Define your generation here. Generation What

بيونسيه وكولد بلاي.. ولماذا لا يجب أن نسمح للغرائبية بالشيوع

إن نشأة جيلي في أمريكا في الثمانينيات مرورًا بأوائل الألفية الثانية جعلت معظمه لا يصدم بسهولة. ليس لأن أمريكا تحديدًا لا يوجد بها ما هو صادم، وإن كان البعض قد لا يتفق مع ذلك. ولا لأن أمريكا تتمسك بحرية التعبير على نحو مثالي يجعلك تحترم الفردية لدرجة لا تدع مجالًا للشعور بالصدمة. بل لأننا كبرنا على مشاهدة العديد من المسلسلات الكوميدية التي تسفه من القيم العائلية، ورأينا في برامج تليفزيون الواقع أمهات تقوّدن على بناتهن، حتى تكونت لدينا مناعة ضد صدمات وأهوال الثقافة الشعبية. تمامًا مثلما يتبلد شعور الأطباء أمام مشهد الدم.

لم أصدم عندما أعلن كرت كوبين أن كورتني لاف “أفضل نيكة في العالم،” بل حسدتها. ولا عندما ارتدت ليدي جاجا فستانًا من اللحم النيء، بل اكتفيت بإحضار المزيد من البيرة. لم أصدم عندما خرجت مايلي سايرس من طور ما قبل المراهقة وبدأت تؤدي إيحاءات جنسية على شتى المسارح، ولا قبل عامين في مهرجان وسط البلد للفنون المعاصرة، عندما قامت ياسمين حمدان بحركات إغراء أمام مئات الشباب المثار جنسيًا، بل رددت عليها بحركات إغراء مماثلة.

ما أقصد قوله هو أن الموسيقى الشعبية لا يمكن أن تصدمني أبدًا لأني تربيت على مشاهدة قناة إم تي في. أو أن هذا ما كنت أظنه حتى الأسبوع الماضي على الأقل، قبل أن أشاهد “Hymn for the Weekend“، الأغنية المصورة للفريق البريطاني كولد بلاي بمشاركة بيونسيه، والتي انتشرت بسرعة كبيرة وصدرت ضمن ألبومهم الجديد الرديء “A Head Full of Dreams.”

الجميع حتى اﻵن إما شاهد الفيديو أو قرأ عنه على الأرجح. نجد كهنة من الهندوس يسيرون وسط حطام، وآخرين معلقين في الهواء، ثم نمر على طفلة ذات لون أزرق فاقع على غرار الإلهة شيفا تجلس على مدرج، تمهيدًا لظهور النجمة الأمريكية بيونسيه التي تصعد جبلًا وعلي يديها نقوش حناء وهي تغني: “اشرب مني، اشرب مني/ وبعدها نطير للسما.” تتحول الشعائر الهندوسية إلى خليط زخرفي واحد، الغرض منه تزيين لحن البوب روك البائس والمكرر لكريس مارتن. أما بيونسيه فكانت سقطة. نتيجة التعاون كانت مخزية (وهذا ليس أول فيديو صادم في احتفائه بالغرائبية لفريق كولد بلاي. فقد تعاون الفريق مع ريحانا نجمة البوب الباربادوسية في أغنية “Princess of China.” ومع إن بداية كولد بلاي بألبوم Parachutes (2000) كانت موفقة، إلا أن باقي أعمالهم لم تتعدَ كونها محاولات مستمرة للتعلق بقشة. ومن الواضح أن سحر بيونسيه كان القشة الأخيرة.)

أطفال هنود فقراء ومجهولون يركضون في مهرجان الألوان الهندوسي السنوي الشهير، لتدب ألوانه الروح في بشرة كريس مارتن وأفكاره الشاحبة. وبينما نرى سونام كابور ممثلة بوليوود في ظهور خاص وعابر، تلعب بيونسيه دور “الملاك” الهندوسي. وإن كان شكلها في الحقيقة أقرب إلى ملائكة فيكتوريا سيكريت، حيث تحاول تقليد حركات المودرا (إيماءات رمزية باليد تستخدم غالبًا في الرقص الهندي الكلاسيكي) على نحوٍ مبتذل، وهي تتغنى بثلاث كلمات تتوالى متساقطة على فتحة فستانها الواسعة.

 

Beyonce

لو كان هناك أي موضوع ضمني في الأغنية فهو شيء من قبيل الارتقاء والسمو عن طريق شرب المسكرات من ثدي بيونسيه. يُحتفى بالتباين الصارخ بين فنان الروك الأبيض الغني وهو يحدق في صدر بيونسيه المكور والأطفال المساكين وهم يركضون حفاة في الشوارع. لا يوجد ما هو أكثر استشراقًا أو غرائبية من ذلك، حيث تذعن بيونسيه للقيام بدور موضوع لنظرة الرجل اﻷبيض.

الغرائبية أرض وعرة وزلقة، وأي شخص يعلم ولو القليل عن الموسيقى والتمثيل الدلالي ونجوم البوب الباهتة يعرف أن معظمهم لا يتوانى عن فعل أي شيء تقريبًا، وخصوصًا استغلال جماليات عنصر مضطهد أو شعب كان مستعمرًا من قبل أو قضية جادة لبيع ألبوماته.

