Define your generation here. Generation What
المراكز السورية في مصر.. بين العُزلة والنضوج والحنين للوطن
 
 

“تركت المفتاح بالباب وجرينا تحت القصف”، قالها شاب سوري واصفًا لحظة الخروج من منزله، والتي قادته ذات يوم إلى خارج سوريا كلها؛ بحثًا عن النجاة في رحلة لم يكن للأحمال الثقيلة فيها مكان، فثقل التساؤل عن المجهول وما يحمله القدر يكفي.

رحلة ظن أكثر السوريين الذين قدموا إلى مصر أنها ستنتهي في غضون أيام أو أسابيع، وإذا بها تمتد لسنوات كان عنوانها التخبط والتردد دون إرشاد.

يقدر عدد اللاجئين وطالبي اللجوء السوريين في مصر بحسب الأرقام الصادرة عن مفوضية شئون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة بـ 132.375 سوريًا.

تعددت احتياجات الوافدين حديثًا، وزادت تساؤلاتهم حول المعيشة في مكانهم الجديد، كما ازدادت بمرور الوقت المخاوف من المستقبل لدى الشباب الذين ابتلعتهم الاحتياجات اليومية ولم تفسح أمامهم المجال للتطور وتنمية الذات.

لكن مع بداية 2016، بدأت شمس كيانات سورية متعددة في البزوغ، بعد أن مثلت داعمًا حيويًا للآلاف داخل مصر، من خلال مسيرة جديدة من الدعم السوري – السوري، والتي تطرح في الوقت نفسه علامات استفهام حول ما إذا كانت هذه المسيرة جاءت نتيجة شعور بالعزلة عن المجتمع المستضيف، وحاجة إلى سد تقصير الجهات المنوط بها تقديم الخدمات إلى قطاع اللاجئين، أم أنها تعبيرعن اكتمال قوى التجربة السورية في مصر وثمرة لنضوجها؟

الدور الرسمي تجاه اللاجئين:

بحسب المفوضية السامية لشئون اللاجئين، فإن جمهورية مصر العربية هي بلد “عبور” للاجئين وملتمسي اللجوء، حيث لم تدبر إجراءات وطنية للجوء، بينما تنظم مسئولياتها اتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية لعام 1969، واتفاقية اللاجئين لعام 1951 الصادرة عن المفوضية السامية وبروتوكولها لعام 1967، والتي وقعت عليها مصر مع التحفظ على خمسة بنود كانت تضمن للاجئ: الحق في الحصول على الجنسية المصرية، والحق في العمل، والحق في التعليم المجاني، والضمان الاجتماعي، والحق في الحصول على وجبات غذائية.

بحسب المحامي السوري فراس يحيي -مدير قسم حقوق الإنسان باللجنة القانونية للائتلاف الوطني السوري بالقاهرة- فإن مصر قد قدمت استثناءات لـ”اللاجئين السوريين” غير واردة في الاتفاقية، من أهمها أن السوري يعامل معاملة المصري في مراحل التعليم المختلفة، ومنها التعليم الجامعي الأوّلي، وكذلك في المستشفيات الحكومية.

أما عن الخدمات، فوفقاً لمذكرة التفاهم الموقعة بين الحكومة المصرية وبين مفوضية الأمم المتحدة السامية لشئون اللاجئين في فبراير1954، فإن “الحكومة المصرية تمنح المفوضية حرية تقديم الخدمات إلى اللاجئين على أراضيها بالتعاون مع شركائها”.

وبناءً عليه فإن المفوضية تتولى مسئولية تسجيل طالبي اللجوء، وتقدم الخدمات القانونية والمساعدات المالية إلى الأفراد الأكثر احتياجاً، إضافة إلى الخدمات المجتمعية والتعليمية.

أما ما التمسه المواطن السوري في مصر فكانت له أبعاد أخرى، انطلقت منها رؤى المراكز الخدمية السورية التي بدأت في الظهور بداية من العام 2013.

في مصر

كانت المهندسة “عدلة الأتاسي” تعيش حياة هادئة في مدينة حمص السورية، وكانت تدير مكتبًا للإنشاءات بالمدينة الواقعة على نهر العاصي والتي تحتضنها منطقة زراعية خصبة.

لكن نيران الحرب ما لبثت أن التهمت المدينة الخضراء، فقررت “عدلة” الخروج إلى العمل العام للمرة الأولى؛ لمساعدة الأسر النازحة، قبل أن تغادر سوريا، لكن بعزم على مواصلة ما بدأته من دعم لأبناء وطنها، فكانت أولى خطواتها بمصر هي إنشاء رابطة تهدف إلى دعم المرأة السورية.

