Define your generation here. Generation What

مصر.. إيطاليا.. والعدالة لجوليو: كلمات فارغة

كسور متعددة، حرق سجائر، سحجات، نزع أظافر، كسر في كل الأصابع، عشرات التمزقات في مختلف أنحاء الجسد، على أخمص القدمين والأذنين انتهت بالاختناق وبكسر في العنق. هكذا وُجد جسد جوليو، نصف عارٍ، على جانب الطريق.

فورًا تتضح آثار قوات الأمن المصرية. لا شك في من قتل جوليو ريجيني. وهكذا ألقي الضوء على العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين مصر وإيطاليا.

تصريحات قوية تصدر عن الحكومة الإيطالية. يصر وزير الخارجية على “أننا لن نهدأ قبل أن نعرف الحقيقة”، في حين يصرح وزير الداخلية بأن قراءة تقرير التشريح “كان بمثابة ضربة في المعدة ولم نتمكن بعد من استعادة أنفاسنا.” تعتقد جريدة الفينانشيال تايمز أن مقتل ريجيني “يهدد بتقويض العلاقات الوثيقة بين روما والقاهرة”.

هذه هي الرسالة المتكررة في الإعلام، لكن هل تحمل أي قدر من الحقيقة؟ يدعي وزراء إيطاليا أنهم يبحثون عن الحقيقة -لكن أي حقيقة؟ هل هي حقيقة الرجل الذي وجه الضربة القاتلة، أم حقيقة النظام الذي يستند إلى هذه الضربة؟

وما هو دور إيطاليا داخل هذا النظام؟ علينا أن نسأل.

كانت إيطاليا لعقود ضمن أعلى المستقبلين لصادرات مصر. كما تمتلك في البلد أصولًا تصل قيمتها إلى 2.6 بليون دولارًا أمريكيًا، بما في ذلك أسهم كثيرة في قطاعات البترول والغاز وصناعة الأسمنت والبنوك والنقل.

تبيع إيطاليا السلاح والذخيرة ومدرعات الشرطة لمصر. خلال الخمس سنوات التي أدت إلى الثورة صدّرت إيطاليا إلى مصر أسلحة وذخيرة بما قيمته 48 مليون دولارًا أمريكيًا. مدرعات الشرطة التي تصطف على جوانب الشوارع في كل مدينة مصرية والتي تنقل قوات مكافحة الشغب وتدهس المتظاهرين، كلها من إنتاج شركة ايفيكو الإيطالية. مئات الآلاف من الطلقات التي وجهت لصدور المتظاهرين يمكن متابعة أصولها إلى شركة تصنيع السلاح الإيطالية، فيوتشي.

إلا أن السلاح لا يتجاوز كونه جزءًا ضئيلًا للغاية من القصة. ذلك أن الشركات الإيطالية تكسب الأموال في كافة أنحاء مصر. ولنأخذ الأسمنت على سبيل المثال: تعتبر صناعة الأسمنت في مصر من أكثر الصناعات الرابحة في اقتصاد مصر المنهار. مع بيع أصول القطاع العام ضمن الأجندة النيوليبرالية تحت حكم مبارك، أصبحت هناك ثلاث شركات ضخمة تهيمن على إنتاج الأسمنت المصري، وهي شركات لافارج الفرنسية، وسيميكس المكسيكية وإيطالسيمنتي الإيطالية. هذه الشركات تحتكر الصناعة ما يسمح لها بتثبيت الأسعار ويضمن لها نسبة هائلة من الأرباح تصل إلى 40%، من خلال ممارسات إجرامية مع العمال واستخدام الكهرباء المدعومة من الدولة، ضمن أمور أخرى.

يوم 2 فبراير، قبل يومين من اكتشاف جسد جوليو، كانت وزيرة التنمية الاقتصادية الإيطالية ترأس وفدا من ستين شركة كبرى تسعى إلى “استغلال الميزات التنافسية في مصر”. بعدها بيومين، ألقي بجسد جوليو على جانب الطريق ومن ثم عاد الوفد بهدوء إلى بلاده. لكن، على حد قول أحد المسئولين: “لا أحد على الجانب الإيطالي يرغب في التساؤل بشأن الصفقات التي نعمل عليها.. تقنيًا، جريمة القتل والعلاقات الاقتصادية أمران لا رابط بينهما.” إلا أن دعم الاتحاد الأوروبي الراسخ لنظام السيسي يمثل عنصرا جوهريا في حالة عدم المسائلة الدائمة التي تسمح لأجهزة الأمن أن تعتاد ممارسة التعذيب والقتل دون خوف من العقاب. حين ترسل إيطاليا وفودًا تجارية سنويًا إلى مصر، حين يقف رئيس وزرائها في مؤتمر اقتصادي مصري ويقول: “حربكم هي حربنا، واستقراركم هو استقرارنا” فإن ذلك لا يعني سوى أمر واحد: افعلوا ما تحتاجون إلى فعله لتبقوا في السلطة، لتحافظوا على “ميزات مصر التنافسية” متاحة للاستغلال الرأسمالي.

