Define your generation here. Generation What
الجيش وأراضي العاصمة الجديدة
 
 

أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قبل حوالي الشهر القرار الجمهوري رقم ٥٧ لسنة ٢٠١٦، وبموجبه خصص أراضي العاصمة الإدارية الجديدة وتجمع زايد العمراني، المزمع إنشاؤهما على ما يناهز ١٦ ألف فدان، لجهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة كي تضطلع بتنفيذ المشروع، كما نص القرار على إنشاء شركة مساهمة تتولى إدارة اﻷراضي، وتضم مساهمات من جهازي مشروعات أراضي القوات المسلحة ومشروعات الخدمة الوطنية، وهما ذراعان اقتصاديتان للجيش. ويبدو، استنادًا إلى هذا، أن ثمة اتجاهًا لدى القيادة السياسية لأن يلعب الجيش، من خلال أذرعه الاقتصادية، دوًرا أساسيًا، لا في التنفيذ فحسب، إنما في الاستثمار عن طريق تخصيص الأراضي -المرشحة أن تشهد ارتفاعًا كبيًرا في قيمتها- لشركات تابعة للجيش. فهل يدشن هذا لتحول نوعي في دور الجيش الاقتصادي في مصر؟

كان الرئيس قد أصدر قراًرا بقانون في ديسمبر الماضي -أي قبيل انعقاد مجلس النواب المنتخب حديثًا- بتعديل القانون المنظم لعمل جهاز مشروعات القوات المسلحة (رقم ٥٣١ لسنة ١٩٨١) بما يبيح للجهاز ـولأول مرةـ الحق في إنشاء شركات تجارية هادفة للربح وحده، أو بالشراكة مع رأس المال الخاص الوطني أو الأجنبي، وذلك على غرار جهاز مشروعات الخدمة الوطنية المنشأ بقرار بقانون رقم ٣٢ لسنة ١٩٧٩، والذي يملك ويدير حوالي واحد وعشرين شركة عاملة في مجالات متنوعة، تتراوح بين السلع الغذائية والأسمدة والأسمنت والمياه المعدنية، إلى المقاولات والتشييد والبناء.

وخلافًا لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية فإن جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة، تاريخيًا، لم يكن له دور استثماري أو تجاري بل جرى إنشاؤه في ١٩٨١ (مع صدور القانون رقم ١٤٣ لسنة ١٩٨١ الخاص باستخدام الأراضي الصحراوية) كي يحصل على تعويضات مالية من الخزانة العامة للدولة، نظير الأراضي المقامة عليها معسكرات أو مواقع عسكرية (أي الأراضي التابعة للقوات المسلحة بصفة مباشرة) والتي يجري تخصيصها لاستخدامات اقتصادية أخرى، وقد نص القانون رقم ٥٣١ لسنة ١٩٨١ على أن يكون التعويض في حدود ما يسمح للقوات المسلحة بإقامة منشآت عسكرية في مواقع بديلة، بيد أن دور الجهاز قد تغير مؤخرًا بمنحه ذات الصلاحيات الممنوحة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية بالسماح له بإنشاء شركات مساهمة هادفة للربح، وهو ما عده بعض المراقبين قبل شهرين تمهيدًا مؤسسيًا وتشريعيًا لدخول جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة مساهمًا بقيمة الأراضي الصحراوية التي يملكها، علمًا بأن قانون استخدام الأراضي الصحراوية (رقم ١٤٣ لسنة ١٩٨١) والقرار الجمهوري بقانون رقم ١٧ لسنة ٢٠٠١ الخاص بالمناطق الإستراتيجية، يمنحان وزير الدفاع الصلاحية المطلقة في تعيين الأراضي المخصصة لأغراض الدفاع، والتي يجري لتخصيصها استصدار قرار جمهوري بناء على توصية وزير الدفاع، كما يحق لوزير الدفاع طبقًا للقانون تغيير الغرض من استخدام الأراضي التابعة للقوات المسلحة، بما في ذلك الأغراض الاقتصادية.

إن ما يميز القرارات الأخيرة أمرين اثنين: الأول منهما هو إصدار إطار تشريعي رسمي لاستثمار القوات المسلحة لرصيدها الضخم من الأراضي، وهو الرصيد المتحقق للجيش بحكم ميراث طويل من قوانين الدفاع والأمن القومي في الأراضي الصحراوية، في فترة لم تكن لتلك الأراضي أهمية اقتصادية في الخمسينيات والسيتينيات، مع تركز جل السكان في الوادي والدلتا، وهو ما تغير تمامًا في العقود الثلاثة الماضية، إذ أصبحت فرص التوسع الاقتصادي والسكاني في مصر، سواء باستصلاح الأراضي الجديدة أو بناء المدن الصناعية أو المواقع السياحية أو مشروعات الإسكان في المدن، مرهونة بوجود نفاذ لأراض صحراوية من المفترض أن تكون تكلفتها منخفضة ومساوية فحسب لسعر إمدادها بالمرافق، وهو ما ليس متحققًا من الناحية الفعلية، إذ تستخدم الدولة بما فيها الجيش الأراضي الصحراوية لتحقيق مكاسب اقتصادية، إما من خلال الإيرادات المتحققة للدولة من بيع الأراضي الصحراوية، أو في الحالة الأخيرة مع القوات المسلحة، لتحويل السيطرة الإدارية والقانونية والفعلية على الأراضي الصحراوية إلى رأس مال في شركات تطوير عقاري.