وبالفعل، خرجت “رابطة سوريات” إلى النور منذ قرابة الثلاثة أعوام، تحت رعاية المنظمة العربية لحقوق الإنسان، واستهدفت الرابطة رفع مهارات المرأة السورية، إلى جانب توفير الإرشاد لها في ما يخص الإجراءات القانونية وخطوات التسجيل بالمدارس وغيرها من المتطلبات الحياتية.

عدلة الأتاسي وعضوات رابطة سوريات في مقر الرابطة

عدلة الأتاسي وعضوات رابطة سوريات في مقر الرابطة

تقول “عدلة”، التي أصبحت مديرة أول المراكز الخدمية السورية في مصر: “التعرف إلى أماكن الخدمات، وطرق التسجيل بالمدارس، والتقديم في الجامعات، وإجراءات توثيق الزواج، وقيد المواليد وغيرها من الشئون الحياتية الأساسية، كلها أمور لم تتوفر المعلومات الكافية عنها أمام الوافد السوري إلى البلد الجديد”.

“رابطة سوريات”.. دعم الأسرة يبدأ من دعم المرأة:

بنظرات علاها الشغف وابتسامة بدت وكأنها تودع ماضٍٍ قريب، استرجعت السيدة “عدلة” ذكريات الأيام الأولى وقالت :”في البداية كان لا بد من القيام بمجهود كبير لدعوة السيدات السوريات للانضمام إلى الرابطة؛ حيث لم يتوفر لدينا بيانات اتصال معهن، وهو ما عاونتنا عليه الجمعيات الخيرية المصرية”.

كانت الاجتماعات المنزلية سبيل الرابطة الأول للتجمع وبحث شئون العمل، إلى أن تم بلورة مجهودات المجموعة منذ عام ونصف العام بانشاء مركزين مجتمعيين خدميين، بالتعاون مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.

داخل مقر أحد المركزين الخدميين بالقاهرة، سادت أجواء من البساطة تلفها الألوان الهادئة، امتزجت مع سكون أضفته الأشجار التي أحاطت بالمكان وتسرب عبر النوافذ الزجاجية. وقد تجمع عدد من السيدات في محاضرة عن فن التسويق، ضمن سلسلة من التدريبات نظمها المركز لتطوير الكفاءات المهنية للسوريات اللاتي يرغبن في إنشاء مشاريعهن الصغيرة، فيما جلست مجموعة من الأطفال في حصة للغة الإنجليزية، حيث قالت المعلمة، وهي متطوعة مصرية، إن تخصصها الرئيسي هو “الصيدلة” لكنها بحثت عما تستطيع أن تشارك به في دعم “الأشقاء السوريين”.

داخل مقر الرابطة

داخل مقر الرابطة

أما فريق العمل الرئيسي للرابطة فتكون جميعه من السوريات، كما مثل المركز لغيرهن مساحة للتعارف من خلال الجلسات الاجتماعية والأنشطة التي لم تنفصل عن الواقع المصري، مثل نادي الكتاب الذي ناقش كتبًا مصرية، منها كتاب “تاكسي” للكاتب خالد الخميسي.

موقع المرأة السورية من المؤسسات المصرية:

في مصر يعتبر المجلس القومي للمرأة هو الهيئة الرسمية الرئيسية التي تختص بشئون المرأة وفقًا لبنود حددها قرار رئيس الجمهورية رقم 90 لسنة 2000، والتي لم تشمل رعاية المرأة غير المصرية التي تعيش على الأراضي المصرية.

وفي 31 يناير 2013 تم توقيع مذكرة تفاهم بين كل من المجلس القومي للمرأة في مصر وهيئة الأمم المتحدة للمرأة وسفارة اليابان بالقاهرة، لتنفيذ مشروع التمكين الاقتصادي للمرأة في المجتمعات المستضيفة للاجئين السوريين، والذي يتم تمويله عن طريق منحة مقدمة من الحكومة اليابانية، وهو أول مشروع يقوم على تنفيذه المجلس يشمل اللاجئات السوريات، وقد أشارت السفيرة مرفت التلاوى، الأمين العام السابق للمجلس، إلى أن “المشروع يعمل على دعم المرأة المصرية واللاجئة السورية على حد سواء، من خلال إنشاء مراكز للتدريب المهني”.

