Define your generation here. Generation What

المشروعات الكبرى على الطريقة الصينية

كنت أعمل في ألمانيا حين قام القطار المغناطيسى، أو ما يعرف إعلاميًا باسم القطار الطائر، برحلته التجريبية الأولى والأخيرة، بين مدينتي فرانكفورت وكولونيا، فى عام 2003.

انطلقت الرحلة بعد عدة سنوات من البحث والتجريب داخل مصانع شركة سيمينز العملاقة للمعدات الكهربائية، وكانت التقارير المعلنة، منذ بدأت الشركة خطة إنتاج هذا القطار لحساب الحكومة، قد جعلت الجميع شغوفين لرؤيته في الخدمة، إذ أن سرعته ستتجاوز المئتي ميل في الساعة، مما يعنى أنه سينافس الطائرات في توفير وقت المسافرين، إذا أضيف إلى زمن الرحلة بالطائرة، الوقت اللازم للذهاب إلى مطار السفر، والوقت اللازم للتوجه من مطار الوصول إلى وجهة المسافر، وكذلك الوقت داخل المطارين، فضلًا عن ضيق مجال الحركة داخل الطائرة، مقارنة بحرية الحركة داخل القطارات.

ولكن ما إن أجريت التجربة حتى اندلعت المظاهرات الرافضة لتشغيل هذه الخدمة فى ولايتي هيسين حيث تقع فرانكفورت، وشمال الراين- وستيفاليا، حيث تقع كولونيا، وسرعان ما امتدت إلى معظم الولايات الألمانية، والسبب هو اكتشاف آثاره المدمرة على البيئة، وتتمثل هذه الآثار فى أن سرعته الهائلة تسبب اهتزازات أرضية وهوائية تؤثر على المباني والنباتات والحيوانات، والبشر طبعًا، كما أن الموجات الكهرومغناطيسة الصادرة عنه تسبب أضرارًا من نوع آخر على الأحياء والجمادات، إذ أن عجلاته لا تجرى فوق القضبان، بل تطير فوق هذه القضبان، لكنها لا تنحرف عنها بقوة الجذب المغناطيسية، وهذه بالطبع معجزة هندسية تضاف إلى السجل الطويل لمعجزات التكنولوجيا الألمانية.

كانت الحكومة وقتها مكونة من ائتلاف الاشتراكيين الديمقراطيين والخضر، برئاسة المستشار جيرهارد شرودر، ولأن الخضر أنصار البيئة كانوا شركاء في الحكومة، فلم يكن في مقدور شرودر المغامرة بسقوطها، لأن الخضر كانوا حتمًا سينسحبون منها إذا قررت تحدى الرأي العام، وأدخلت القطار المغناطيسى الخدمة، ومن باب الأمانة العلمية، فلم تتوافر أية دلائل على أن شرودر فكر أصلًا  فى تحدى الرأي العام، ولكن كان عليه أن يواجه مشكلة بالغة التعقيد، وتهدد بإفلاس الخزانة العامة، أو إفلاس شركة سيمينز إذا انتهت قصة القطار المغناطيسي عند هذا الحد.

كانت سيمينز تعمل على هذا المشروع، وتنفق عليه مبالغ ضخمة، ضامنة أن الحكومة ستشتريه منها، ومن ثم تعوض ما أنفقته مضافًا إليه الربح المعتاد، كما أن الحكومة ساهمت بنسبة فى نفقات البحث والتطوير، فإذا اختارت الحكومة، تحت ضغط الرأي العام، ألا تشترى القطار، فإن عليها دفع التعويض اللازم للشركة، ولكن الحكومة وقتها كانت تعانى عجزًا في الموازنة، وبفرض أنها لم تكن تعانى من هذا العجز، فسوف تنفتح عليها أبواب جهنم من المعارضة، فى البوندستاج والصحافة، لإهدارها كل هذه الأموال، بسبب قرار سياسي لم يكن مدروسًا بما يكفى في بداية الاتفاق مع شركة سيمينز، أو لعدم بحثها عن بدائل لتعويض الشركة، دون تحمل الخزانة العامة هذا العبء الفادح.

ماذا فعل شرودر؟

شد الرحال فورًا إلى الصين في زيارة تاريخية (حقًا) رافقه فيها كبار المسؤولين في شركة سيمينز، وغيرها من الشركات الألمانية الكبرى بالمرة، وعرض على المسؤولين الصينيين شراء القطار المغناطيسي بالتسهيلات التي يريدونها. وهنا يتوقف الحديث عن الألمان، ويبدأ الحديث عن الدرس الصيني.

