Define your generation here. Generation What

حكايات للأمير حتى يخرج

عرفت أحمد ناجي في عام 2008، كان يريد أن نلتقي لإجراء حوار صحفي عن روايتي الجديدة وقتها، “عضو عامل”. كان الموعد في السابعة مساء بمكتبة البلد بشارع محمد محمود. كنت متوترًا قبل المقابلة وحامل هم أول حوار يتعمل معايا بعد ما بقيت روائي. كان الأمر جديدًا تمامًا علىّ، خاصة وأنا قادم من وسط آخر مختلف إلى حد كبير عن الوسط الأدبي والثقافي، وهو الوسط السياسي. الرواية نفسها تحكي في أجزاء منها عن العمل السياسي السري، وأن هناك قواعد صارمة للأمان الشخصي. كتابة الرواية ونشرها باسمي الحقيقي كانا مغامرة بهذا المعنى. فكرت ما الذي يمكن أن أقوله في هذا الحوار الصحفي زيادة عما كتبته في الرواية؟ وماذا لو طلب مني صورة شخصية؟ كما أنني كنت مؤمنًا، وما زلت، أنه لا يصح الحديث، لا مدحًا ولا قدحًا ولا تفسيرًا، عن عمل نُشر بالفعل؛ فأنا، هنا، غير ذي صفة. ذهبت في الموعد فوجدت أحمد جالسًا وأمامه جهاز لاب توب ونوتة ورقية وقلم. اندهش أحمد عندما وجدني شابًا صغيرًا ولست رجلًا عجوزًا، فالرواية، كما قال لي، توحي بأن كاتبها رجل كبير. كان  يتحدث معي بحماس عن روايتي وعن إعجابه بها بشكل عام، وإعجابه بالأخص بأنها، على غير العادة، كانت بمثابة نقد لـ “المعارضة” وليس لـ “السلطة” كما هي العادة في مثل هذا النوع من الأدب، كما يرى هو. وقتها تحدثت  معه عن تأثري بأفكار ميشيل فوكو، حول أن السلطة ليست هي فقط السلطة الحاكمة في مقابل الطبقات المحكومة، وعن تجاوز فوكو لرؤية كارل ماركس عن السلطة أو الطبقة الحاكمة، فإذا كانت أطروحة ماركس الأساسية عن استغلال الطبقة الحاكمة للعمال، فإن فوكو يذهب إلى أن أجساد الأفراد، قبل أن يكونوا “عمالا”، كانت قد أُدمجت ضمن إطار تنظيمي ورقابي وعقابي. وبالتالي فإن فوكو لا يقدم لنا السلطة باعتبارها طبقة حاكمة في مواجهة طبقات يتم استغلالها، لكن باعتبارها استراتيجية. كيف تتحقق وكيف تظهر وتتبدى في الأفعال. والفرد، على هذا النحو، ووفقا لهذا التصور، لا يوضع في مقابل السلطة، ولا في مقابل الحزب أو الأخ الكبير، ولا في مقابل الطبقة الحاكمة، بل باعتباره أحد آثار تلك السلطة، أو نتيجة من نتائجها. ومنذ هذه اللحظة بقيت تلك الحكايات عن السلطة موضوع حديث ممتد بيني وبين أحمد.

عندما عرفت بترحيله من قسم بولاق إلى سجن طره، عنبر الزراعة، تذكرت التجربة التي كنت قد عشتها من قبل وكتبت عنها تلك الرواية التي كانت، بدورها، سببا لمعرفتنا. ففي عام 2000، وكنت وقتها طالبا بكلية الحقوق جامعة عين شمس، قُبض علىّ ضمن مجموعة أخرى من الطلبة بسبب المظاهرات التي خرجنا بها تضامنا مع الانتفاضة والشعب الفلسطينيين. رُحلت من قسم الوايلي إلى سجن طره، عنبر الزراعة. كان مأمور السجن وقتها يُدعى نبيل مزارع ولا أظن أنه ما زال موجودًا هناك إلى الآن. فيما بعد، أصبحت كل الزيارات من رفاقنا وأصدقائنا والمحامين تقول لنا: “احمدوا ربنا إنكم نزلتم هنا، طره ده مش سجن، ده فندق خمس نجوم”. وهو بالفعل، وبالمقارنة بسجون أخرى كثيرة وتجارب قاسية سمعت وقرأت عنها، يعتبر حاجة تستحق الحمد والشكر.

