Define your generation here. Generation What

“مقام الرئاسة”.. للبيع على “إي باي”

“ربما أكون قد تلكأت على المسرح”، قالها هيكل، الراحل قبل أيام، للكاتب الصحفي عبد الله السناوي، حسبما نقل الأخير عنه في مقال ينعيه.

ولأول وهلة، بدا لي إن محمد حسنين هيكل كان على حق فيما ذهب إليه،  بعد فوات الأوان، لا لأنني كعدد لا بأس به من أبناء جيلي من أبناء الثمانينيات والتسعينيات، قد أصبحنا نشعر بالملل من تحليلات الكاتب “الاستثنائي” متكررة المضمون، بل لأن عالمًا برمته انهار بالفعل ولم يكن من الحكمة ألا ينصت المرء للصوت المخيف لانهيار البناء العملاق.

هذا البناء في واقع الأمر ليس إلا ما انتمى إليه هيكل، المولود في العام 1923، هو نفسه ذاك العالم الذي فرض علينا احترام “مقام الرئاسة” تبعًا لمقولة هيكل المتكررة عبر عقود.

لا يرتبط الأمر فقط بعلاقته الوطيدة بالسلطة، كما يرى منتقدوه، من عدمها، كما قد يذهب محبوه. فالرجل، بغض النظر عن موقفه المؤيد لنظام حكم عبد الفتاح السيسي، لطالما انتقد نظام مبارك مثلًا، لكن من أي منطلق؟ من منطلق رفض التوريث في الأساس، وهو نفس المنطلق الذي استند إليه كثيرون من مؤيدي السيسي الحاليين في انتقاد مبارك. كانوا في واقع اﻷمر ينتقدون انحيازات جمال مبارك لا لصالح رجال اﻷعمال فقط، بل وتهميشه المحتمل كذلك، في حال حيازته منصب والده، للنخبة العسكرية والبيروقراطية، تلك التي حملت على أكتافها تشييد دولة يوليو.

وكان هؤلاء المؤيدون قد انضموا لحركة “كفاية” ممثلين لمعارضة “التحرر الوطني”، واستندت معارضتهم لمبارك لسلوكه المهادن للغرب وإسرائيل، وإن انتقدوا عرضًا، وفي سبيل ذلك، ممارسات التعذيب أو تزوير الانتخابات الفاضحة، لكن الزمن يمر، وما ألهب خيال الجماهير في الماضي، ربما لا يثير اليوم سوى سخرية الشباب، بما في ذلك “مقام الرئاسة” نفسه.

***

هل يمكن تخيل تعليق “الأستاذ” أو “كبير الكهنة” -كما يطلق بعض منتقديه عليه، في إشارة لسلطته المعنوية على وجدان أجيال أكبر- على الفعل المسيء جدًا لـ “مقام الرئاسة”: هذا الذي أقدم عليه مجهول طرح الرئيس على موقع “إي باي” المخصص لعرض المقتنيات، للبيع على شبكة اﻹنترنت؟

سرعان ما تناقلت وسائل إعلام غربية رصينة وواسعة الانتشار الفعل الذي أشعل السخرية اللاذعة على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما بدأ الأمر على مواقع ساخرة، لأن الفعل ببساطة كشف الكثير عن العالم الجديد الذي كان يجهله محمد حسنين هيكل.

كان فعلًا سياسيًا بامتياز يستهين بخطاب الرئيس الذي ربما تصور أن حديثه عن عدم ممانعته في بيع نفسه لأجل الشعب، في خضم أزمة اقتصادية طاحنة، كفيل بتحريك تعاطف الجمهور الريفي، في الوقت الذي كان يلوح فيه في المقابل بإجراءات عنيفة قمعية ضد معارضيه.

وربما يكون الخطاب فعلًا قد حاز تعاطف هذه الأوساط الريفية، بينما جمهور الثورة ينتمي في الأساس للمدن الكبرى التي شهدت أحداث الثورة العظمى.

