Define your generation here. Generation What
هل تتحول غرفة صناعة الإعلام إلى رقيب جديد؟
 
 

تساؤلات كثيرة أثارها قرار غرفة صناعة الإعلام المرئي والمسموع مؤخرًا بوقف برنامج “ممكن” للمذيع خيري رمضان لمدة أسبوعين؛ للتحقيق في حلقة مثيرة للجدل، وهي تساؤلات دار معظمها حول دور هذا الكيان الذي أنشأه ملاك القنوات الفضائية في ٢٠١٤ لحماية الصناعة، كما قالوا في بيانهم التأسيسي.

جاء قرار الغرفة برئاسة محمد الأمين، مالك قناة CBC التي يبث عليها البرنامج، بعد غضب أهل الصعيد من تصريحات تيمور السبكي، صاحب صفحة “يوميات زوج مطحون” على فيسبوك، أثناء استضافته في البرنامج منذ أكثر من شهرين، حين صرح بأن نسبة كبيرة من نساء مصر خائنات وخاصة في الصعيد والدلتا. وبرغم مرور الحلقة بسلام عند عرضها إلا أن انتقاد المذيع أحمد موسى والنائب البرلماني مصطفى بكري لمضمونها مؤخراً أعادها لأذهان المشاهد، وأدى إلى ردود فعل شعبية غاضبة تجاوبت معها الغرفة بقرار الوقف الذي صدر في ١٤ فبراير الجاري.

هذا القرار الأول من نوعه منذ إنشاء الغرفة أثار تحفظات البعض الذين عبروا عن قلقهم من تحول هذا الكيان إلى آلية جديدة للرقابة وسيطرة ملاك القنوات على مضمون البرامج بدون معايير موضوعية.

مثلها مثل سائر غرف الصناعة، أعلنت غرفة صناعة الإعلام المرئي والمسموع، والتي تضم ملاك تسع فضائيات مصرية، خلال مؤتمرها التأسيسي في يناير ٢٠١٤، أن دورها سيكون حماية صناعة واستثمار القنوات الفضائية وتنظيم العلاقة بينهم. وعكست أول مهمة لغرفة الصناعة هذا الدور حيث شنت هجومًا على شركة بحوث المشاهدة “إبسوس” التي اتهمتها الغرفة بإصدار أرقام غير دقيقة تضر بالقنوات المصرية. وأعلنت الغرفة تحرير محاضر ضد الشركة أمام النيابة العامة، وبدء البحث عن شركات جديدة للتعاقد معها لإعلان نسب المشاهدة لجميع القنوات. كما أوضح الأمين خلال المؤتمر عدم تعارض الغرفة مع مجلس الإعلام الوطني المزمع إنشاؤه لضبط الأداء الإعلامي، مؤكداً أن دور الغرفة يقتصر على رعاية الصناعة.

ولكن قرارات الغرفة منذ ذلك الوقت تطورت لتصبح بمثابة ضابط لآداء الإعلام.

في شهر نوفمبر من العام الماضي أصدرت الغرفة قرار بمقاطعة رئيس نادي الزمالك مرتضى منصور تماماً، بمنع ظهوره على شاشات القنوات الأعضاء، بالإضافة للامتناع عن تغطية المؤتمرات الصحفية التابعة له.

وهو القرار الذي جاء بعد تطاول منصور على المذيعة لميس الحديدي والأمين، مالك قناة CBC ورئيس الغرفة، في اتصال هاتفي ببرنامج “على مسئوليتي” الذي يقدمه أحمد موسى على قناة صدى البلد، على خلفية استضافة “الحديدي” لعمرو الشوبكي، الذي كان حينها أحد منافسي أحمد مرتضى منصور في انتخابات البرلمان عن دائرة الدقي والعجوزة.

وتحت تهديد بسقوط عضويتهم في الغرفة في حال المخالفة، التزم أعضاءها بقراراتها.

بعضوية كل الفضائيات مصرية الملكية فيما عدا قناة العاصمة، تمتلك الغرفة القدرة على السيطرة شبه التامة على الساحة الإعلامية في مصر.

أحد العاملين في قناة CBC، والذي طلب عدم ذكر اسمه؛ لعدم تصريح القناة للعاملين بالحديث عن القضية، أكد أن قرار إيقاف برنامج “ممكن” جاء من غرفة الإعلام وليس من القناة، مؤكدًا أن العلاقة الوطيدة بين مالك القناة محمد الأمين وبين خيري رمضان تثبت ذلك.

كما يعتقد المصدر أن القرار ضد البرنامج “مسيس”، حيث كانت الحلقة قد مرت بدون أن يلتفت أحد لها أو ينتقد كلام السبكي، قبل أن تبدأ موجة الهجوم ضد الحلقة بشكل غير مفهوم بعد أكثر من شهرين من عرضها.

كانت الأزمة حول الحلقة قد بدأت حين ناقشها مصطفى بكري وأحمد موسى، صعيديا الأصل، في برنامج الأول، مهولين من الحدث وواضعينه في سياق انتهاك أعراض السيدات المصريات والصعيديات تحديدًا، والتعدي على رجولة أهل الصعيد. وبناء عليه طالب بكري الحكومة بالتدخل وطالب بجلسة عاجلة في البرلمان لمناقشة الحلقة. بينما أكد موسى على ضرورة تحرك أهل الصعيد، كلٌ في مجاله، ضد ما أسماه “انتهاك لأعراضهم وجرح طال ملايين من أهل صعيد مصر”، كما لام زميله خيري رمضان، قائلاً إنه كان من الواجب أن يطرد الضيف من الحلقة.

كان السبكي قد أطلق أحكامًا مطلقة على سيدات مصر خلال ظهوره في الحلقة مثار الجدل التي كانت تناقش فكرة الزواج، مؤكداً أن ٣٠٪ على الأقل من زوجات المصريين المغتربين “لديهم استعداد للإنحراف.” قبل أن يحدد أن هذا الأمر منتشر في الصعيد والدلتا معددًا محافظات الصعيد. وهو الطرح الذي تعامل معه خيري رمضان ببساطة وبدون انفعال من وحي روح الدعابة التي كانت تُغلف الفقرة، ألا أنه أشار في المقابل للمغالطة فيما قاله السبكي، متهمًا إياه بأنه يتعامل بوجهة نظر ذكورية، مؤكداً أنه لا يستطيع تأكيد كلامه بسبب عدم وجود أدلة. كما رد باقي ضيوف الحلقة بهجوم شديد على “السبكي” مكذبين ما قاله، وهو ما لم يظهر في المقطع الذي عاد للانتشار بعد فترة.

التداعيات المتأخرة للحلقة لم تنتهي عند قرار “غرفة الإعلام”. فبعد ثورة غاضبة في الصعيد عبر عنها الكثير في مقاطع مصورة دافعوا فيها عن شرفهم وتوعدوا السبكي بالقتل، وعلى الرغم من اعتذارات الأخير المتكررة عبر عدة قنوات، قررت النيابة العامة في الأسبوع الماضي القبض على السبكي ليستمر حبسه على ذمة التحقيقات، قبل أن تحيله النيابة إلى محاكمة جنائية عاجلة بتهمة إشاعة أخبار كاذبة من شأنها تكدير السلم العام وإلحاق الضرر بالمصلحة العامة.

كان خيري رمضان قد ألمح قبل إيقافه إلى تسييس الأمر بقوله: “أكاد أشم مَن وراء هذا المقطع اللي نشره بعد شهرين ونص”، ودافع رمضان عن أدائه مؤكدًا أن المقطع مقتطع من سياقه، وأنه رد على ادعاءات “السبكي” بشكل مهني. كما شرح رمضان أن الحلقة التي أصبحت مثار حديث البلد كانت بالأساس فقرة خفيفة وأن كلام السبكي كان “زي كلام الفيسبوك، ليس علمي أو منضبط”، وأنه رد عليه بالشكل المناسب.

في الوقت نفسه انتشرت شائعات عن أن بكري وموسى تصيدا المقطع لإثارة موجة غضب ضد رمضان بعد غضب النظام عليه لدفاعه عن عمرو خالد، بعد استبعاد الأخير من حملة “أخلاقنا” المدعومة من الدولة؛ باعتباره محسوباً على تيار الإخوان المسلمين.

