هل يصل المُحتَجُ إلى البيتِ الأبيض؟

حديث الثورة والثورة المضادة في الانتخابات التمهيدية للرئاسة الأمريكية

***

لم يعد هناك من طريقٍ للتغيير وتحقيق آمال الطبقة العاملة، إلا الثورة،”. لم يكن ذلك بياناً حماسياً لأحد متظاهري “احتلوا وول ستريت” أو حركة “حياة السود مهمة”، بل كان، ولا يزال، تصريحاً متكرراً للمرشح المحتمل للرئاسة الأميركية بيرني ساندرز.

ولأن لفظ، ناهيك عن فعل “الثورة” ذو حيثيات وتبعات لا يُحتفى بها، ولا مجال لها، في الديموقراطيات الراسخة، كان مستغرباً أن تتردد تلك الكلمة، وما يستتبعها، باستمرار في خطابات مرشحٍ لمنصب بهذه الخطورة. لكننا نحيا اليوم في عالمٍ يختلف كثيراً عما كان عليه قبل خمس سنوات. عالمٌ يموُج بالتغيير وتمُّرد الشباب، من ثورات العرب في الشرق الأوسط، إلى الانتفاضات والحركات الشبابية التي اجتاحت، تقريباً، كل ربوع الدنيا في السنوات الأخيرة، غضباً ضد التهميش والفساد وغياب العدالة. من هذه الزاوية، يسعى هذا المقال إلى محاولة قراءة الخطاب السياسي المحلي في الانتخابات الأميركية، وبحث الحالة التي يمثلها طرفان يسعى كلٌ منهما إلى الوصول للبيت الأبيض. أحدهما، في المعسكر الديموقراطي، قد رفع لواء الثورة. فهل يكون المعسكر الجمهوري المنافس، في هذا السياق، معقلاً للثورة المضادة؟ لنرى.

’الثورة السياسية‘ هي السبيل الوحيد للتغيير

هكذا يردد دوماً بيرني ساندرز، ذو الـ 74 عاماً، الذي يصف نفسه بأنه اشتراكي ديموقراطي، عن حركته الساعية إلى التغيير. “ثورة” يسعى خلالها لحشد أكبر عدد من المواطنين في حركة شعبية حيّة تمكنه، وفق رؤيته، من إعادة حقوق المواطنين المُصادرة، وإحياء الديموقراطية الأمريكية التي أعجزها المال والفساد. و”سياسية”، لأنه يلتزم بالآليات والإجراءات الديموقراطية المعمول بها داخل النظام الأميركي، الذي يسعى هو إلى تقويم مساره.

بيرني الذي كان ناشطاً حقوقياً ومنسقاً لحركة طلابية في ستينيات القرن الماضي، كان أحد المشاركين في مسيرة مارتن لوثر كينج بواشنطون، والتي ألقى خلالها الأخير خطبته الشهيرة “لدي حلم”. مثير للغاية أن تستمع إلي مقاطع فيديو جرى تسجيل أحداثها في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات لتجد أن تصريحات ساندرز وخطاباته التي ألقاها، آنذاك، دفاعاً عن حق المواطنين في التعليم والصحة والعيش الكريم تكاد تتطابق، حتى على مستوى الألفاظ، مع ما أعلنه اليوم في حملته الانتخابية من أفكار، وما تعهد به خلالها.

ومن أبرز تلك التعهدات التي قطعها بيرني على نفسه للناخبين: رفع الحد الأدنى للأجور إلى 15 دولاراً في الساعة، وإصلاح الشرطة، وزيادة الضرائب على الشركات والكيانات التجارية الضخمة وأبرزها وول ستريت، وتفكيك البنوك الأمريكية العملاقة، وتخفيض ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية، وتمديد برنامج التأمين الصحي والرعاية الطبية ليشمل كل المواطنين، وتفعيل منظومة الضمان الاجتماعي، وتقييد حرية رأس المال السياسي ومكافحة الفساد، وضخ استثمارات في مشروعات المرافق الحيوية والبنية التحتية، وإصلاح منظومة العدالة الجنائية، وأن يكون التعليم الجامعي مجانياً.

