Define your generation here. Generation What

الترابي الجدلي.. في الحياة وفي الممات

“ملعون في دين الرحمن..
من يسجن شعباً.. من يخنق فكراً..
من يرفع سوطاً.. من يُسكت رأياً.. من يبني سجناً..
من يرفع رايات الطغيان..
ملعون في كل الأديان..
من يُهدر حق الإنسان..
حتى لو صلّى أو زكّى وعاش العُمرَ مع القرآن”
– جمال الدين الأفغاني

مات الترابي -الشيخ حسن كما درج حواريوه بمنادته، أو الدكتور حسن عبدالله الترابي أحد فلاسفة القرن العشرين وأشهر عرًاب للإخوان المسلمين في الخمسين سنة الماضية.

كان الرجل متعلمًا ومثقفًا. تخرج في أفضل الجامعات وأشهرها: الخرطوم والسوربون.

عند معرفة خبر موته، بدأ سجالًا بين السودانيين حول: هل نفرح لموت ظالم، أم نحزن لأن الأصول تقول يجب الحزن على الميت -أيًا ما كان؟

لم أجد نفسي مع أي من طرفي السجال. ببساطة، لأني لست سعيدة بموت الترابي. فهناك قضايا حق كثيرة لا تزال بانتظار حسمها ضد الرجل. كما أني في الوقت نفسه لم أشعر بحزن لذهابه للعزيز المقتدر. فالموت هو سبيل الأولين والآخرين. وفي حالة الترابي كان نتيجة لعوامل طبيعية كثيرة لم يكن القصاص أحدها.

كنت في الرابعة عشر من عمري عندما سمعت لأول مرة مصطلح “براجماتية”، وحاول الشخص الذي استخدم المصطلح أن يشرحه لي. ووقتها جاء في عقلي الترابي -لا أدري حتى اللحظة لماذا- وقلت لمحدثي: هل يمكن أن نعتبر الترابي براجماتي؟ فجاءت الإجابة: نعم.. من وقتها والترابي يُثَبِّت معنى هذا المصطلح في ذهني.

رحلته الأخيرة في تغيير معالم بلدي ومفاهيم أهله بدأت في مطلع الثمانينيات، في شهر سبتمبر من العام 1983 تحديدًا، ومن حيث لا ندري، ظهر “الشيخ حسن” بجانب النميري لتظهر لنا معه قوانين عُرفت بـ “قوانين الشريعة”. وهي لعمري ليست كذلك. لأنها، ومنذ اليوم الأول، أخذت مسلك: “إذا سرق منهم الشريف تركوه …”

كان “الشيخ حسن” مسئولًا، بشكل مباشر أو غير مباشر عبر “حوارييه”، عن فتح أبواب بلدنا الآمن لكل المطلوبيين في جرائم إرهاب (إرهابًا حقيقيًا وليس مجازًا أو كيديًا) ليدخلوا ويستقروا ويأمنوا. لا بل ويتحصلوا على وثائق سفر دبلوماسية تسهّل تحركاتهم: أسامة بن لادن، أيمن الظواهري، راشد الغنّوشي وغيرهم كثر. ففي الفترة من بداية التسعينيات وحتى منتصفها. كان السودان هو نقطة البداية للدولة الحلم للإسلاميين المتشددين. ودفع أهله ثمنًا غاليًا لرعاية ذلك الحلم. لا أقصد فقط العقوبات التي طالت الفقراء قبل الأغنياء. بل والموت الذي زار تقريبا كل بيت في السودان. موت أخذ صبيتنا اليافعين الذين كانوا وقودًا لحرب جهادية لم يسعوا إليها.  حرب بدأت بمباركة الشيخ الفيلسوف. وهي الحرب التي أتت ببدعة “عرس الشهيد”. حيث حُرِّم على الأهل تلقي العزاء، بل وتم استبداله بعرس لابنهم الذي كانوا يحضّرونه لدخول الجامعة.

مات الشيخ بالأمس، وتم دفنه في مكان معلوم وبتشييع عدد معلوم. أما في عام 1990، وبعد عام من الانقلاب الذي قاده الترابي، ووضع عمر البشير في الحكم، فتم إعدام 28 ضابطًا لا زالت أسرهم تطالب حتى اللحظة بمعرفة مكان دفنهم.

ما فعله الترابي باختصار. هو تغيير لتاريخ وجغرافيا السودان وذلك عبر إتيانه بأفكار دخيلة على مجتمع متدين ومتسامح بالفعل. فلم يكن السودان قبل “الترابي” من دول الكفر التي يؤمن ومن تبعه بتغييرها. ولم تكن عاداتنا ولا تقاليدنا تدعو للعنف وامتهان كرامة الإنسان لمجرد الاختلاف. ولم نكن نخض حربًا جهادية حتى ظهر الرجل.

مات الرجل.. نعم. ولكن فكره المستورد الخرب، وتلاميذه غير النجباء لا زالوا يحكمون.

و.. “ملعون في دين الرحمن.. من يسجن شعباً.. من يخنق فكراً.. من يرفع سوطاً.. من يُسكت رأياً.. من يبني سجناً”.

اعلان
 
 
رجا العباسي