فكرت أن أكتب لأحمد وللقارئ عن هذا السجن كما وجدته ونزلت به لمدة 45 يومًا، عن النظام المعمول به هناك. أن أكتب حكايات للأمير حتى يخرج، مع الاعتذار ليحي الطاهر عبد الله، ولصديقنا محمد فرج الذي كتب مقالًا جميلًا لأحمد ناجي، أيضًا، بعنوان قريب: حكايات للسجين حتى ينام.

مع الدخول من الباب الأمامي لسجن عنبر الزراعة، تجد ساحة مربعة وكبيرة إلى حد ما. على يمين هذه الساحة يوجد مكانان للزيارة، الأول للزيارة من خلف الأسلاك، وزيارة السلك هي من أصعب أنواع الزيارات على الأهل أو على المسجون نفسه، الذي يرى أهله ويتحدث إليهم، لكنه لا يستطيع أن يلمسهم بسبب السلك اللعين، كما أن تأثير السلك  على النفس يكون مضاعفًا لو كان الأهل من هواة مشاهدة المسلسلات والأفلام العربي مع استدعاء كل مشاهد النكد والشحنات العاطفية الموجودة في زيارات السجون، كما تصورها الأعمال الدرامية، الأهالي بيكونوا عملاء موضوعيين للسلطة، لكن فوكو لم يكتب عنهم.

على الجانب الآخر لهذه الساحة يوجد مكان، أقرب لكافيتريا، للزيارات المفتوحة بدون سلك، توجد به أماكن للجلوس وهناك مساجين زملاء يبيعون بعض المشاريب. لا أذكر الوقت الذي تستغرقه الزيارة، لكني أذكر أن زيارة السلك تكون أقصر في وقتها من الزيارة العادية. بعد هذه الساحة وأماكن الزيارة يوجد سور مرتفع وبه بوابة حديدية ندخل منها إلى السجن نفسه، مثل طبقات الأرض، نتجاوز القشرة لندخل إلى اللب. بعد الدخول من هذا الباب يوجد أمامنا مباشرة ملعب كرة، وهي أرض واسعة يمكن ممارسة أنشطة رياضية أخرى بها، مثل الجري. لكن أحمد لن يذهب إلى هذا الملعب في اليوم الأول. بل سيمشي إلى يسار هذا الباب، ويمر في الطريق بقطعة أرض زراعية، ثم يمر بباب آخر ليعبر إلى ساحة السجن نفسه. في هذه الرحلة القصيرة يصحبنا ويوجهنا بعض العساكر، وغايتهم هي الحفاظ على انضباط الطابور. يظهر الآن مبنى السجن، أمامه أيضًا قطعة أرض صغيرة نصفها خارج حدود المبنى، وهي عبارة عن أرض رملية يمكن، أيضًا، ممارسة بعض الرياضة بها أو استعراض الطوابير. النصف الآخر يحيطه المبنى وبه بلاط.

في اليوم الذي ذهبت فيه إلى هذا السجن، كان عددنا أكثر من عشرين طالبًا وكان مقبوضًا على محامين ومهندس أيضًا في نفس القضية. وقفنا في طابور على الأرض الرملية بناء على إشارة من يد مأمور السجن، أما المأمور نفسه فقد جلس على كرسي على البلاط. ألقى علينا خطبة عصماء لم تخل من التهديد والوعيد والتحذير من العاقبة السيئة لأي محاولة شغب. وبالفعل فكرنا ذات مرة في الإضراب وسألنا نبطجي العنبر المعلم سيد جاز عن تقديره للموقف، حذرنا الرجل من عواقب أي شغب مع وجود مأمور مثل نبيل مزارع، وحكى لنا عن قصص قاسية لمواجهة اﻹضرابات. ثم تبدأ الإجراءات بعد الخطبة، نتحول في كل خطوة إلى موضوعات بيد السلطة، هكذا سوف يتم التحكم فينا من خلال الرقابة علينا وتطويعنا ومحاولة إصلاحنا، هذا هو هدف وعمل المأمور والعساكر والنبطجي وحتى المباني بتصميمها الخاص هنا. السلطة تتبدى في إجراءات العقاب والرقابة والتطويع والإكراه. نقوم بتسليم كل أغراضنا للإدارة، ثم تجري عملية حلاقة الشعر زيرو، واستلام بدلة السجن وارتداؤها أو بديلها الخاص في حالة توفره، طالما كان بنفس الألوان المستخدمة هنا. ولأنني كنت محبوسًا احتياطيًا فبدلتي كانت بيضاء ومكتوب على ظهرها باللون الأصفر الفاقع “مسجون”. أحمد سيرتدي زيا أزرق لأنه صدر عليه حكم. ثم نذهب للتصوير واستكمال البيانات في ملفنا بالسجن. نعود للساحة السابقة، باب المبنى موجود جهة اليسار بالدخول، على ما أذكر توجد العيادة، بعدها ممر طويل لعنابر الإيراد. عنبر الإيراد، سواء 5/1 أو 6/1 ينزل به كل الناس الجديدة، سواء كانوا ببدل بيضاء أو ببدل زرقاء. العنبر الذي نزلتُ فيه كان عبارة عن عنبر كبير به سراير حديد، ثلاثة أدوار فوق بعض. السراير موجودة على الجانبين من أول الباب لحد الحمام، وبينهما طرقة طويلة. كان يوجد به تليفزيون ملون وأيضًا مراوح سقف. الحمامات كانت من غير أبواب، وكل الناس في الحمام عرايا. عملنا ستارة لأول حمام وخصصناه للطلبة. لكل عنبر نبطجي يعتبر هو العاهل والآمر الناهي وممثل المأمور داخل العنبر في ما يخص الشغب بالأساس. لكنه لا يمانع بخصوص تعاطي أو الاتجار في المخدرات. بعد فترة يُصنف المساجين من ذوي البدل الزرقاء، فمنهم من يذهب إلى عنبر جرايم النفس، أو عنبر السرقة والنشل، أو عنبر الأموال العامة. وكان، وما زال حلم أي مسجون أن يطلع الأموال العامة، فهو فندق 7 نجوم داخل الفندق الـ 5 نجوم. يقدم السجن وجبات أكل رديئة، الصبح فول وجراية عيش، بعد الظهر رز وخضار ولحمة أو فراخ، في المساء حلاوة أو مربى مع أي فاكهة موجودة. العملة داخل السجن هي السجاير، كنا شرب الشاي داخل العنبر بسجاير، أو غسل الملابس، الأوراق والأقلام، المخدرات أو الصور السكس. نادرا ما تجد أحد يرتدي بدلة السجن الخشنة نفسها، والبركة في الزيارات التي تأتي بملابس نظيفة وجيدة، بشرط أن تكون بنفس الألوان. الزيارات أيضا تأتي بالأكل الجيد والسجاير الكثيرة حتى لمن لا يشربها. لو دخل أحمد عنابر الإيراد هتكون أسوأ حاجة هي نوبة الصبح، عندما يأتي المأمور في السادسة صباح كل يوم. كان الشاويش “دبانة” يدخل ويفتح الباب بعصبية وينادي في كل العنبر بصوت مرتفع وقوي: انتبااااه، ثم يتابع بوابل من الشتائم في الهواء: انتباه يا كذا إنت وهو. مع سماع صوت الباب، كنا نقفز من فوق السراير إلى الأرض، ثم ننظر للحائط ونرفع أيدينا للأعلى. كان نبيل مزارع يطلب منا أحيانا تقبيل الحائط!

لا أعرف هل سيذهب أحمد للمكتبة أم لا، لكني ذهبت إليها مرة ووجدت بها نسخة من كتاب “النبي” لجبران خليل جبران، الممنوع خارج السجن. فكرت لماذا لا نتحدى أخلاق وقيم السلطة، بل ونُقط ضعفها، ونُدخل نسخة من رواية أحمد إلى مكتبة السجن؟ على قدر ما تكون تجربة السجن قاسية جدا، لكنها قد تكون مفيدة.

صديقي العزيز أحمد، أرجو أن تستفيد من هذه التجربة، وأن تتجاوز المحنة بالتأمل. أنا شخصيا بدأت كتابة روايتي في عنبر الإيراد، وتعرفت على بعض أفكار كارل ماركس ومنهجه من زميل كان معي في نفس القضية. تماسك وإياك أن تنكسر يا صديقي، قاوم وحاول أن تستمتع بالتجربة.

________________________

*يُنشر هذا المحتوى في إطار حملة مشتركة بين مواقع “مدى مصر”، “زائد 18″، “قل” و”زحمة” للتضامن مع الكاتب أحمد ناجي.

اعلان
 
 
ماهر عبد الرحمن