لكن كيف جرؤ الفتى المجهول على ما جرؤ عليه؟

***

وصل إلى قمة هرم السلطة في العام 2012 رئيس ملتحي، “بيعرف ربنا”، هو الرئيس محمد مرسي،، ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين، التي مثلت ثقافة السمع والطاعة الشائعة في صفوفها مضربًا للأمثال.

لكن “السمع والطاعة” أصبحا مثارًا للسخرية بعدما سمحت الثورة للجماعة بالعمل العلني، على نحو سمح لقطاعات واسعة من الجمهور، حديث العهد بالسياسة، بالاختلاط بأعضاء الجماعة في احتجاجات كبرى عارمة، ما جعل تلك الثقافة مكشوفة بشدة للجمهور، الذي لم ير منها سابقًا إلا أعمالها الخيرية وحملاتها الانتخابية في النقابات المهنية والبرلمان.

حاول أعضاء ومؤيدو الجماعة استخدام بيوت الله، كملاذ آمن تقليدي، للدعوة هذه المرة  للتصويت بـ “نعم” على دستور 2012 ، لكن جمهور المصلين في عدد من المساجد والزوايا ردوا على ما اعتبروه محاولة مهينة لخداعهم بطرد اﻷئمة، بل والهتاف ضدهم داخل المساجد، وصولًا لتظاهرات معادية لأحد أشهر الشيوخ المؤيدين للجماعة في اﻹسكندرية، وهو الشيخ المحلاوي، في البلد الذي لعب فيه لقرون الشيوخ دورًا محوريًا في تشكيل ثقافة الجمهور.

***

هل استطعنا أخيرًا أن نقتل الأب؟ تساءل خالد فهمي، أستاذ التاريخ البارز في الجامعة الأمريكية في مقال في ذكرى ثورة يناير العام الماضي.

***

في القرن الأول الهجري رُفعت المصاحف على أسنة رماح فريق معاوية بن أبي سفيان في موقعة صفين، في مشهد تاريخي، قد يكون الأشهر في تاريخ الدولة الإسلامية، مما تسبب على الفور في بلبلة واسعة النطاق في صفوف المقاتلين في الطرف الأخر، وصولًا للهزيمة.

لكن ميدان التحرير في الذكرى الأولى لثورة يناير في العام 2012، كان مسرحًا لمشهد ربما يكون بالغ الدلالة، حين أذاع الفريق الأول، أعضاء جماعة اﻹخوان المسلمين، الموالية وقتها لسلطة المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاكم آنذاك، على منصتهم  تسجيلًا للقرآن، في مواجهة جموع من المتظاهرين الذين حاصروا منصتهم، رفضًا لاحتفال اﻹخوان في الوقت الذي كانت جموع  من الجماهير الغاضبة قد قررت أن الأوان لم يحن بعد للاحتفال، بينما الثورة مثخنة بجراحها في ظل سلطة المجلس.

رفع الفريق الثاني الأحذية في مواجهة المنصة، بينما نزع أفراد منه أسلاك الكهرباء عن مكبرات الصوت، في أول إعلان أن اﻹخوان قد أصبحوا، في نظر “الثوار”، في مواجهة الثورة لا خلفها.

لكن خلف الإعلان كان ثمة ما يقبع عميقًا في النفوس. كان تغيير جذري قد شق طريقه في ثقافة قطاع كبير خاض الثورة، مؤداه أن ثقافة جديدة قد صارت أمرًا واقعًا، وأن بناءً عاليًا بدأ يرتفع على أنقاض الماضي، الذي كان فيه الناس يولون أهمية لشكل الخطاب -الديني في هذا المشهد، والوطني في مشاهد أخرى- بغض النظر عن مضمونه.

وقتها كان خطاب الإخوان مواليًا للسلطة، فرفع أعداء السلطة بعفوية أحذيتهم في مواجهتهم، غير مبالين بالصدمة على وجوه شباب الجماعة، الذين ظنوا أن مجرد إذاعة القرآن كفيلة بإرباك الفريق الآخر.

***

هل أطلق أعداء الثورة على مؤيديها أوصافًا تتعلق بمجافاة “الأدب” و”الأخلاق” من فراغ؟ أم لأنهم أدركوا من البداية ما تحمله الثورة في طياتها، بأكثر مما أدرك الثوار أنفسهم؟

ألا يبدو اﻷمر جليًا في المقطع المصور الذي أعده أحمد مالك وشادي أبو زيد، متضمنًا التلويح بأوقية ذكرية منفوخة على هيئة بلالين تحمل شعار حملة السيسي الانتخابية، وشعار نظامه “تحيا مصر”؟، جاء المقطع ليثير كمًا من الأسئلة أكثر ما يجيب عليها، أسئلة من قبيل ما إن كان الجنس ورموزه أمورًا معيبة لا يجب أن تُذكر على الملأ من عدمه؟

كان  أعداء الثورة أولئك، ولا يزالون، يضمون في صفوفهم مزيجًا من القوى الاجتماعية التي لم تستفد بالضرورة من نظام مبارك، أو استفادت على نحو هامشي لا يبرر لأول وهلة غضبهم على الثورة، على نحو قد لا يمكن تفسيره على نحو طبقي مباشر، وهو ما دعا الثوار في الميادين ﻹطلاق لقب “حزب الكنبة” عليهم، بعد محاولة مضنية للبحث عن لفظ مناسب يصف مجموعة غير متجانسة، كانت فعليًا تنحاز لكل ما هو قوي وقديم وراسخ ويمثل عالمها الذي عرفته لعقود.

وسرعان ما عمدت الثورة المضادة بالفعل إلى إعادة “النظام ” و”الضبط والربط” في أركان المجتمع، عبر مجاملة مؤسسة الطاعة الأبرز في مصر “الأزهر”، وإطلاق العنان لتهم ازدراء الأديان وخدش الحياء العام، على نحو لا يستقيم تفسيره فقط برد الجميل للمؤسسة التي اتخذت موقفًا معاديًا للثورة منذ بدايتها وصولًا لتأييد الرئيس العسكري، عبر إطلاق عدد من الفتاوى لصالحه وضد معارضيه.

ثمة قوى تريد وقف سيل التساؤلات عمومًا، والتساؤلات عن التاريخ خصوصًا، تساؤلات من قبيل تلك التي طرحها إسلام البحيري، وهو مؤيد أصلًا لسلطة السيسي، ظن أن المجال، وإن كان لا يتسع لمعارضة سياسية، فقد يتسع لمعارضة “ثقافية”، لكن الميت، بتعبير ماركس، لا يزال “ممسكًا بتلابيب الحي” بأقصى ما أوتى من قوة.

***

“فان دو سياكل” بالفرنسية، أو نهاية القرن بالعربية، هو مصطلح في العلوم السياسية يشير لنهاية حقبة وبداية أخرى -والحقبة لا تمتد بالضرورة لمئة سنة- لا على صعيد التغيرات السياسية الضخمة فحسب، بل على صعيد المفاهيم الكبرى في الثقافة والفن في الأساس.

هل لهذا المفهوم علاقة بوجهة النظر المتشككة، من قبل قطاع لا بأس به من الشباب، نحو “الأستاذ”، وهي الصفة الأشهر المرتبطة بالكاتب الراحل؟ في مقابل علاقة تشبه علاقة التابعين بشيخ الطرق الصوفية لدى الجيل السابق؟

قد يفسر المصطلح الفرنسي على نحو أوضح وجهة النظر المتشككة في “الأستاذية” في حد ذاتها، في الخطوط الحمراء، في”الرموز”، والمقدسات الوطنية، بما فيها قدسية العلم الذي أصبح لا يمثل في الوجدان إلا صورة “الخازوق” الذي رشقته الدولة في قلب ميدان الثورة.

اعلان
 
 
بيسان كساب