يقول محمد عبد الرحمن، رئيس تحرير موقع e3lam.org المعني بشئون المهنة، إن دور الغرفة يتمحور حول كل ما يتعلق بالصناعة في حين أنه ليس من دورها الرقابة وتقييم المحتوى. كما يشتكي عبد الرحمن من انعدام الشفافية والمعايير لقرارات الغرفة؛ التي يقول إنها ليس لها لائحة معلنة ولا آلية تحقيقات واتخاذ قرارات معلنة.

يضيف عبد الرحمن أن الغرفة تعمل “حسب الموجة”، أي أنها تتبع ردود الفعل الشعبية وتأخذ خطوات بناءً عليها. كما أصبحت الغرفة بشكلها الحالي بمثابة آلية عقاب من أصحاب القنوات ضد العاملين لديهم تستخدم لكسب الرأي العام، بحسب عبد الرحمن.

فيما يشير البعض إلى تجاوزات من برامج أخرى لم تتخذ ضدها الغرفة خطوات عقابية مماثلة لتوضيح أن قرارات الغرفة لا تتبع معيار معين، وقد يكون المحفز لها هو الرأي العام أو حسابات سياسية.

من الحوادث التي مرت مرور الكرام عرض صور خاصة في برنامج أحمد موسى على قناة “صدى البلد”، وهي الصور التي ادعى وقتها أنها للمخرج خالد يوسف مع فتيات. ومنها كذلك نشر مذيعة قناة “النهار” ريهام سعيد صورًا خاصة لضيفتها ضحية التحرش اللفظي والبدني، التي عُرفت وقتها بـ “فتاة المول”، وهي الحادثة التي أثارت موجة من الغضب على وسائل التواصل الاجتماعي، قررت قناة النهار على إثره وقف المذيعة وبرنامجها. هذه الممارسات أدانتها الغرفة في بيان أصدرته، وهددت بتجميد عضويات القنوات المعنية إذا لم تتخذ إجراء مناسب ضد المخالفين، ولكنها لم تتخذ أي إجراء بنفسها.. وفي حالة أحمد موسى، استمر المذيع في عمله بصورة طبيعية بعد تقديم اعتذار.

يختلف محمد الدسوقي رشدي، المذيع بقناة “النهار”، مع قرار الغرفة الأخير بوقف خيري رمضان، ويرى فيه محاولة لتهدئة الرأي العام علي حساب رمضان، الذي يرى أن أداءه في الحلقة كان مهنيًا. ولكن بخلاف ذلك، يرى رشدي أن الغرفة حتى الآن لم تتدخل في المحتوى إلا في حدود الضوابط الأخلاقية التي لا خلاف عليها، وهو ما لا يرى فيه الدسوقي مشكلة، ويقول: “يمكن التعامل معها بمثابة نواة لتنظيم العمل في محطات كنا نتمنى منذ وقت طويل تنظيمها، ككيان يضع بعض المحددات لمنع الفوضى الحالية.”

ولكن الصحفي الوليد إسماعيل يتخوف من استخدام المنع والمصادرة لقمع الآراء الشاططة، ويقترح بدلاً من ذلك التصدي لهم بالإعلام المهني والحجة القوية، وهو يتخوف من أن تكون سوابق المنع بداية لتحول الغرفة لجهة مصادرة وتأسيس هذا الدور في المستقبل.

يقول إسماعيل إن استباحة المنع في ما يسمى بالخطوط العريضة هو منحنى خطر لاتساع وعدم وضوح هذه الخطوط التي طالما يواجهها الإعلاميون في مختلف المنابر، مثل الإساءة للدولة وتقاليد المجتمع.

كما يرى إسماعيل أن الأقدر على مهمة ضبط الأداء الإعلامي هم المتخصصون وليس ملاك القنوات الذين يتخذون قرارات بدون خبرة في مهنة الإعلامي.

كان العديد من الهيئات المختصة بالإعلام قد قدموا للحكومة في ٢٠١٥ “قانون الإعلام الموحد”، وكرروا مطالبهم بإقراره لوضع معايير ثابتة للأداء الإعلامي بمختلف منابره.. وهو ما لم يحدث حتى الآن.

اعلان
 
 
هبة عفيفي