بدأت التدريبات التابعة للمشروع منذ ما يزيد على ستة أشهر، حيث قالت هدى حنفي، مقررة المجلس لفرع الجيزة، المشرف على المشروع، إنه شمل 500 امرأة سورية حتى الآن، و”أن تحديد مجالات التدريب جاء بناء على استبيانات سجلت فيها السيدات السوريات مقترحاتهن وشملت (الكروشيه- الخياطة- الطهي- الإسعافات الأولية- تصفيف الشعر- أعمال التجميل)”.

وتضيف: “كان الإقبال على الانضمام إلى المشروع في البداية ضعيفًا، وذلك لعدم معرفة السيدات السوريات بالمجلس إضافة إلى شعور عام بالخوف يعانين منه”.

وهو ما تتحدث عنه سعاد خبية، وهي ناشطة وصحفية سورية تقيم بمصر، فتقول: “هناك عزوف من جهة السوريات عن الخروج إلى العمل العام، نتيجة لعدم شعورهن بالحماية، إلى جانب أن المجتمع لا يزال مجهولًا بالنسبة إليهن، مما يتطلب مزيد من الدعاية للأنشطة الموجهة إلى السوريات والتي لا تصل بالقدر المطلوب إلى قطاع عريض من السيدات”، كما ترى “سعاد” أنه يمكن خلق هيئات سورية وسيطة “لتمثل جسر تواصل بين المؤسسات المصرية والمرأة السورية”.

وترى “سعاد” كذلك أن الحملات الإعلامية التي تم توجيهها ضد المرأة السورية تسببت في نظرة المجتمع المصري (خاصة من قبل النساء) المتوجسة منها، بعد شائعات مثل “السوريات يسرقن الأزواج المصرين.. يوجد مراكز للزواج من المغتصبات السوريات بمبالغ قليلة.. مساجد تقيم مراكز للزواج من السوريات بأسعار مخفضة”، وغيرها مما تصفه بـ “الافتراءات” التي كانت تستدعي تنظيم ما يشبه جلسات استماع ما بين الطرفين المصري والسوري، على حد قولها.

أما على الجانب الآخر فترى “هدى حنفي” أنه لا توجد ضرورة لتنفيذ مثل هذه الجلسات، حيث “لم يحدث أية تشويه للسيدات السوريات في الإعلام المصري” بحسب قولها.

من جانبها، ترى “سعاد” أن “الأزمات الحقيقية التي تعاني منها المرأة السورية لا تقع ضمن أولويات المؤسسات المصرية المعنية بالمرأة”، وتضرب على ذلك مثالًا بقضية “لم الشمل” التي يتسبب فيها وجود الزوج أحيانًا خارج مصر والزوجة والأبناء داخلها.

فيما يؤكد المحامي السوري فراس يحيى أن المعاناة الحقيقية للاجئين السوريين في مصر تكمن في “صعوبة الحصول على إقامة، وفرض تأشيرة الدخول حتى لمن له أقارب سوريين داخل مصر”، وهو ما يقع ضمن إطار القوانين وليس الخدمات.

الجمعيات الخيرية وخطط دعم اللاجئين

لم تستثني الجمعيات الخيرية المصرية قطاع اللاجئين السوريين من خدماتها، لكن “توفير برنامج ثابت يعمل على دعم اللاجئين هي خطة تستلزم وجود تمويل يضمن الاستمرارية والاستيعاب للأعداد الكبيرة”، كما تقول سماء جابر، مدير مشروع “تحسين الحماية للاجئين السوريين والأطفال المصريين” بجمعية الريادة الخيرية.

وتكمل “سماء”: “قبل الشراكة التي عقدتها الجمعية مع منظمة اليونيسف ومؤسسة “بلان” الأمريكية لتنفيذ المشروع، كانت الجمعية تقدم المساعدات العينية إلى عشرة أسر سورية فقط من خلال التبرعات التي تأتي إلى الجمعية، أما الآن فنحن نقدم الدعم من خلال المشروع إلى ٧٠٠ أسرة”.

أما بالنسبة لجوانب تطوير الذات فتقول “سماء” إنهم يحاولون من خلال المشروع تقديم مثل هذا النوع من النشاط، لكن “أكثر الأهالي يأتون للحصول على المساعدة العينية ولا يُقبلون كثيرًا على الأنشطة الأخرى”.