تعتمد شركات مثل إيطاليسيمنتي على جهاز مصر الأمني في الحفاظ على تلك الميزة التنافسية. فلولا القبضة الحديدية لأجهزة الأمن وقمعها للاحتجاجات والمعارضة والنشاط العمالي ما كان لتلك الأرباح العالية أن تستمر. في كتابه الجديد “المصريون: قصة جذرية” يصف جاك شنكر تاريخ شركة إيطاليسيمنتي في مصر:

“تأسست شركة حلوان للأسمنت العملاقة في عام 1929 بموجب قرار ملكي. في عام 2001 بيعت الشركة جزئيا لشركة إدارة واستشارات سويسرية، ثم تسلمتها فيما بعد واحدة من أكبر شركات الأسهم الخاصة، قبل أن يشتريها الفرع الفرنسي لشركة إيطالية متعددة الجنسيات لا تزال تدير الشركة إلى اليوم. استغل الملاك الجدد قوانين العمل المعدلة في مصر ودفعوا بضغط من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بما يسمح لأصحاب العمل بتعيين العمال بعقود مؤقتة -قابلة للتجديد بدون حدود- بدون أي مزايا أو حماية حقيقية. في عام 2007 تعرض حوالي 200 عامل ممن عملوا بموجب تلك العقود على مدى خمس سنوات متواصلة للفصل بدون أي إنذار، كما رفض طلبهم بالحديث مع مديري الشركة، ومنعوا من دخولها. وقتها قال أحد القيادات العمالية إن القرار سيحرم “مئات الأسر من مصدر الدخل”. في ذلك العام حققت الشركة الأم، إيطاليسيمنتي، والتي يبعد مقرها 1600 ميل في برجامو، أرباحا صافية بقيمة 613 مليون يورو”.

ذهب جوليو ريجيني إلى مصر لدراسة الحركات العمالية غير الرسمية. في مقاله الأخير ناقش “موجة الخصخصة الضخمة خلال المرحلة الأخيرة من حكم مبارك” وكيف أن سياسات نظام السيسي تمثل “مزيدا من الهجوم على حقوق العمال والحريات النقابية.” وأشاد بالنقابات المستقلة.. “التي ترفض الاستسلام” و”تحديهم الشجاع للخطاب الذي يستخدمه النظام لتبرير وجوده ذاته”. ومن ثم علينا أيضًا أن نتساءل بشأن خطاب النظام الدولي، وأن يتناول نقاشنا بالأساس كيفية استمرار البلدان القوية اقتصاديا، مثل إيطاليا، في الانتفاع من استمرار النظم الديكتاتورية في الدول التابعة بحيث تسمح باستغلال أفضل لمواردها الطبيعية وقواها العاملة. حيث تحقق نخبة رجال الأعمال والشركات الدولية أرباحا خيالية في حين تقمع أجهزة الأمن المعارضة الداخلية، ذلك القمع الذي طالما شمل التعذيب وقتل النشطاء العماليين. اليوم أصبح جوليو من بين هؤلاء.

قال وزير الداخلية أنجلينو ألفانو إن قراءة تقرير التشريح “كان بمثابة لكمة في المعدة” وهو التصريح الذي تناقلته كل وسائل الإعلام. لكن هذا الوزير، الذي -إلى جانب كونه حليفا قويا لسيلفيو برلسكوني– اشتهر بترحيله زوجة وطفل لمعارض سياسي إلى مصير غير معلوم في كازاخستان، حيث تملك شركة الطاقة العملاقة الإيطالية إيني أسهما ضخمة في آبار البترول بكاشاجان.

في أغسطس من العام الماضي، اكتشفت نفس هذه الشركة الضخمة، إيني، حقلا “عملاقا” للغاز في البحر المتوسط شمال مصر. وأعلنت الشركة بفخر أنه وصل تقدير قيمة أكبر حقل غاز في المتوسط  إلى 100 بليون دولارا أمريكيا. حين يتعلق الأمر بمبلغ كهذا، يصبح من الصعب تصديق حديث الصحافة عن توتر العلاقات.

بالطبع لو كانت إيطاليا جادة في تعزيز العدالة وحقوق الإنسان والديمقراطية والمساءلة، كما تدعي دول الاتحاد الأوروبي طوال الوقت، لاتخذ النقاش شكلا مختلفا تماما. لو صح ذلك لاستُخدمت المصالح الاقتصادية للضغط على السيسي، وكنا لنناقش العدالة الاقتصادية وكيفية وضع حد لاقتصاد الاستغلال الذي يزيد من ثراء الأغنياء ويطحن الفقراء. ولكنا نناقش التعويضات التي تدين بها دول الشمال وشركاتها للجنوب بعد عقود تمكنوا فيها من النهب بسبب دعمهم الاقتصادي للأنظمة القمعية، وكيفية التخلص من هذه الأنظمة للأبد.

لكننا لن نجد إقبالا على هذا النوع من العدالة. بل لن يكون هناك مجرد توقيف مؤقت لبيع السلاح أو التنقيب أو خصم يورو واحد من الأرباح التي يحققها اقتصاد مصر الحر.

ستكون هناك تصريحات حازمة. بل قد نرى شرطيًا في المحكمة. ثم ماذا؟ لن يحدث شيء تجاه العنف المستوطن الذي تمارسه الدولة ضد مواطنيها، أو المشاركة الإيطالية النشطة في اقتصاد العنف هذا. قد تفكر الشرطة مرتين قبل أن تعذب الزائر التالي حتى الموت، لكن لن يحدث شيء إزاء آلاف المصريين الذين يقبعون في زنازين السجون اليوم، أو مئات الأسر التي لا تزال تنعي من قضى من أبنائها بالأمس. في لحظات الحزن والغضب هذه من المهم ألا نقبل الجندي الذي قد يُضحى به من أجل الاسترضاء، وإنما يجب النظر إلى موت جوليو باعتباره نتيجة نظام يستمد قوته من لاعبين أقوياء في كافة أنحاء العالم.

انضم جوليو ريجيني إلى صفوف شهداء مصر، ولن ينال العدالة إلا حين ينالها محمد الجندي، وطلعت شبيب، وعادل عبد السميع، ومحمد الشافعي، وكل باقي الأسماء التي نعرفها والتي لا نعرفها.

* نُشر هذا المقال بالإنجليزية في موقع “جدلية”.

اعلان
 
 
عمر روبرت هاميلتون