Define your generation here. Generation What
تقرير بريطاني يكشف صفقات حكومية مصرية لشراء تقنيات للتنصت
 
 

أصدرت منظمة الخصوصية الدولية (بريفاسي إنترنتاشونال (Privacy International اليوم تقريراً كشف عن تعاقدات أبرمتها الحكومة المصرية على مدى الأعوام الماضية مع شركات أوروبية لشراء تقنيات متقدمة للتنصت على الاتصالات الهاتفية والإلكترونية مقابل مبالغ باهظة.

وحمل تقرير المنظمة الدولية- المختصة بالدفاع عن الحق في الخصوصية ومقرها لندن- عنوان “رجال الرئيس؟ داخل إدارة البحوث التقنية، اللاعب السري في البنية التحتية للاستخبارات في مصر”.

وقالت المنظمة إن التقرير استند إلى تحقيقاتها في وثائق أصلية حصلت عليها بشكل حصري، و”أُعُطيت في ثقة وسرية إلى منظمة الخصوصية الدولية”، فضلا عن “معلومات صارت متاحة علنا عن مبيعات وأنشطة شركات التنصت، كما أجرينا لإتمامه مقابلات مع دارسين بارزين لوكالات الاستخبارات المصرية”.

ويركز التقرير الصادر بالعربية والإنجليزية في 27 صفحة- على وحدة تدعى “إدارة البحوث التقنية”، يرجح التقرير أنها تتبع جهاز المخابرات العامة المصري. ويستخلص التقرير من الوثائق أن الإدارة تمتلك “إمكانات تنصت واسعة النطاق، كما يوضح نطاق تقنيات التنصت التي اشترتها. يشمل هذا مركزا لمراقبة الاتصالات، ونظاما لإدارة اعتراض الاتصالات، وبرمجيات تجسس شديدة الاقتحام.

فقد قامت الإدارة- وفقاً للوثائق المرفقة بالتقرير- بشراء نظام لإدارة اعتراض الاتصالات ومركز للمراقبة من شركة نوكيا سيمنز للشبكات Nokia Siemens Network في عام 2011 أو قبيله. وفي وقت لاحق “خططت إدارة البحوث التقنية لاستثمار ما يزيد عن مليون دولار أمريكي لشراء برمجيات خبيثة malware من شركة هاكنج تيم Hacking Team الإيطالية المتخصصة في تقنيات المراقبة، من شأنها أن تمنح الإدارة قدرة الدخول عن بعد إلى أجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية لأي شخص تستهدفه.”

وطبقًا لما كشفه التقرير، فإن إدارة البحوث التقنية تمتلك مدى واسعاً من وسائل المراقبة المختلفة التي يغطي كل منها أحد الجوانب: نظام لتوفير اتصال باﻹنترنت حتى بعد انقطاعه في البلاد، ونظام اعتراض للاتصالات ومركز مراقبة للشبكات التليفونية اﻷرضية والمحمولة، فضلاً عن أداتين توفران إمكانيات اختراق حواسيب ومراقبتها والتحكم بها، باﻹضافة إلى تعاملاتها مع مجموعات برمجيات خبيثة.

ويقول التقرير إن نظام RCS على سبيل المثال – وهو اختصار لنظام التحكم عن بعد أو Remote Control System– يمنح تحكمًا كاملًا في حواسيب المستهدفين: “يستطيع منفذ الهجوم حينها…أن يطلع على أي محتوى مخزن على الحاسوب، ومراقبة استخدامه بشكل حيّ، وتسجيل ضربات لوحة المفاتيح وكلمات المرور، والتقاط صور، وتشغيل كاميرا الحاسوب”.

ويشير التقرير إلى جهد إدارة البحوث التقنية في التنقيب الدائم عن “إمكانيات جديدة”. فوفقاً لما صرح به مصدر يعمل في صناعة تقنيات المراقبة ويمتلك دراية بالإدارة، فإنه “إذا أسست شركة تبيع نوع التقنيات التي يهتمون بها، فإنك لن تحتاج أن تتصل بهم. سوف يقومون هم بالتحري عنك ثم بالاتصال بك”.