لم تقتصر شراكات الجمعيات الخيرية المصرية على جهات عالمية في خدمة اللاجئين، فقد تعددت أنماط التعاون المباشر بينها وبين المراكز الخدمية السورية، مثل تنظيم جمعية “رسالة” رحلات ترفيهية لأطفال معهد “أرواد” التعليمي، وقيام جمعية “بلدنا أحلى بشبابها” بتزيين مقر المعهد.

“أرواد”.. وأزمة التعليم

“أرواد” هو أول المعاهد التعليمية السورية بمدينة الإسكندرية، حيث تأسس في يناير ٢٠١٤، ليوفر فصول تقوية تتولى إعادة شرح المناهج المصرية باللهجة السورية، نظرًا لما يعانيه الطلاب السوريون بالمدارس من مشقة في الاستيعاب بسبب اختلاف “اللهجة”.

ويرجع اسم “أرواد” إلى جزيرة سورية شهيرة تنقسم إلى جهتين، كما هو الحال مع المنزل ذي الطابقين الذي استقر به المعهد وتميز بطابع كلاسيكي عكسته عمدان من الأحجار القديمة وسلالم خشبية وصلت بين مساحة للاستقبال وطابق علوي انقسم إلى فصول.

مقر مركز أرواد

مقر مركز أرواد

منال العال، المدير التنفيذي للمعهد، تقول إنه “كان يعد أولى نقاط تجمع السوريين في مصر”، وتضيف: “بدأ المعهد تحت اسم “قرطبة” وشهد إقبالًا عاليًا نظرًا لأن الانشطة كانت مجانية، لكن المكان تعرض لضائقة مادية، فتم وضع رسوم اشتراك شهرية تقدر بمبلغ ٧٥ جنيهًا، وهو ما أدى إلى انسحاب أكثر من نصف عدد المنتسبين إلى المعهد”.

ويعتبر ضعف الإمكانات هو أصعب التحديات التي يواجهها المعهد وفقًا لـ”منال”، أما على صعيد طاقم التدريس فتقول أن الأولوية تأتي لتعيين المُدرسة السورية؛ نظرًا لاعتبارات اللهجة، إلى جانب الارتياح النفسي للطلاب وأولياء أمورهم، بعد ترسخ النظرة للمُدرسة المصرية أنها تقوم بالضرب “بسبب ما يحدث بالمدارس”.

ويمثل الطلبة السوريون النسبة الأغلب من الملتحقين بالمعهد، إلى جانب بعض الأطفال المصريين الذين ألحقهم أولياء أمورهم به نظرًا لقربه من محل سكنهم.

ويعتبر ملف التعليم من الأسباب الأساسية التي يعلل بها العديد من المواطنين السوريين رغبتهم في الهجرة عبر “المتوسط” إلى الدول الأوروبية، لتأمين مستوى أفضل من التعليم لأبنائهم.

ووسط الكثير من حالات الهجرة غير الشرعية التي تنتهي إما بالوصول إلى الجهة الأخرى من المتوسط، أو بانتهاء حياة المهاجرين فيها، بلغ عدد المحتجزين من المهاجرين غير الشرعيين السوريين بمصر منذ عام 2013 وحتى العام الماضي أكثر من 5230 شخص، وذلك حسب إحصاءات المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، التي عكفت على هذا الملف من خلال مكتب شمال غرب الدلتا.

منظمات مجتمع مدني ودعم اللاجئين:

أحمد الشاذلي، مدير مكتب “المبادرة” بالإسكندرية يقول إن “المنظمة اختارت التركيز على ملف اللاجئين المحتجزين نظرًا لوجود العديد من المؤسسات التي تتولى الجوانب الأخرى من دعم اللاجئين، إلى جانب ضعف الإمكانات الذي حال دون تنفيذ بعض الأنشطة التوعوية مثل تعريف اللاجئ بحقوقه الأساسية.”

ويكمل: “لكن علاقتنا باللاجئ لا تتوقف بعد خروجه من الاحتجاز، حيث يتواصل معنا بشأن مشكلات يتعرض لها، وهنا نشكل حلقة وصل بينه وبين الجهات المختصة.”

الحصول على الخدمات لا يمثل السبب الوحيد لتردد المواطن السوري على المراكز الخدمية السورية، وهو ما تعكسه قصة “إخلاص”، فهي أم لثلاثة أبناء، أصغرهم محمد “١١ عام” الذي حرصت على أن تلحقه بأحد المراكز السورية، وتقول: “محمد لا يزال يسألني حتى الآن متى سيعود الى بيته بسوريا وينام على سريره؟”، وتعلق ضاحكة بنظرات حزينة: “لا يعرف أنه لا يوجد منزل الآن بعد أن هدمه القصف”.