هذه التعهدات، التي تتسق مع أفكار ومبادئ اعتنقها الرجل طوال حياته، إلى جانب حماسه المتدفق وطاقة الأمل والحلم التي يبثها في مستمعيه، كانت أسباباً مباشرة لاجتذاب أعداداً هائلة من المتطوعين الشباب إلى حملته الانتخابية. وذلك بشكل فاق، وفق تقديرات، الاعداد التي انضمت الى أوباما في انتخابات 2008. ففي ولاية آيوا، التي انطلقت فيها الانتخابات رسمياً، سحق ساندرز كلينتون، في الفئة العمرية 17 – 29 عاماً، بفارق 70% من أصوات هؤلاء الشباب، بشكل تجاوز حتى ما حققه أوباما نفسه، مع نفس الفئة بالولاية ذاتها، في انتخابات 2008، عندما تفوق على هيلاري بفارق 43%. أرقام قياسية عدة قد حطمها ساندرز خلال السباق الانتخابي. أبرزها كون حملته ترتكز على أوسع قاعدة من صغار المتبرعين في التاريخ. مليون و300 ألف مواطن تبرعوا للحملة بما يزيد على 3 مليون تبرع، بمتوسط مبلغ 27 دولاراً للتبرع الواحد. وكذلك كونه أول غير مسيحي يفوز بانتخابات تمهيدية، بولاية أميركية، في التاريخ.

ألم يكن أوباما مرشحاً ثورياً هو الآخر؟

قبل الإجابة، ينبغي التوقف أولاً أمام الآلية التي يفوز بها مرشحٌ ما بتمثيل الحزب الديموقراطي في الانتخابات الرئاسية الامريكية العامة. هذه الآلية تنتهي بأن يقوم مندوبو الحزب في المؤتمر العام بالتصويت للمرشحين، والمرشح الذي يدعمه العدد الأكبر من المندوبين يفوز بورقة الترشح. العدد الإجمالي للمندوبين في الحزب الديموقراطي هو 4763 مندوباً. هؤلاء المندوبون يجري اختيارهم بعدد يتناسب مع نسبة التصويت للمرشحين المتنافسين في الولايات المختلفة. مثال على ذلك، في ولاية نيوهامشير، حصد ساندرز 60.4% من أصوات الناخبين، هذه النسبة منحته 15 مندوباً. فين حين صوّت لكلينتون 38% من الناخبين، فمنحتها هذه النسبة 9 مندوبين.

لكن المشكلة الحقيقية في هذه الآلية وجود ما يسمّى بالـ “المندوب المميز“. بالمؤتمر العام، هناك 712 مندوباً مميزاً لهم حق التصويت لأي مرشح بحرية تامة، دون التقيد بنتائج تصويت الولايات التي ينتمون إليها. هؤلاء المندوبون المميزون غير منتخبون، وهم عبارة عن أعضاء اللجنة الوطنية للحزب الديموقراطي (الإدارة العليا للحزب)، وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ عن الحزب، وكذلك حكام الولايات المنتمين للحزب، وغيرهم من شخصيات الحزب الفخرية. إذن، فمؤسسة الحزب، وحدها، باستطاعتها ممارسة فيتو مستتر ضد أي مرشح لا ترضى عنه. وذلك يمثل خللاً ديموقراطياً جسيماً، وإهداراً لقيمة التصويت الشعبي، إذا ما خالفت رغبات قيادات الحزب، رغبات أعضاء الحزب وقواعده.

“لقد سئم الناس من المنظومة السياسية”، يرددها مراراً بيرني ساندرز، مفاخراً أنه يواجه هيلاري كلينتون، التي يعتبرها مرشحة تلك المنظومة التي تشكل مؤسسة الحزب الديموقراطي ركناً رئيسياً فيها. أحد أسباب الحنق على هذه المنظومة، والتي يشاركُ ساندرز الملايينُ في بغضها، هو تقويض الديموقراطية الأميركية وتحويلها إلى نظام أوليجاركي يتداول على حُكم البلاد فيه أقلية تحتكر السلطة والثروة. آداة “المندوب المميز” تلك هي نفسها أحد مظاهر الديموقراطية الزائفة التي يمارسها الحزب الديموقراطي. ولا عجب أن 362 مندوباً مميزاً، بحسب النيويورك تايمز، قد أعلنوا وقوفهم خلف هيلاري كلينتون، في مقابل 8 فقط أعلنوا دعمهم لساندرز!