أما الأمر الثاني المميز للقرارات الأخيرة، فهو تغير نمط استخدام الجيش لنفاذه للأراضي الصحراوية العامة، فبعدما كان هذا النفاذ يوفر ميزة نسبية لشركات جهاز مشروعات الخدمة الوطنية لتنفيذ أعمال البنية الأساسية كالطرق والكباري والأنفاق، يبدو أن المجال انفتح اليوم للدخول بثقل في مشروعات التنمية العقارية والصناعية والخدمات اللوجستية، كحال العاصمة الإدارية الجديدة والإسكان المتوسط وربما محور قناة السويس في إطار ذات القانون. مما قد يعني أن تلك الهيئات والشركات ستكون طرفًا رئيسيًا في الشراكة مع رأس المال العربي والأجنبي، وربما المصري كذلك، بما يتيح أن تدخل شركات الجيش بما تملكه من أراض ـبعد تحويل سيطرتها على الأراضي إلى ملكية قانونية تدر عائدًا استثماريًاـ إلى حصص في رأس مال الشركات.

ينجم عن هذا الوضع عدة مشكلات أبرزها هو التداخل المحتمل بين إدارة وتخطيط وتخصيص الأراضي المملوكة للدولة، والذي يلعب فيها الجيش دورًا أساسيًا باعتباره الطرف الساهر على الأمن القومي والدفاع، وبين المضاربة على الأراضي في مشروعات عقارية، ومع تمتع الجيش بنفوذ غير مسبوق لدى القيادة السياسية، فإن هذا يفتح الباب أمام سوء استخدام السلطة، ويخلق مساحة من تضارب المصالح بين التخطيط باسم الأمن القومي والصالح العام، وبين تحقيق مكاسب اقتصادية مباشرة من وراء قرارات التخطيط والتخصيص.

أما المشكلة الأخرى فهي عدم وضوح الإطار القانوني الذي يمكن أن تتم فيه الشراكات بين شركات جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية من جانب، وبين الشركات الخاصة، مصرية كانت أو عربية أو أجنبية، فشركات الجهازين التابعين للقوات المسلحة خاضعة لقوانين تخصها، وهي في ذلك تقع في إطار القانون العسكري، ومن غير المعروف موقع الشركات التي تحوي رأس مال لشركات مملوكة من القوات المسلحة، وشركات خاصة مصرية أو أجنبية. هل ستخضع لقوانين التجارة والاستثمار والشركات التي تحكم القطاع الخاص والعام في مصر، أم للقوانين العسكرية المنظمة لعمل أجهزة المشروعات؟ وقد ينجم عن هذا الوضع لبسٌ، بما يخلق مساحات من عدم اليقين لدى المستثمرين الذي سيكونون حريصين على تأمين حقوق ملكيتهم للأصول الثابتة، كالأراضي المقامة عليها المشروعات الاستثمارية.

إن التحدي الأساسي الذي يواجه مصر اليوم هو استغلال المورد المتوفر بنجاعة اقتصادية وبأثر تنموي: وهو الأراضي الصحراوية التي تمثل نحو ٩٥٪ من إجمالي المساحة، والتي تحمل فرصًا للتوسع خاصة في مجالات كالتصنيع والإسكان، وهو ما يستوجب استخدام الأراضي الصحراوية طبقًا لخطط تستهدف التنمية لأكبر عدد ممكن من المصريين، لا توليد إيراد للدولة وبعض أجهزتها المدنية أو العسكرية.

ولعل أحد أهم أسباب فشل استراتيجية استخدام الأراضي في مصر في العقود الماضية هو سعي الدولة عامة، بما في ذلك الجهات العسكرية، للاستفادة المادية المباشرة من ولايتها القانونية على الأراضي العامة، إما بتحصيل أكبر ريع نقدي ممكن من المستثمرين ما يرفع من التكلفة الفعلية للأراضي، أو من خلال استخدامها لأغراض استثمارية، وكان هذا هو المنطق الحاكم لقيام هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة منذ نهاية السبعينيات ببناء منتجعات سياحية في الساحل الشمالي مثل مراقيا ومارينا بغية تحقيق أكبر عائد ممكن لها وللدولة، وكان الناتج النهائي هو إهدار تحت الأراضي على المدى البعيد، وحرمان الاقتصاد المصري من فرص حقيقية للتوسع الصناعي والزراعي والعقاري بدلًا من الغابات الخرسانية المأهولة لمدة شهرين في السنة.

ويبدو أن ذات المنطق يتكرر اليوم مع الأجهزة التابعة للقوات المسلحة، والتي ترغب في تسخير ولايتها القانونية والفعلية -بحكم حضورها الكثيف- داخل الجهاز البيروقراطي لتسهيل نفاذها لفرص استثمارية في السوق المصرية، وهو أمر ستكون له تبعات طويلة الأجل على التنمية الاقتصادية والاجتماعية ككل.

اعلان