وترى “إخلاص” أن وجود ابنها داخل مركز سوري قد يقلل من شعوره بالغربة، وعلى الرغم من أن “محمد” يتقن اللهجة المصرية ويندمج بسهولة مع معارفهم من المصريين إلا أنها لا تسعى أن يتبدل وطنه، فهي تثق أن الغربة وإن طالت فحتما سيكون هناك عودة للوطن.

وقد وقع اختيار”إخلاص” على أحد المراكز الذي كان له نفس الهدف، وهو “سوريانا”، آخر عناقيد المراكز الخدمية السورية بالإسكندرية.

“سوريانا”.. عيلتنا الكبيرة:

منذ الخطوات الأولى داخل المقر تقابلك قطع ورقية ملونة مصنوعة يدويا تشي بالترحيب، أما الحوائط فقد زينتها عبارات ورسوم الرواد التي عكست صدق “الشعار” الذي اختارته “رفاء الرفاعي” مديرة ومؤسسة المركز وهو: “سوريانا.. عيلتنا الكبيرة”.

سوريانا

سوريانا

ظلت “رفاء” تبحث عن هذا المعني منذ أربعة أعوام هم زمن قدومها إلى مصر، وتقول: “كنت أعتقد في البداية أن المفوضية السامية لشئون اللاجئين ستكون موطنًا لنا بحكم عملها، لكنني وجدت أن هناك باب منفصل للاجئين ينبغي أن أمر منه، حتى إذا قمت بزيارة المفوضية بصفتي متطوعة، يرجعني الحراس عندما يجدونني سورية كي أمر من باب اللاجئين، فلم نستطع أن نشعر أنها بيتا لنا”.

لكنها تؤكد أن هذه المشاعر قد تغيرت بعد تصريح مديرة مكتب المفوضية بالإسكندرية عندما قالت مؤخرًا: “أتمنى أن تأتوا في أى وقت.. فهذا هو بيتكم الثاني”.

لكن عزم “رفاء” على أن يكون مشروعها الخدمي سندًا لكل سوري لم يتغير، فقد تأسس في أبريل 2015 وفقًا لرؤية خاصة تستهدف الدعم وليس المساعدة المباشرة. تقول: “ما أوفره بالمركز هو استشارات مثل: كيف تعمل، كيف تسجل بالجامعة..إلخ، فأنا أهدف أن يعامل الشخص السوري كمواطن وليس كلاجئ ولن يحدث ذلك إلا عندما يبدأ في الاعتماد على نفسه.”

خدمات “سوريانا”:

تنوعت خدمات المركز التي استهدفت بشكل رئيسي الرواد السوريين، بين فصول التقوية الدراسية والتدريبات الرياضية للأطفال، وتنظيم حملات التطعيم واستقبال القوافل الطبية، وقد حصل العام الماضي على شهادة تقدير من وزارة الصحة المصرية تكريمًا لمجهوداته في توصيل إحدى حملات الوزارة بأكبر عدد من الأطفال السوريين.

كما ضم طاقم العمل السوري فرقتين موسيقيتين وفريق مسرحي، ومثلت المجهودات الذاتية للطاقم الداعم الرئيسي لاستمرار عمل المركز في ظل عدم وجود مصدر للتمويل باستثناء قيمة الاشتراك الرمزية لبعض الأنشطة.

فريق سوريانا في حفل المفوضية

فريق سوريانا في حفل المفوضية

وقد عزم المركز على توجيه بعض الأنشطة إلى الجانب المصري، بدءًا باهداء مجموعة من الأنشطة الترفيهية إلى أربع مدارس حكومية مصرية، بهدف تقريب الطفل المصري من الشخص السوري.

وقال أحد أعضاء الفريق إن مدير إحدى المدارس الحكومية قال له ذات يوم: “أنتم السوريين تأخذون فقط ولا تعطون” مما أثر به.

مفوضية شئون اللاجئين والدعم:

من جانبها تحدثت “مروة هاشم” مساعد مسئول الإعلام لدى المفوضية السامية لشئون اللاجئين عن برامج المفوضية التي استهدفت تطوير الجوانب المهارية للاجئين خلال الفترة الماضية، وقالت إن محورها كان المهارات اليدوية مثل (النجارة – السباكة – الطبخ.. إلخ).