بالعودة للسؤال الرئيسي بعنوان الفقرة، فالإجابة لا. لم يكن أوباما مرشحاً ثورياً على الإطلاق. وذلك لعدة أسباب، منها أنه لم يكن مرشحاً خارجاً على المنظومة أو مهدداً لها، فقد دعمه 478 مندوباً مميزاً من الحزب في انتخابات 2008. كما أن وول ستريت، طبقاً لرويترز، قد ضخت أموالاً طائلة لدعم حملته. ذلك الرئيس لم يتخذ، رغم مرور ثمان سنوات على رئاسته، أي اجراء من شأنه انقاذ الديمقراطية الأميركية من سطوة المال وتحكم جماعات الضغط والمصالح. أوباما لم يغلق معتقل جوانتانامو، بل ووسع نطاق الحملات العسكرية للطائرات بدون طيار في اليمن وباكستان وأفغانستان. يرى البعض، منهم بروفيسور فواز جرجس، أن أوباما لم يكن سوى رئيس “يبقى الوضع على ما هو عليه” لكن مع بعض التحسينات. ذلك لا ينفي أو يغض الطرف عن سياساته التي كان من أبرزها إقرار نظام جديد للرعاية الصحية، وإبرام الاتفاق النووي مع إيران، وإعادة العلاقات الدبلوماسية مع كوبا، ومبادرة توفيق أوضاع المهاجرين غير الشرعيين. تلك السياسات التقدمية مع تعافي الاقتصاد الأمريكي عما كان عليه قبل 7 سنوات، بحسب مقال ميشيل جرونوالد، بمجلة بوليتيكو، تضع ساندرز في مأزق كبير، فكيف يدعو للثورة في الوقت الذي يقر فيه بتحسُّن الأحوال كثيراً في عهد أوباما؟

لإجابة سؤال جرونوالد، ينبغي أولاً أن تُحدَد هوية أولئك الذين يشعرون بتحسُّن الأحوال. فرغم الإقرار بشعبية أوباما التي لا تزال في أعلى مستوياتها بين جماهير الديموقراطيين  –83% منهم قالوا إنهم راضون عند أداء أوباما لمهام الرئاسة–  إلا أن قطاعات كبيرة من المواطنين لا تزال تعاني ظروفاً بالغة السوء. منهم طلبة الجامعات الذين يرزحون تحت نير ديون مالية، هي الأثقل في التاريخ، بلغت 1.3 تريليون دولار. ومنهم مجتمع الأقليات كالمسلمين الذين يواجهون حملات تشويه وترهيب واسعة النطاق، ذلك إلى جانب تصاعد الاعتداءات الجسدية عليهم. بسؤاله عن موقفه من حملات التحريض والكراهية ضد المسلمين، قاطع ساندرز السائلة ليحتضنها ويربت على كتفها، قبل أن يتعهّد بفعل كل ما بوسعه للدفاع عن المهاجرين والمسلمين، ومقاومة “العنصرية التي تلطخ هذه البلد.” إعلان أول عضو مسلم منتخب في تاريخ الكونجرس، كيث إليسون، دعمه لترشيح ساندرز يشير إلى الأمل التي تعقده الأقلية المسلمة على هذا المرشح.

وهناك أيضاً مجتمع السود الذي يواجه تمييزاً عنصرياً مؤسسياً وعمليات قتل وحشية منهجية من أفراد الشرطة الأمريكية. أحد أشهر هؤلاء الضحايا، كان إيريك جارنر، الذي شوهد على شاشات التلفزيون، في 2014، يلفظ أنفاسه الأخيرة خنقاً وهو يستجدي أفراد بوليس نيويورك، “لا أستطيع أن أتنفس، لا أستطيع أن أتنفس.” ابنة الضحية، إيريكا جارنر، لم تختر هيلاري التي تستميت في الادعاء بأنها ستكون امتداداً لأوباما، بل أطلقت فيلماً دعائياً عن قصة مقتل والدها دعماً لبيرني ساندرز.

