غير المجدي النقاش حول كون رواية ما تتضمن إبداعًا من عدمه”.

واستكمل عبد العال موضحًا: “الإبداع أصلًا لا محدد له، هو أمر لا يخضع للتعريف أصلًا”، مضيفًا أن “الدستور تضمن ألفاظ محددة وواضحة المعنى بخلاف الإبداع، من قبيل “النشر” كمعيار للتمتع بالحصانة من الحبس وهو لفظ قطعي الدلالة”.

وتنص المادة 65 من الدستور على أن “حرية الفكر والرأى مكفولة. ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول، أو بالكتابة، أو بالتصوير، أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر.”، كما تنص المادة 67 على أن “حرية الإبداع الفنى والأدبى مكفولة … ولا توقع عقوبة سالبة للحرية فى الجرائم التى ترتكب بسبب علانية المنتج الفنى أو الأدبى أو الفكرى”، كما تنص المادة 71 على أنه “… لا توقع عقوبة سالبة للحرية فى الجرائم التى ترتكب بطريق النشر أو العلانية، أما الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو بالتمييز بين المواطنين أو بالطعن في أعراض الأفراد، فيحدد عقوباتها القانون.

وفي هذا الصدد، يقول الأزهري: “الفيصل في الأمر هو إثبات وقوع ضرر ما من نشر أي مادة، سواء اعتبرها القاضي إبداعية من عدمه، ثم بيان طبيعة الضرر وما إن كان ماديًا أو معنويًا، دائمًا أو مؤقتًا”، مضيفًا أن “القول بأن الشعور بالإحراج أو الخجل جراء قراءة نص تضمن ألفاظًا جنسية مثلًا، هو من قبيل الضرر، لهو أمر ينقل الجدل إلى العادات والتقاليد بدلًا من النصوص القانونية”.

كانت محكمة جنح بولاق أبو العلا –أول درجة، والتي أصدرت حكمًا ببراءة ناجي والطاهر قبل أن تستأنف النيابة الحكم ليصل إلى محكمة الاستئناف لتقضي بحبس الأول وتغريم الثاني- قد استمعت إلى شهادة كل من الأديبين صنع الله إبراهيم ومحمد سلماوي، اللذين أتت شهادتيهما في صالح ناجي، وفي شهادته، وحين سأله الدفاع إن كان الأدب علمًا، نفى سلماوي ذلك، قائلًا إن “الأدب فن. لكن النقد علم، وهو علم شاق يتعلمه الناقد ولا يجوز لغير المتخصص أن يتعرض له، فهناك من يمضون السنوات الطوال فى دراسته وينالوا فيه أرفع الدرجات العلمية. هؤلاء هم الخبراء الذين علينا أن نلجأ إليهم فى تقييم العمل الفنى.” قبل أن يعرب عن سعادته للإدلاء بشهادته، موضحًا: “تعودنا أن يتم اللجوء للخبراء فى الدعاوى القضائية الخاصة بالموضوعات الاقتصادية أو فى النزاعات الضرائبية أو ما شابه ذلك، لكن لجوء المحكمة الموقرة للخبراء فى هذه الدعوى الأدبية إنما يستوجب توجيه التحية الكاملة للمحكمة.”

غير أن محكمة الاستئناف رأت في حيثيات حكمها الصادر مؤخرًا أن ما شهد به الشاهدان (سلماوي وصنع الله) “ما هو إلا إلباس الحق بالباطل”. وهو ما علق عليه الأزهري قائلًا: “في ما يتعلق بالحق الذي منحه القاضي لنفسه بتقييم الرواية بالرغم من أن قائمة من الأدباء شهدوا بأنها تعد عملًا إبداعيا.. فالأمر يرتبط بعرف قضائي سيء مفاده أن القاضي هو خبير الخبراء الذي يحق له استبعاد تقارير فنية في أي تخصص”.

اعلان
 
 
بيسان كساب