واحد من أقرب تفسيرات الغرائبية  لي جاء في كتاب “تأثيرات صوتية سيزموجرافية” (2016)،  وذُكر في مقابلة أجراها توماس بوركهالتر، كبير محرري الكتاب، مع مارتن ستوكس الباحث في موسيقى الشرق الأوسط لما يزيد على 30 عامًا. يقول ستوكس في تعريفه للاختلافات بين “الغرائبية وصنع اﻵخر والبدائية والتمحور حول العرق والاستشراق والاستعمار”:

جميعها يتلاقى في بعض المساحات المشتركة ويلقي بعضها بظلاله على البعض الآخر بالطبع. كل إنسان هو “آخر”. وكل شخص يجد طريقة لتصنيف نفسه على أساس خاصية ما من “التماثل”، يقصى كل من هو دخيل عليها وينظر إليه بوصفه كيانًا غريبًا وغامضًا (“غرائبيًا”). كانت “الإثنية” تستخدم سابقًا لتعريف الدخلاء. “هم” يتصفون بها، أما “نحن” فلا نتصف بها. ,لم تتحول إلى صفة إيجابية سوى في القرن التاسع عشر، حيث ارتبطت بالدول القومية الجديدة التي سعت إلى تشكيل هويات إثنية لنفسها كانت الإمبراطوريات العظمى قد حرمتها منها.

أنتج الاستعمار الخطوط الحديثة التي تفصلنا “نحن” عن اﻵخرين “هم”. ولا تزال هذه الخطوط حاضرة بيننا بشكل أو بآخر. وكان الاستشراق هو الحركة الفكرية التي تبحث في “الشرق” عن مصدر الأشياء، وفي الإسلام عن سبب ركوده: كانت مهمة الاستعمار حماية “الشرق” من ذاته، ويسري ذلك على الموسيقى كما هو على سائر الأشياء. أما البدائية فتنظر إلى الجهة المقابلة، تجاه رؤية فردوسية لمجتمع بكر وحياة فنية بين الحضارات المتحررة من الأعباء: الأفارقة والبولينيزيين والكلت. هذه المصطلحات المختلفة كلمات مفتاحية في خيالات متروبوليتانية شكلّت قسمًا كبيرًا من الحياة الموسيقية بالغرب في القرن العشرين، بدءًا من كلود ديبوسي وبيلا بارتوك ووصولًا إلى ديفيد برن وبراين إينو.

لا يمتُ الاستخدام المتعمد للصور الغرائبية بصلة للخامات الصوتية في الأغنية أو من يغنيها، ما يجذر مفهوم الآخر. ويُعرض الكهنة والآلهة والأطفال الهنود المغطون بالطلاء، في فيديو كولد بلاي، حصريًا ككائنات غامضة أو من عالم آخر، ليصبحوا بذلك منفصلين عن كولد بلاي وجمهورهم. الغرائبية هنا مجرد خاصية جرى تسليعها بغرض بيع الموسيقى.

هناك أيضًا حالات كثيرة من الغرائبية الذاتية، وتتصدر حالة عمر سليمان رأس القائمة. نجده في فيديو “ورني ورني” يستعرض طريقته في فرض فقرة “البدو في ساحة الرقص” علينا حتى يصبح من غير الممكن لنا ولهم أخذه على محمل الجد.  وهو أمر مؤسف لأن موسيقاه ليست سيئة وكنت أتطلع لرؤيته وهو يتطور، لكني أشك أنه سوف يكسر هذا القالب الذي حبس نفسه فيه.

إن الترويج لعقلية “نحن” في مقابل “هم” يهيء الساحة للحروب والموت والدمار. وفيديوهات مثل “Hymn” والتي تتوخى صنع اﻵخر هي جزء أصيل في حياتنا ولغتنا لا يستحق الحديث عنه -فهو أمر مسلم بوجوده. وهذا يزيد بلا شك من صعوبة نقد العنصرية والأحكام المسبقة والتعصب الجنسي وسائر الثنائيات الخطرة. من شأنه أيضًا، في حالة بيونسيه، إضعاف قوة موقفها السياسي ضد العنصرية في إصدارها اللاحق، “Formation”، وأدائها في نهائيات كرة القدم الأمريكية الذي اعتمد على ثيمة الفهود السود. إن كانت قادرة على ارتداء زي العارضة الاستشراقية التابعة لكريس مارتن بلا تفكير في لحظة ما، كيف أصدق العكس منها في اللحظة التالية؟

كنت أنوي التغاضي عن ذلك كله حتى دعيت إلى مجموعة على فيسبوك تنظم حملة لدعوة كولد بلاي وألبومهم Head Full of Dreams إلى جولة في مصر. وما يشغلني الآن هو أنهم سيأتون مرتدين ملابس الفراعنة ويتقاذفون كرات الطلاء على أبي الهول بينما يجري خلفهم أطفال الشوارع. أو لعلهم يصورون أغنية من أعلى الهرم الأكبر بكاميرا جو برو كما فعل المراهق الألماني الذي انتشرت تدوينته بشكل سريع لإقدامه على فعلٍ سبقه إليه كل مصري مرفه في شبابه.

لقد أسدت بيونسيه وكولد بلاي لي معروفًا على مستويات عدة عندما ذكراني مجددًا بنقد فكرة “اﻵخر”، وأنه لا يمكن اختزال الغرائبية في كونها أمرًا واسع الانتشار أو شائعًا فحسب، لأنها واقع حقيقي وخطير متشابك مع جميع الأشياء الحصرية. ولذا فأنا أشكر كولد بلاي وبيونسيه، لأن ابنة قناة إم تي في قد صُدمت أخيرًا.

اعلان