الثورة المضادة في الحزب الجمهوري؛ بذاءة، شعبوية، وتخوين

“مناظرة ليلة أمس في جرينڨيل – كوميدية لكنها أيضاً ليلة مخزية للحزب الجمهوري،” هكذا وصفت جريدة الإيكونوميست المناظرة التاسعة لمرشحي الرئاسة الجمهوريين والتي جرت ليلة 13 فبراير 2016 بولاية ساوث كارولينا. وصف “الخزي” هذا يظل صالحاً للتعليق على كل المناظرات التي شارك بها المرشحين الجمهوريين. ويعُزى ذلك، بشكلٍ أساسي، للبذاءات والإهانات الشخصية التي اعتاد المتنافسون تبادلها. مقتبسات بسيطة من المناظرة الأخيرة وحدها تثبت صحة ذلك. ففيها، كمثال، اتهم دونالد ترامب المرشح تيد كروز بأنه “أكبر كذاب على الإطلاق، إنه شخصُ كريه.” فرد كروز مُذكِّراً بأن ترامب كان قد وصف بن كارسون بأنه شخص ذا خلل مزاجي مرضي، وهو خلل لا يعالج مثلما لا يمكن علاج أولئك المتحرشين بالأطفال جنسياً. وعندما أعاد ترامب وصفه لچيب بوش بالضعف، رد الأخير منتقداً ترامب، قائلاً: “إن الضعف أن تنتقص من قدر النساء. إن الضعف أن تُشوه سمعة إنسانٍ معاق.” في تعليقه على هذه المناظرة، غرّد فرانك لنز، منظم استطلاعات الرأي، الجمهوريّ الانتماء، على تويتر قائلاً “حقيقةً، هذا جنون. إن الحزب الجمهوري يدمر نفسه هذه الليلة.”

وعلى النقيض من هذا السلوك، فإنه يحسب لبيرني ساندرز وهيلاري كلينتون إدارتهما لتنافس، يمكن وصفه بالنزيه، يقوم على انتقاد الأفكار والأطروحات، بدلاً من شخصنة النقاش وتبادل الإهانات. كان ذلك واضحاً، عندما شدد بيرني على رفضه الهجوم على هيلاري مستغلاً أزمة البريد الإليكتروني الخاص بها، وهي القضية التي تحقق فيها المباحث الفيدرالية. “لقد اكتفينا من البريد، دعونا نتحدث عن الأشياء الجدية التي تواجه أميركا.”

وعلى هذا، لم تكن البذاءة وحدها سمة مناظرات الجمهوريين، بل كان الخطاب الشعبوي كذلك ملمحاً مميزاً لها. فيكفي تغيير كلمة “العالم” إلى “الحزب الجمهوري” في العبارة التي كتبها جيلنر وآينيسكيو في 1969، “خطرٌ يخيم على العالم – الشعبوية”، لتظل الجملة حقيقية ومعبرة. رغم أن دور مفهوم الشعبوية هو لفت الانتباه إلى سعي السياسيين إلى مداهنة الجماهير، وبخاصة الغوغاء منهم، بتهييج مشاعرهم أو اللعب على مخاوفهم، بدلاً من إعمال المنطق والحُجة، إلا أن هذا المفهوم عادةً ما يُستخدم في سياقات تجعله فضفاضاً أو غير محدد. نتيجةً لذلك أصبح استعماله انتقائياً، فمن يصفه أحد بأنه “شعبوي” يمكن أن يصفه آخر بأنه “ثوري” أو “إصلاحي”. لتجنب تلك الإشكالية، يتبنى هذا المقال تعريفاً محدداً، اعتمده آلبيرتازي وماكدونيل في كتابها “شعبوية القرن الواحد والعشرين“، يرى أن الشعبوية:”هي الفلسفة التي تنتقي مجموعة متجانسة من الأخيار، في مواجهة نخبة أو (آخرين) خطرين يوصمون بأنهم ينالون من (أو يحاولون النيل من) سيادة الشعب ومن حقوقه، قيمه، رخاءه، هويته، وصوته”.

شعبوية مرشحي الحزب الجمهوري تمثلت في بث كراهية الآخر والتحريض ضد مجتمعات المهاجرين واللاجئين، ومداعبة مشاعر الوطنية البدائية التي تنتشي بالقوة العسكرية وادعاء تميُّز أمريكا عن سائر بلاد الأرض. تلك الشعبوية لم تخل من العزف على أوتار نظرية المؤامرة، بل والتفاخر بالقتل والتعذيب.