رحب الصينيون بالعرض الألماني، فبلادهم مترامية الأطراف، ورغم معدلات النمو المبهرة والسريعة، فلا تزال معظم الأقاليم الشمالية والغربية قابعة في وهدة التخلف، وهناك نزعات، بل وحركات انفصالية في الأطراف الغربية تحديدًا، كالتبيت وسينكيانج (تركستان الشرقية)، وسيضمن هذا القطار بسرعته الهائلة الوصول إلى هذه الأماكن بكثافة والعودة منها، فضلا عن جذب سكانها إلى فرص العمل في مناطق الصين الشرقية والجنوبية، دون مشقة، ودون إهدار وقت طويل في السفر، وبذلك تندمج هذه الأقاليم اقتصاديًا واجتماعيًا مع بقية أقاليم البلاد، أما قضية البيئة، فلتُترك للأجيال القادمة، وبعد أن يكون كل الصينيين خرجوا من تحت خط الفقر، وبعد أن تكون كل أقاليم الصين اتصلت ببعضها، وانصهرت في بعضها. ولكن الصينيين، بحكمة التاريخ، وجدية المسئولية عن مصير أكثر من مليار نفس بشرية تتوق للخروج من أسر التخلف الطويل، لم تغوهم مسألة تسهيلات الدفع التي عرضها عليهم المستشار الألماني، ولم يسل لعاب أصحاب القرار الفني عندهم على عمولات يفرضونها على  شركة سيمينز، وطبعًا نحن نتذكر البلاد التي تدفقت على مسؤولين فيها عمولات في صفقات أقل أهمية، ونتذكر كثيرًا من الفرص التي أضاعها فاسدون في مثل هذه البلاد لأنهم لم يتقاضوا العمولة!

طلب أصحاب القرار في الصين بدلًا من ذلك، أو إلى جانبه، شيئًا آخر، ولكنه الأكثر أهمية والأجدى نفعًا والأطول عمرًا والأوسع أثرًا في خطط النمو الصينية. طلبوا أن تقيم شركة سيمينز فى الصين سلسلة من المصانع وورش الصيانة ومراكز التدريب المرتبطة بهذا المشروع، بتكلفة استثمارية بلغت في ذلك الوقت 20 مليار يورو، كلها من الشركة والبنوك الألمانية.

من جانبهم  وافق الألمان على الفور، وعلى الفور أيضًا بدأ التنفيذ، ولم تمض سنوات حتى كانت الصين هي من تنتج القطار المغناطيسى، وتبحث عن أسواق له في الخارج، ومن بينها مصر، التي تعاقدت مع الجانب الصيني على إقامة خط لهذا القطار بين الإسكندرية وأسوان -رغم أننا ممن يعتقدون أن هذا المشروع ليس من الأولويات- وبالطبع فقد أصبح لدى الصين خبراء ومهندسون وفنيون وعمال اكتسبوا هذه التكنولوجيا المتقدمة جدًا، فضلا عن الإداريين والمسوقين وغيرهم.

[ملاحظة: كان الطبيعي أن أكتب هذا المقال أثناء زيارة الرئيس الصيني الأخيرة لمصر، ولكنى آثرت الانتظار حتى تنقشع التعبئة الإعلامية المعتادة في بلادنا حول مثل هذه الزيارات، فيتسع الوقت، وتنفسح الصدور للتعلم من خبرة أصدقائنا الصينيين.]

وإلى هنا يتوقف الحديث عن الصين، ويبدأ الحديث عن مصر.

هل فات الوقت لأن نطلب من الصين ما طلبته هي من ألمانيا، والظن أنها لن تمانع لأن المصلحة مشتركة، ولأنها كما نُشر، مستعدة لإقامة مناطق صناعية فى مصر، وربما نكون قد طلبنا فعلًا، وربما تكون الصين قد استجابت، ولكننا لسبب أو لآخر لم نعرف.

لكن ليس هذا سؤالنا الرئيس، وإنما لماذا لا نطبق هذا المبدأ على كل المشروعات الكبرى التي نريد فيها تعاونًا مع طرف أجنبي أغنى أو أكثر تقدمًا؟

كيف ؟

نحن نفكر مثلًا في إقامة عاصمة جديدة، إدارية أو سياسية، وهناك من يقول إن العمل قد بدأ فيها فعلًا، وكان التفكير قد اتجه في البداية إلى إسناد المشروع برمته إلى إحدى الشركات فى دولة الإمارات العربية المتحدة، وتعثرت المفاوضات مع هذه الشركة، ويقال إن الحكومة المصرية هي التي ستتولى تنفيذ المشروع.

بغض النظر عن رأينا الخاص المتحفظ على الفكرة من حيث المبدأ، ومن حيث المكان، فإنها يمكن أن تكون إحدى قاطرات النمو للاقتصاد المصري إذا طبق عليها الدرس الصيني.

ولتطبيق هذا الدرس: على الحكومة البحث عن شريك أجنبي موثوق به، لا لكى يغنم أرباحًا فحسب، عن طريق الاقتراض بضمان الأرض المخصصة للعاصمة الجديدة، كما قيل عن الشركة الإماراتية المنسحبة، ولكن كي يشارك منذ اللحظة الأولى فى الأعباء التي ستُنتج الأرباح في نهاية المطاف، فيكون على هذا الشريك التعاون معنا في إقامة مصانع لجميع مواد البناء التي سيحتاجها مشروع العاصمة الجديدة، فنحن لا نتحدث عن بناء مجموعة عمارات، وإنما عن  مدينة كاملة ستحتاج  ملايين الأطنان من كافة مواد البناء، من حديد وأسمنت وأخشاب وأدوات صحية وكهربائية ومواد طلاء ومعدات ضخمة للرفع والخلط والنقل وشق الطرق ورصفها، ومد شبكات مياه وصرف صحي وهواتف، إلخ.