وقالت إيفا بلوم-دومنتيه، مديرة الأبحاث بمنظمة الخصوصية الدولية: “يقدم تحقيقنا الجديد أدلة على أن شركات أوروبية تزود هذه الوحدة [إدارة البحوث التقنية] بأدوإت تنصت متقدمة” مضيفة أن “قيام الحكومة المصرية بالتنصت على مواطنيها، دون أي مساءلة من هؤلاء المواطنين، يناقض بشدة زعم مصر بأنها دولة ديمقراطية. ونأمل أن يؤدي تقريرنا إلى فتح نقاش ضروري بشدة حول إصلاح نظام التنصت في مصر”.

ووفقا للتقرير، فقد تواصلت المنظمة دون نجاح مع الحكومة المصرية للحصول على تعليقها قبل إصدار التقرير.

وإلى جانب الوثائق الحصرية التي حصلت عليها المنظمة الدولية، فإن التقرير يعتمد أيضاً على المراسلات التي تم تسريبها من شركة هاكنج تيم العام الماضي. ففي عام 2015 تعرضت الشركة الإيطالية لاختراق نتج عنه تسريب أكثر من مليون رسالة بريد إلكتروني وعدداً من الوثائق الإدارية المخزنة على خواديمها، والتي نشرها لاحقاً موقع ويكيليكس.

ويشير التقرير إلى رسالة بريد إلكتروني من أحد موظفي هاكنج تيم إلى إدارة شركته خلال زيارته إلى القاهرة لمقابلة “إدارة البحوث التقنية التابع للمخابرات”، والتي أبدى فيها مسؤولو الإدارة استعدادهم لشراء نظام RCS بعقد تبلغ قيمته ما يقرب من مليون يورو.

وتعتبر إدارة البحوث التقنية في مصر أحد أكبر عملاء الشركة اﻹيطالية. فإحدى الوثائق الأخرى التي تسربت من خواديم الشركة اﻹيطالية أشارت إلى رسالة بريد إلكتروني بعث بها أحد موظفي الشركة إلى رؤسائه حول مستجدات الصفقات المرتقبة مع أجهزة أمنية مصرية مختلفة، وكتب فيها أن إدارة البحوث التقنية هي “الكيان الوحيد الذي يبلغ تقاريره إلى الرئيس بشكل مباشر”. وأضاف الموظف أن “الرئيس [عبد الفتاح السيسي] هو من أعطى بنفسه الموافقة على المضي قدمًا مع خدماتنا”.

وكشفت الوثائق التي أوردها التقرير أن الإدارة المصرية أبرمت عقدين مختلفين مع الشركة الإيطالية. تمّ العقد اﻷول عبر وسيط مصري اسمه A6-Consultancy، قام على اﻷرجح بتغيير اسمه في وقت لاحق ليصبح سولف.إت Solve IT. بينما جاء العقد الثاني عبر شركة GNSE Group، وهي شركة تمتلكها مجموعة منصور الشهيرة التي يشير التقرير إلى كونها ثاني أغني عائلة مصرية، والتي تقدم خدمات تأمين البيانات والتطبيقات والشبكات.

وأوضحت الوثائق أن الإدارة طلبت من هاكنج تيم شراء ثلاثة أنظمة مختلفة وليس نظاماً واحداً كي يتم خفض السعر المقترح ليصل إلى 800 ألف يورو لكل نظام، أي أن الصفقة يبلغ إجمالي قيمتها 2.4 مليون يورو، تتم عبر عقد واحد أو عبر ثلاثة عقود.

وبالإضافة إلى الشركة الإيطالية، فإن التقرير يتضمن تفاصيل حول قيام إدارة البحوث التقنية بشراء نظام شبكي يتيح الاتصال باﻹنترنت عبر الهاتف dial up من شركة تروفيكور Trovicor التابعة لشبكة نوكيا-سيمينز. ويضمن هذا النظام توفير اتصال باﻹنترنت حتى في حالة توقف البنية التحتية له عن العمل، مثلما حدث أثناء ثورة يناير 2011.

وأضاف التقرير أن الوثائق كشفت عن أن أحد الوسطاء في عملية الشراء هو المؤسسة العالمية للنظم المتقدمة UAS، وهي شركة مصرية تقول في موقعها على اﻹنترنت إنها تقدم عددًا من الخدمات تشمل “الأنظمة القانونية اعتراض الاتصالات”.