المسلمون والمكسيكيون كانا أكثر الفئات المستهدفة في الحملة الجمهورية للتحريض ضد الأقليات والأجانب. ففي ديسمبر الماضي دعا دونالد ترامب لمنع كل المهاجرين أو اللاجئين المسلمين بشكل تام من دخول الولايات المتحدة. جاء هذا التصريح بعد أشهر من وصف الأخير للمكسيكيين بأنهم مجرمون ومغتصبون وتجار مخدرات. “لدينا مشكلة في هذا البلد، اسمها المسلمون”، كان ذلك أحد تصريحات ترامب الفجة في عنصريتها، التي رد عليها المرشح المنافس بن كارسون، المنتمي لطائفة الأدڨينتيست البروتستانتية، بالقول بأن الولايات المتحدة لا يجب أن تنتخب رئيساً مسلماً، فالقرآن، بحسب ما يرى، لا يتوافق مع الدستور الأميركي. لذلك فبن كارسون يعتقد أنه لا يمكن لمسلمين أن يؤمنوا بالقيم الأمريكية إلا إذا كانوا يعانون من مرض انفصام الشخصية.

التسابق إلى مداعبة الشعور الديني المحافظ لبعض أنصار الجمهوريين المسيحيين، وبخاصة المتطرفين من الإنجيليين، لم يفت ماركو روبيو وتيد كروز -الذي يُعتقد أنه أكثر المرشحين تجارةً بعقيدته الإنجيلية– فكلاهما يصر، بصفة مستمرة، على نسب العمليات الإرهابية إلى الإسلام ونعتها بالإسلام المتطرف. “نحن في حالة حرب مع الإسلام المتطرف.” نفس التصريح، بنفس الألفاظ، كلاهما يكرره صباح مساء.

لم يكن التحريض ضد الأقليات والمهاجرين السبيل الوحيد لمغازلة المشاعر الوطنية لناخبي الجمهوريين، بل حرص المرشحين، بلا استثناء، على التباهي بالقوة العسكرية الأمريكية الباطشة وكذلك الادعاء بالاستثناء والتفرد الأميركي. فماركو روبيو الذي “لا يريد أمريكا أن تكون مثل بقية العالم”، يعتقد أنه سيُعيد أمريكا كـ “أعظم أمة في تاريخ العالم.” أما تيد كروز فتعهَّد بـ “قصف داعش ببساط من القنابل” غير عابئاً بأن قصفاً بهذه العشوائية سيزهق أرواح آلاف المدنيين. غير أنه تراجع لاحقاً نافياً نيته قتل أبرياء. فيما يؤمن چيب بوش أن “العالم يصبح مكاناً أفضل وأكثر أمناً عندما تكون أمريكا القوة الأعظم في العالم.”

الحقيقة أن التفاخر المهووس بالقوة والبطش لم يقف عند هذا الحد، بل تبارى المرشحون بخصوص أيهم سيرتكب جرائم حرب بشكل أكثر قسوةً وعنف عندما يُنتخب. ففي معرض إجابته على سؤال متعلق باستخدام التعذيب بطريقة الإغراق المتقطع بالماء، والتي حرمتها اتفاقيات جنيف المتعلقة بأسرى الحرب والمدنيين، أجاب تيد كروز بأنه كرئيس لن يستخدمها على نطاق واسع. بينما ذكَّر دونالد ترامب الحضور بــ “أنهم في الشرق الأوسط يقطعون رقاب المسيحيين”، ثم أجاب بحزم قائلاً بالطبع: “سأعيد التعذيب بتلك الطريقة وسأعيد ما هو أبشع منها.” چون ماكين، المرشح الجمهوري للرئاسة في 2008، أدان تلك التصريحات ورآها “حديثاً منفصماً عن الواقع”، واستطرد قائلاً إن “وسائل التعذيب هذه انتقصت من قيمنا، ولطّخت شرفنا.” موقف دعاة التعذيب وانتهاك الكرامة الإنسانية هؤلاء، بخصوص القضية الفلسطينية، لم يأت مفاجئاً، حيث أعلن المرشحون اليمينيون، بلا استثناء، أنهم أولياء إسرائيل وحلفاؤها المخلصين.

لذا، لم يكن مُستغرباً في ظل أجواء الكراهية والتحريض تلك، ومع جماهيرية تلك النزعات الفاشية والقومية، أن تشهد أميركا، بعض الظواهر التي اختبرتها البلدان التي شهدت ثورات مضادة من قبل. مثل ظاهرة الأغلبية الصامتة التي تدافعت لتساند ترامب. أو ظاهرة المواطنين الشرفاء الذين انطلقوا في الشوارع والطرقات للتنكيل والقبض على ’الآخرين‘ الذين ظنوا أنهم يهددون الأمن القومي الأميركي أو يتآمرون على البلاد. وكذلك، ظاهرة نظرية المؤامرة التي يؤمن بها، فيما يبدو، حتى بعض مرشحي الحزب. فماركو روبيو يرى أن أوباما جزء من مؤامرة منهجية لطمس هوية أميركا وتغييرها.