وتعقد المفوضية حاليًا خطة تتناول تنمية المواهب الفنية والأدبية للاجئين السوريين، وذلك من خلال عدد من المراكز الثقافية المصرية.

أما عن الاندماج بين الطرف السوري والمصري فترى “رفاء” أنه لم يحدث بصورة فعالة نتيجة لعدم وجود حلقات تقوم بتعريف السوري على عادات البلد أو تدمج بين الطرفين، وتعلق ضاحكة: “كنت عندما أسمع إحدى التعبيرات المحلية مثل (عامل نفسه من بنها) أقوم بالبحث عبر جوجل لأفهم معناها.”

وتقول “هاشم” إن خطة عمل المفوضية لم تتضمن برامج تستهدف بالأساس الدمج بين الجالية السورية والمجتمع المصري، لكن “هناك بعض الأنشطة التي نظمتها المفوضية جمعت بين مشاركين مصريين وسوريين، مثل مشروع “أثر لنا” الذي نظم زيارات ميدانية للأثار المصرية، ومشروع “حوش يجمعنا” لتطوير أفنية بعض المدارس المصرية التي تشهد كثافة للطلاب السوريين.”

وتضيف أن “ما يحدث مع اللاجئ بدول أوروبا هو عملية (دمج تام)، فهو يحصل على اقامة وجنسية بعد فترة من الزمن، أما في مصر فاللاجئ يقيم بصفة مؤقتة لحين مغادرته يومًا ما، لذا فقد استهدفت المفوضية تطوير المساحات المشتركة بين المصريين والسوريين مثل مشروع تحسين 44 عيادة عامة في عام 2014، وذلك حتى إذا غادر السوري البلاد يكون المصري قد استفاد أيضًا من التطوير.”

توزيع المراكز الخدمية والعوائق التي تواجهها:

على الرغم من عدم وجود إحصاء رسمي لدى مفوضية شئون اللاجئين بعدد المراكز الخدمية السورية في مصر، إلا أنه يُلاحظ تركزعدد منها في مدن القاهرة والإسكندرية، وغيابها عن مدن تشهد كثافة للتواجد السوري مثل دمياط، وقد يرتبط عدم انتشارها بصعوبات تعرقل خروجها إلى النور مثل التصاريح.

فلا توجد تصاريح تصدر لكيان تحت اسم “مركز خدمي سوري”، لذلك تلجأ الكيانات إلى استصدار التصاريح بصيغ أخرى، فيمكن أن تسجل كجمعية لكن في هذه الحالة لا تستطيع أن توجه خدماتها فقط لقطاع السوريين، بل لا بد أن يكون غرضها تنموي يشمل جميع الجنسيات على حد سواء، ويتكون مجلس إدارتها من عدد يمثل به المصريين النسبة الأغلب، وهو ما يجعل بعض المراكز تلجأ إلى التسجيل كشركة خاصة تتبع وزارة الاستثمار وهو ما يحد في الوقت نفسه من تنوع أنشطتها، كما يضطر البعض الآخر إلى عدم الحصول على تصريح لما يترتب عليه من وجود ملف ضريبي يثقل كاهل المركز، والذي يستهدف عادة الفئات الأقل قدرة على دفع نظير مادي يعوض التزاماته.

أحلام وطموحات القائمين على المراكز الخدمية السورية لم تنفصل عن الوضع في الداخل السوري، فمشروع “أرواد” بالنسبة لـ”منال العال”، المدير التنفيذي للمعهد، هو خطوة لإعداد أجيال على قدر من التعليم، قادرة على بناء سوريا ما بعد الحرب، أما “رابطة سوريات” فقد اعتبرت مقراتها داخل مصر هي مكاتب “مؤقتة” لحين العودة إلى سوريا لأن العمل من داخلها هو الأساس، والنهضة بالمراة  السورية هي رسالة المركز الدائمة.

أما فريق “سوريانا” فقد اقترب كثيرًا من أحلامه المتنوعة، وكان أهمها ما تختم به “رفاء الرفاعي” مؤسسة المركز قائلة: “نَحنا لما طلعنا من سوريا اتشتتنا بكِل العالم، حتى بداخل الدولة الواحدة، بس دلوقتي باقدر قول إنه صار ليا عيلة وكِل السوريين ياللي بيزوروا المكان صاروا يشوفوا “سوريانا” هو “عيلتنا الكبيرة”.

رفاء الرفاعي مؤسسة سوريانا

رفاء الرفاعي مؤسسة سوريانا

اعلان
 
 
نهلة النمر