Define your generation here. Generation What
عرض كتاب “حريق في القاهرة”، تأليف “ماثيو كونرز”

كتاب “حريق في القاهرة” هو كتاب جديد يضم مجموعة من الصور، أصدره فنان نيويورك “ماثيو كونرز”. كان قد التقط تلك الصور للمعارك التي شهدتها شوارع القاهرة عام 2013، عندما اتحدت قوى المُعارضة في مواجهة محمد مرسي؛ الرئيس المُنتمي لجماعة الإخوان المُسلمين.

حاز الكتاب اهتمامًا ملحوظًا، نظرًا لشكله، كما برز في معرض “باريس للصور”؛ أحد أهم المعارض الدولية للتصوير الفوتوغرافي. ولكن الكثير من محتوى الكتاب قد تأثر أو تُرجم بشكل غير صحيح أثناء إعادة عرضه وترجمته. على سبيل المثال، قدم عرض للكتاب في “مجلة فريز” الصور بترتيب عكسي من اليسار إلى اليمين، وأخطأ “آدم بيل” في فهم السياق حين وصف الكتاب باعتباره “كشفًا ثوريًا” بالنسبة لتقنية التصوير بالعين. كما قال: “إن تبعات احتجاجات 2011 لا تزال مُستمرة حتى الآن”.

يُقدم الكتاب مُقاربة تجريبية لبنية سردية، وينوع بشكل كبير في أسلوب طليعي يلفه الغموض، ولكنه لا يُقدم معلومات مكتوبة. يبدأ الكتاب من اليمين إلى اليسار، بعكس كتب اللغة الإنجليزية، في إشارة واضحة إلى طبيعة مادته المُتعلقة بالعربية.

يبدأ ترتيب الصور بعرض مجموعة من الصور التقليدية بالأبيض الأسود لمُتظاهرين في الشوارع. تم التقاط كل صورة وطبعها مرتين، بفارق زمني مقداره دقيقة واحدة بين الصورتين، مما يحث المُتفرج على التنقل ببصره بين الصور غير المُتطابقة. تقدم الصور مجموعة من شخصيات القاهرة في سياقات مُختلفة، وتعكس اضطرابات الشوارع والإثارة في ذات الوقت. التقطت بعض الصور وجوهًا مجروحة وملابس مُمزقة جراء الشجارات، بينما التقطت صور أخرى تحديق عيون شاردة؛ تُرجح إصابة أصحابها بصدمة خفية. ومع التقدم في مُطالعة الصور، تكتشف المزيد من التركيز البطيء على كل وجه، سواء كان يعكس قناعة دينية أو يحتمي من الغاز المُسيل للدموع. لا توجد تعليقات أسفل الصور، وللمُتلقي الحرية في طرح تصوراته وقراءته الخاصة لهذه الوجوه مجهولة الهوية.

يتكون ثلث الكتاب تقريبًا من صور بالأبيض والأسود، يقطع تسلسلها صورتان بالألوان للنار التي تحيط بها العتمة؛ كأول علامة على ظهور العنف. وانطلاقًا من تلك النقطة، تعكس الصور المزيد من الطاقة المحمومة، وتلتقط مُتظاهرين مُلثمين في أحداث شغب، وآثار العنف، وتفاصيل قريبة للحطام، كما تعرض زوايا ذكية لآثار مُعارك الشوارع. في إحدى الصور، على سبيل المثال، هناك دماء على عجلة سيارة “بي أم دابليو”.

تمتزج فوضى المُصادمات مع تفاصيل الحياة اليومية، وتقدم منظورًا بديلًا للمشهد، أو لحظة الذروة بتعبير الكثير من المصورين الصحفيين. يأتي تتابع الصور اعتمادًا على الشكل أو اللون، بدلًا من الاعتماد على الأسس التقليدية للتابع. تتخذ الأشياء أبعادًا جمالية جديدة؛ إذ نرى عبوات الغاز المُسيل للدموع.. والدخان يتصاعد منها نحو السماء الخاوية، أو أشعة الليزر خضراء اللون وهي تحيد عن مسارها في الظلام. يثير هذا أسئلة من قبيل: إلى أي مدى يُسمح للفنان بالانحراف عن عملية توثيق الحدث الأساسي. هل يمكن أن تُسهم مثل هذه المشروعات الفوتوغرافية في زيادة فهمنا للثورات السياسية والاجتماعية، أو هل يمكن لمملكة الإبداع والخيال خلق فضاءات أكثر رحابة للانخراط مع الحدث، وتوفر مهربًا من وحشية حقائق التاريخ؟

لقد قدم “كونرز” ترجمة لخبراته الخاصة في القاهرة، والتي عبّر عنها في مُقابلة مع مجلة “تايم” في 30 سبتمبر 2015 بقوله: “أردتُ إضفاء عنصر الإرباك، كما أردت مُحاكاة تجربة تواجدي في ميدان التحرير؛ حيث تتغير المواقف باستمرار، ولم أكن واثقًا حينها من يُساند من”. لقد أسهمت رؤيته الفنية في تقديم نظرة خاصة ومثيرة للاهتمام إلى ممارسة السياسة في شوارع مصر، إلا أنها جازفت بتبني الرؤية النمطية عن الشرق الأوسط. يمكن اعتبار الصور بمثابة تعزيز لنظرة الغرب السطحية، عن طريق وضع مُتظاهرين مجهولين في صور دموية؛ تجعل من عُنف معارك الشوارع مجموعة من المنحوتات الجميلة. تغلف هذه الصور المهووسة بالجمال موضوعاتها بالغموض، ولا تهتم بالنقد السياسي أو الفكري.

كتب الفنان على غلاف الكتاب الرائع؛ بلونيه الأخضر والأسود، عبارات قصيرة، جاء فيها أنه تأثر بالقاص الأمريكي “دونالد بارثيلم” الذي اشتهر بسرده المُتشظي التجريبي. وهو ما يجعل هذه الصور تعبيرًا عن فضاء خاص به للمدينة، ذو بُعد أدبي واضح، بدلًا من إقامة توازن مُفيد بين الصورة وبين النص، وهو ما أهدر فرصة ربط الصور بسياق لمن يهتمون بأكثر من مجرد صورة.

يشبه كتاب “حريق في القاهرة” أحد مشروعات “كونرز” السابقة، وهو مجموعة صور على مدار عام لمُتظاهري حركة “احتلوا” في شوارع “نيويورك”، بعنوان “الجمعية العمومية”. وهذه الصور بالأبيض والأسود كذلك في إطار واحد، ولكن “كونرز” أطلق الأسماء على صوره هذه المرة.

يمكن أن يؤدي اهتمام عمل فني بالسياسية العالمية مثل كتاب “حريق في القاهرة” إلى إنتاج أعمال فنية تمثل إضافة إلى فن التصوير الفوتوغرافي المفاهيمي، إلا أن هناك مسؤولية موازية من أجل إنتاج حوارات تعكس الحقيقة حول الشرق الأوسط. إن تفسير الأحداث ضروري رغم غواية محاولة استكشاف سحر الشرق.  

Read in English
 
 
اعلان
 
 
روني كلوز 
 
 
More from Panorama