بين الديموقراطي والجمهوري

ليس بالإمكان إغفال التمايزات بين المعسكرين. فهما على صعيد السياسة المحلية يكادان يختلفان في كل شيء. وذلك ما تؤكده الدراسات التي أشارت إلى حالة الاستقطاب والتحزُّب غير المسبوقة التي يشهدها المجتمع الأميركي.  حتى فيما يخص قضية عالمية كالتغيُّر المناخي، نجد أن الديموقراطي يطرح سياساتً تتوافق مع العلم وتبجله، فيما يشكك الجمهوري ويستخف بالأمر. لذا فمتابعة مناظرات ومنافسات الفريقين قد تعطي الانطباع لكثيرين أن الحركة الجماهيرية الضخمة والزخم السياسي المحموم الذي تمحوّر حول ساندرز ربما يكون ثورةً سياسيةً حقيقية. أما سلوك مرشحي الحزب الجمهوري، حتى اللحظة الراهنة، فكان تجسيداً لروح كل ما مثلته الثورات المضادة في العالم.

لا شك أن هذا الحزب يواجه أزمة عميقة جراء الانحسار الملموس في شعبيته بين الشباب. فالأجيال الجديدة أصبحت أكثر ميلاً نحو الديموقراطيين ونفوراً من الجمهوريين. جيل الألفية، كمثال، وتتراوح أعمارهم من 18 إلى 33 عاماً، هم أكثر المجموعات العُمرية ليبراليةً في الولايات المتحدة. في المؤتمرات الانتخابية، لا تحتاج سوى لنظرة سريعة ترصد وجوه جمهور الناخبين خلف مرشح مثل ترامب، ونظرة مماثلة ترصد بها وجوه جمهور الناخبين خلف ساندرز مثلاً، لتُدرك كيف يئن المشهد الأول ترهُّلاً وذبولاً، فيما يضج الثاني بالنضارة والحيوية. لذلك على الجمهوريين إعادة النظر في علاج الشيخوخة التي لم تعد سمةً مميزةً للكثير من أنصارهم فحسب، بل لأفكارهم أيضاً.

ورغم أنه من الصعب التكهن بنتائج هذا السباق، الذي لا يزال في بداياته، فإن هيلاري كلينتون، التي لم يَفرِد لها المقال مساحة خاصة، كونها أحد أبرز وجوه الأقلية الأوليجاركية المهيمنة على الولايات المتحدة، وكونها نسخة مخففة من الجمهوريين، تبقى مرشح الحزب الأوفر حظاً، حتى الآن. أما احتمالات فوز منافسها بيرني ساندرز فتبقى ضئيلة للغاية. لكن ما سيضاعف تلك الحظوظ بشكل مضطرد، هو استمراره في أدائه القوي فيما تبقى من الانتخابات التمهيدية للحزب. وليستطيع ذلك، فعلى ساندرز، إجراء مراجعةً نقديةٍ ذاتية، تعينه على الإجابة عن أسئلة جوهرية، منها، هل الثورة التي يُبشر بها ستهدم سياسات سلفه أوباما أم ستحافظ عليها؟ هل يعتقد أن سياساته الاشتراكية الديموقراطية تتناغم مع ما عُرف عنه من صهيونية، اعتنقها على الأقل في شبابه، ولم يتبرأ منها؟ هل بمقدوره إبقاء جذوة حماس الشباب لتأييده متقدة؟ وإلى أي مدى يمكنه إزاحة الحزب الديموقراطي للتحرك يساراً فكراً وسياسةً؟

إن بزوغ نجم هذا المرشح العجوز يمثِّل في جوهره تمرداً شبابياً يدفعه الأمل ويتوق للتغيير. لذلك، سيظل استمرار هذا التمرًّد واشتداده هما السبيل الوحيد إلى ثورةٍ ستحددُ مصيرَها صناديقُ الاقتراع، ثورةٍ لا يمكن الانقلاب عليها.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن