Define your generation here. Generation What

هايل سيزار: اﻷخوان كوين ومشاهد من ميكي جيب

بعد ما خرجت من الفيلم، تخيلت إن الأحداث التالية وقعت قبل تصويره مثلا بسنة. الأخوان كوين، إيثان وجويل، متجمعين مع أصحابهم ونجوم العديد من أفلامهم، جورج كلوني، وجوش برولين، وفرانسيس ماكدورماند، وهي زوجة جويل كوين اللي عزماهم ع العشا، وتقريبا طابخالهم حاجة رايقة كده خلت القعدة تشعشع. جوش برولين، بطل تحفة الأخوين No Country for Old Men مع خافيير بارديم، بيقول بأسلوبه اللي بيمزج الوقار بالمرح:
– إيه يا جماعة، مش هاتكلمونا عن مشروعكم الجاي؟

إيثان عمال يبلبع في نبيذ، ومبسوط بالمود، وبيستغل الفرصة قبل ما الـ Bipolar Disorder يقلب معاه بغم، ويقرر يقنع أخوه بإنتاج جزء تاني من A Serious Man، يرد على برولين:
– والله مش عارفين يا جوش. لسه مفيش خطط، بس انت إيه رأيك؟

كلوني بيستظرف:
– ما تعملوا حاجة ميوزيكال؟

يرد الأخوان، ومعهما فرانسيس بصوت واحد:
– عملنا Inside Llewyn Davis من كام سنة.

يستظرف كمان:
– طب ويسترن؟

ضحكة عالية، وبعدين في نفس واحد:
– عملنا True Grit من خمس سنين، مع صاحبك مات ديمون، تخيل؟

يحاول  كلوني أن يبدو عليه التفكير العميق، وأن يقترح شيئًا مختلفًا:
– طب خيال علمي. أكيد ما عملتوش خيال علمي!

تنفجر فرانسيس ضاحكة وتقول بصوتها الجهوري:
– على اعتبار إن أي حاجة من شغلهم تمُت للواقع؟

كلوني مغتاظًا:
– طب تاريخي. عملتوا تاريخي؟؟ أهه، زنقتكو!

المهم، تنتهي القعدة اللطيفة دي إن الأخوين كوين يقترحوا إن فيلمهم الجديد هايبقى هدية للجمهور، حاجة كده رايقة وبسيطة، وما فيهاش عقد، وما فيهاش حكم ومواعظ، ولا فلسفة عميقة، وما فيهاش جرائم قتل، وما فيهاش حبكة أصلًا. وبما إن كلوني كان معجب أوي بالـ Caesar Salad اللي فرانسيس كانت عاملاها ع العشا، فاقترح إن الفيلم يبقى اسمه Hail Caesar، حتى يبقى فيه الحس التاريخي شوية، ويبقوا بالمرة الأخوين عملوا حاجة تاريخي.

يوافق الأخوان، ويحلفوا يمين إن كلوني وبرولين معاهم في الفيلم، وإن المسألة ما فيهاش نقاش!

فيلم Hail Caesar للأخوين العبقريين جويل وإيثان كوين، آخر عمل ضمن سلسلة طويلة من الأفلام يكتبانها ويخرجانها سويًا. وتدور أحداثه الكوميدية في الخمسينيات حول مانيكس، ويقوم بدوره جوش برولين، وهو مدير ستوديو ضخم في هوليوود، مشغول عن آخره بإدارة دستة أفلام في آن واحد، منغمسًا في أدق التفاصيل وأبسط المشكلات، مع روح عالية من الجدية والتفاني والالتزام. يفاجئ باختفاء أحد الممثلين الرئيسيين في فيلم مهم، بيرد ويتلوك، ويقوم بدوره جورج كلوني، الذي يمثّل دور قائد روماني يعاصر حياة المسيح ومأساة صلبه، وعنوان الفيلم داخل الفيلم هو Hail Caesar. يكتشف مانيكس لاحقًا أن ويتلوك خُطف على يد مجموعة من كتاب هوليوود الكبار، شكلوا خلية شيوعية سرية، تهدف للتأثير بشكل مبطن على الوعي الأمريكي من خلال رسائل خاصة يدمجونها في سيناريوهات الأفلام، وتحاول هذه المجموعة إقناع جورج كلوني بالانضمام إليهم.

الفيلم عبارة عن قصة أطفال كوميدية للكبار، مليئة بالألوان والمناظر المبهجة، مما يمنح المشاهد فرصة للاسترخاء والاستمتاع بمشاهد من الباليه المائي الراقص، ورقصات الإيقاع بالنقر، تلك اللوحات التي تذكرك بأفلام الأبيض والأسود القديمة، كما لا يشغل الفيلم بالك بحبكة معقدة، وإنما يستخرج ضحكاتك بمفاجآت صغيرة لطيفة من حين لآخر، مثل مشهد الغواصة السوفييتية التي تظهر فجأة على ساحل كاليفورنيا! ومشهد وشاح فرانسيس ماكدورماند الذي انحشر في آلة مونتاج الأفلام فكاد يخنقها في مشهد هستيري، والظهورات القصيرة الخاصة بنجوم غير متوقعين مثل سكارليت جوهانسين، الممثلة قليلة الصبر التي تؤدي دور عروس البحر، ورالف فينس، مخرج الأفلام الرومانسية، وجوناه هيل، الموظف البسيط ضيق الأفق، الذي يتزوج سكارليت جوهانسين، وتيلدا سوينتن، في دور صحفيتين توأم، مما يجعلك تشعر أثناء مشاهدتك للفيلم أنك تطالع مجلة ميكي!!

يرفض مانيكس عرضًا مغريًا جدًا من شركة لوكهيد، رائدة صناعة الطائرات آنذاك، والأسلحة والمعدات الفضائية حاليًا، بمال أكبر وساعات عمل أقل، ويفضّل البقاء في وظيفته الأقل دخلًا والأكثر إجهادًا والأعقد من ناحية التفاصيل. يسأل الأب في الكنيسة الذي يذهب للاعتراف فيها بشكل شبه يومي: “هل أقبل عملًا بسيطًا.. أليس ذلك شيئًا سيئًا؟”

وعلى الرغم من نظرية “ميكي جيب”، لا يمكن إغفال جوانب خفية في الفيلم، قد تكون بسبب نزعة لا واعية لدى الأخوين كوين، فكلوني القائد الروماني يتأثر ببشارة المسيح، وكلوني الممثل الكبير يتأثر ببشارة الخلية الشيوعية، لكن القيصر يأبى على قادته إلا أن يضعوا البشارات جانبًا، ويركزوا في عملهم بكل همة، لأن دقة العالم الواقعي لا تحتمل، ولأن الناس مهما تأثرت بالبشارات، سيتطلعون في النهاية لقادتهم من أجل سد الاحتياجات الأساسية التي لن تلبيها البشارات فقط. ومن هنا فمانيكس هو المعادل الموضوعي لقيصر، والستوديوهات هي المعادل الموضوعي للمملكة الرأسمالية التي يجب أن يبقي القيصر عليها قائمة وموحدة ومنتجة أمام أي رؤى تبشيرية جديدة، حتى لو ارتأى مهادنة هذه القوى، بل ودفع فدية مقابل استرجاع كلوني، كما حدث، وبالتالي، فقيصر يستحق أن يحيا!

اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله.

اعلان