إن إقامة مصانع جديدة لإنتاج كل هذه الاحتياجات يكفل دفع معدلات النمو إلى أعلى بنسب هائلة، كما أنه سيستوعب مئات الألوف من الأيدي العاملة، جنبًا إلى جنب مع الأيدي العاملة التي سيستوعبها العمل في بناء العاصمة نفسها.

ولا يقل أهمية عن ذلك، بل يزيد، تجنب الآثار المدمرة اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا لمشروع بهذا الحجم ما لم تسبقه إقامة الصناعات المغذية له، وليس في استخدام وصف “مدمرة” للآثار المحتملة أية مبالغة، لأن انفجار الطلب على جميع مواد البناء سالفة الذكر من أجل بناء العاصمة الجديدة، في وقت لا يكفي المعروض منها حاليًا حاجة السوق، سيؤدى إلى ارتفاعات جنونية في أسعار هذه المنتجات، وإلى ضغوط هائلة على الدولار لاستيراد ما لا يُنتج محليًا، وهو كثير، مما يؤدى إلى مزيد من ارتفاع الأسعار، وهو ما سينسحب على أسعار العقارات، فتأخذ بدورها في الارتفاع الجنوني شراء وبيعًا وإيجارًا، وهو ما سينوء بحمله من تبقى قادرًا من أبناء الطبقة الوسطى المصرية فى المدن وفى الريف. وبوسع القارئ تصور النتائج الاجتماعية والسياسية المترتبة على وضع كهذا.

أعرف أن هناك عقبة ضخمة ستثور في وجه المطالبة بإقامة هذه المصانع، حتى لو كان هناك شركاء أجانب مستعدون لإقامتها، وهى نقص الطاقة في مصر، فمن أين ستحصل هذه المصانع على حاجتها من الطاقة التي ينبغي أن توفرها الدولة؟

أعود قليلًا إلى التجربة الصينية: فالصين ليست دولة منتجة للبترول، ولديها المشكلة نفسها، لكنها استطاعت إيجاد حلول، سواء بتوفير العملات للاستيراد عن طريق زيادة صادرتها، أو باستخدام الفحم المتوافر لديها، لكننا في مصر نستطيع توفير الطاقة، إذا اتسع تخطيطنا، واتسم بالجدية في إنتاج الكهرباء من الشمس، وهذا يعيدنا إلى المشروع الأوروبي المستمر، والمسمى مشروع ديزرتيك، DESERTEC  أوتكنولوجيا الصحراء، وكُتب عنه الكثير، ويدور حول بناء محطات ضخمة لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية الحرارية، وليس الضوئية، في شمال أفريقيا لتصديرها إلى جميع بلدان الاتحاد الأوروبي فى شمال المتوسط، وقد أنجزت بالفعل عدة محطات كبيرة في تونس والجزائر والمغرب، ومؤخرًا افتتح ملك المغرب إحدى أكبر تلك المحطات في بلاده، ولكننا لا نعرف السر وراء تأخر مصر حتى اﻵن في المشاركة في هذه الخطط واﻹنجازات.

محطات الطاقة الشمسية الحرارية بدورها هي إحدى الصناعات الكبرى الآن وفى المستقبل، وهى أيضا تحتاج إلى مصانع ﻹنتاج التوربينات، والمرايا، ونظم التحكم الإلكترونية، ومكثفات البخار، ومراجل غلى المياه، إلخ. ويمكن أن تطبق عليها مصر الدرس الصيني، بمعنى إقامة بعضها على الأرض المصرية كاستثمار أجنبي من قبل الشريك الذي سيتعاون معنا في إنتاج الطاقة لتلبية الاحتياجات المحلية، وللتصدير إلى الخارج.

ويجب أيضًا أن نتذكر أن حقول الغاز المكتشفة حديثًا في البحر المتوسط ستساهم أيضًا في حل مشكلة الطاقة في غضون سنوات قليلة، هي نفسها السنوات التي سيحتاجها بناء المصانع اللازمة لتنفيذ مشروع العاصمة الجديدة وغيره، مما يدفع الاقتصاد القومى للنمو، ويقينا من الآثار “المدمرة” على السوق والمجتمع، إذا لم تنشأ هذه الصناعات.       

الصين بالمناسبة ليست دولة ديمقراطية، ولكنها دولة جادة، فإذا كان البعض في مصر يكرهون الديمقراطية، فلماذا يكرهون الجدية؟

السياسة هي التي تردع  كل المفسدين في الأرض من بيروقراطية متحجرة، وكارهي الجدية، ومحترفي العمولات، حتى في ظل نظام الحزب الواحد، كما في الصين.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد