Define your generation here. Generation What

التاكسي و”أوبر” وشرايين العاصمة المسدودة

مع صعود الأزمة الأخيرة بين سائقي التاكسي الأبيض من جهة، وشركتي “أوبر” و”كريم” من جهة أخرى، وما تبعها من نقاش حاد على مواقع التواصل الاجتماعي، أظن أن الفرصة مواتية لفتح الملف المنسي عن التنقل في العاصمة المزدحمة بشكل عام، العاصمة التي تقوم بدورين، الأول كونها كبرى مدن مصر من حيث التعداد السكاني، والثاني أنها المركز الإداري لدولة تتميز بالمركزية الشديدة مما يخلق رحلات إضافية يومية إليها، من عدد هائل من الأطراف.

لست هنا بصدد الحكم على الأزمة وإعلان الفائز، ولكني أبدأ بمحاولة لإعادة تعريف دور طرفي الأزمة التي نتج عنها اعتبار الدولة ضمنيًا جهة احتكام بين طرفين، كلاهما في الواقع يقدم خدمة لأقلية من السكان، في حين أن الموقع الحقيقي للدولة هو موقع مسئولية تجاه الحالة التي وصلنا إليها، في ظل غياب الاهتمام بتطوير منظومة نقل عام توفر تنقل بشكل كفء، كميًا وكيفيًا، وذو تكلفة اقتصادية في متناول الشرائح الأقل دخلًا، وقادر بالتوازي على منافسة وسائل التنقل الخاصة، من سيارات خاصة وتاكسي، التي تشكل في المجموع 79% من إجمالي عدد المركبات على طرق القاهرة، التي شملتها دراسة أصدرها البنك الدولي في 2014، وهي المنظومة التي من شأنها أن تضمن معدلات أعلى لاستخدام وسائل التنقل العامة،  وبالتالي التخفيف من الأزمة المرورية الخانقة، ولدينا أمثلة عدة لمدن عملت على تطوير النقل العام كوسيلة لحل مشاكلها المرورية والبيئية.

في مقابل فكرة مسئولية الدولة، تشكل “أوبر” مثالًا لاستخدام التكنولوجيا في تقديم خدمة تنقل خاص بجودة عالية، والأهم من ذلك كونها نشاطًا اقتصاديًا متحررًا إداريًا من سيطرة الدولة، حيث يعتمد على تطويع الملكية الخاصة كمصدر دخل لصاحبها مقابل خدمة يقدمها للآخرين. تشكل “أوبر” بذرة فكرة قابلة للتطور نحو نموذج مشابه لـ Kutsuplus  في هلسنكي عاصمة فنلندا، والذي يستخدم فكرة مشابهة لـ “أوبر” من حيث طلب المركبة لمكان محدد بواسطة الهاتف الذكي، ولكن مع اختلاف كونه وسيلة تنقل جماعية، حيث يشارك الراكب رحلته، التي حددت بناء على طلبه، ركاب آخرون للوجهة نفسها، مع خدمة عالية الجودة، وتكلفة تصل إلى نصف تكلفة الرحلة بالتاكسي في هلسنكي. هذا النموذج الذي يكفل عرض خدمة تنقل مستجيبة للطلب بجودة عالية، وانتشار استخدامه، كفيلان بتقليل حجم المرور الناتج عن استخدام السيارات الخاصة، ويوّفر بالتالي زمن رحلة أقل للجميع. النظام في هلسنكي تابع لجهاز النقل العام بالمدينة، لكن في حالة القاهرة يمكن تطبيقه كنموذج مواز على يد شركات ومبادرات محلية خارج إطار الدولة العاجزة عن القيام بدورها الأساسي، ولدينا في الواقع نواة أخرى لهذا النموذج إلى جانب “أوبر”، وهو الميكروباص.

ننتقل لطرف الأزمة الآخر، حيث احتج سائقو التاكسي على وجود سيارات ملاكي تنافسهم في “أكل عيشهم”، مقابل اتهامات موجهة لهم من الزبائن بالغش في العداد وسوء حالة السيارة وحوادث التحرش وغيرها، وبعيدًا عن اعتراضي على تعميم هذه الاتهامات، رغم حقيقتها في كثير من الأحيان، كما هو في الشارع المصري بشكل عام، فعلى سائقي التاكسي التفكير في تأسيس مظلة لهم تأخذ شكلًا تعاونيًا أو نقابيًا، تهتم أولاً بوضع معايير للخدمة ومحاولة تحسينها وإصلاح الخلل، وتستطيع، ثانياً، الضغط بشكل جدي في حالات إهدار حقوق سائقي التاكسي أمام أي منتهك، بل تستطيع الوصول لأبعد من ذلك، نظراً لإمكانية اتباع أسلوب “أوبر” في استخدام التكنولوجيا في تقديم الخدمة، حيث تستقدم النقابة تقنيين لعمل تطبيق مشابه لـ “أوبر” يُدخل التاكسي في المنافسة بشكل أقوى، كما يسهم في تحرير نشاط التاكسي من سيطرة الدولة وما يتبعها من إجراءات إدارية مكلفة، ويسمح بإعادة تسعير الخدمة بشكل شفاف بين طرفيها، السائق والراكب.

قد يبدو الطرحان متضاربين، فالأول يستهدف الدولة كطرف مسئول لا يقوم بمسئولياته، والثاني يستهدف تمكين المجتمع من توفير الرحلات اليومية لأفراده بعيداً عن تدخل الدولة، لكن الطرح الأول يتعامل مع معطيات للنموذج الحالي لمعالجة فشله، بينما الثاني هو طرح لنموذج مواز بديل، هدفه تحرير المجتمع من سيطرة الدولة على شرايين الحركة في المدينة، والبناء على إنتاج الخدمة بشكل تشاركي للوصول لتنقل أفضل للجميع.

رغم أن الخدمتين، سواء “أوبر” أو التاكسي، بشكلهما الحالي، لهما نفس أثر السيارة الخاصة على حجم المرور المتدفق في الطرق، إلا أنهما في رأيي يسهمان بأثر إيجابي على المدى الطويل، وهو الحد من التعود على قيادة السيارة كنشاط يومي للسكان، الأثر الذي سيُفعّل فقط في حالة تطوير خدمة نقل عام ذات كفاءة عالية، سواءً في شكل حكومي أو مجتمعي تشاركي، حيث سيلعب دوراً في إقبال أكبر على استخدام النقل العام كخيار مفضل على السيارة الخاصة.

خبرة السكان في التنقل اليومي عبر شوارع القاهرة خلقت حلولاً إبداعية على المستوى الصغير، أذكر منها تجربة مجموعة من العاملين بالقرية الذكية، حيث قاموا بالاتفاق مع ثلاث ميكروباصات لتوصيلهم من أماكن سكنهم إلى العمل. المجموعة يكفيها ميكروباص واحد، ولكن العاملين رتبوا ثلاث رحلات في السابعة والثامنة والتاسعة صباحًا، على التوالي، لمراعاة مرونة مواعيدهم التي تتغير لأسباب أو أخرى، بمبدأ “اللي يفوته واحد يركب اللي بعده”، وقاموا بتحديد مسار الميكروباصات بحيث تمر على بيوتهم تباعًا ثم تتجه إلى القرية الذكية، وفي المحصلة كانت التكلفة أقل من تلك التي يدفعها كل منهم للتاكسي لقاء نفس الرحلة يوميًا.

أخيرًا، كانت هذه محاولة للنظر للمشكلة بحجمها الحقيقي، ولقلب ضدية الصراع الضيق من “تاكسي ضد أوبر” إلى الصراع مع الدولة التي يغيب دورها في تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، خاصة من لا يملكون كلفة البديل. قد لا يكون الحل في تطوير نموذج واحد فقط للجميع، ولكن بالتكامل بين مجموعة من النماذج تستجيب للواقع المعقد الذي تشهده شوارع المدينة يومياً.

اعلان
 
 
عبد الرحمن حجازي