الوسيط اﻵخر في صفقة شبكة الاتصال عبر الطلب الهاتفي كان شركة المصرية اﻷلمانية لصناعات الاتصالات، وهي شركة تأسست بناء على شراكة بين سيمينز والحكومة المصرية.

شركة ألمانية أخرى جاءت ضمن الشركات التي أبرمت صفقات مع إدارة البحوث التقنية هي شركة التقنيات اﻷلمانية المتطورة AGT. تعمل الشركة أيضًا في مجال “الاعتراض القانوني” للاتصالات، وحسبما أشار التقرير، فإنها “تزهو بأنها تبيع تقنياتها للعديد من أجهزة القطاع العام ومن بينها وكالات استخبارات”. وطبقًا للوثائق التي حصلت عليها المنظمة الدولية، فإن الإدارة المصرية اشترت من الشركة اﻷلمانية منتجات- لم تتمكن من تحديد ما إذا كانت خاصة بالمراقبة من عدمه- بوساطة من شركة مصر للنظم الهندسية في عقد بلغت قيمته ما يزيد عن 50 ألف دولار أمريكي.

يدرج الموقع اﻹلكتروني لشركة مصر للنظم الهندسية إدارة “البحوث التقنية” ضمن قائمة عملائه في مصر. وتعمل الشركة كوسيط في بيع منتجات شركاء آخرين، تضم قائمتهم مصنّعي أدوات مراقبة كشركة بلو كوت Blue Coat والتي توفر تقنية الفحص العميق للرِّزم Deep Packet Inspection، وشركة أكسيس Axis والتي توفر عتاد وبرمجيات الدوائر التليفزيونية المغلقة CCTV.

وطبقًا لما جاء في أوراق العقود التي أبرمتها إدارة البحوث التقنية مع شركة التقنيات اﻷلمانية المتطورة وشركة هاكنج تيم، والمنشورة برفقة التقرير، فإن مقر إدارة البحوث التقنية يقع في منطقة كوبري القبة، وهي نفس المنطقة التي يتواجد فيها المقر الرئيسي لجهاز لمخابرات العامة. وينقل التقرير عن مصادر لم يسمها أن الإدارة قد أنشئت على الأرجح في عهد الرئيس اﻷسبق حسني مبارك.

على جانب آخر، أشار التقرير إلى أبحاث أجراها مركز Citizen Lab بجامعة تورنتو الكندية ونشرها في أكتوبر 2015، توصل إلى معلومات تشير أن إدارة البحوث التقنية المصرية قد تكون لها أنشطة أيضاً في مجال القرصنة الإلكترونية عبر عملاء تابعين لها.  فالبحث الكندي يكشف أنه عثر على “صلة مثيرة للاهتمام بين إدارة البحوث التقنية وبين مجموعتي برمجيات خبيثة [تعملان] في المنطقة”، إحداهما هي مجموعة مول راتس MOLERATS التي يقول التقرير إنها “مجموعة إجرامية رقمية استهدفت مجموعات “الإسلام السياسيوإسرائيل [واستخدمت] برمجيات خبيثة يبدو أنها مرتبطة بإدارة البحوث التقنية، ما يقترح علاقة بين جهاز المخابرات والمجموعة.” ويضيف التقرير: “استخدمت مول راتس لالتقاط أهدافها طُعما عبارة عن ملف يعَدِ باحتوائه صور طيار حربي أردني حُرق حيا. وفي ملاحظة أخرى لسِتزِن لاب، خُبئت برمجية فنِ فشِرِ داخل وثيقة عنوانهاتقرير سري للغاية”…وكانت البرمجية تتصل بعنوان بروتوكول إنترنت تم التعرف عليه باعتباره من عناوين إدارة البحوث التقنية”.

وتتنافس اﻷجهزة اﻷمنية المختلفة فيما يبدو سباقاً على شراء أنظمة مراقبة واعتراض معقدة. فقد كانت وثائق تسربت بعد الثورة قد كشفت عن أن جهاز أمن الدولة التابع لوزارة الداخلية (قطاع الأمن الوطني حالياً) كان قد قام بإبرام عدد من الصفقات لشراء تقنيات مراقبة مختلفة من بينها Finfisher وProxySG عبر السنوات السابقة على 2011.

وفي سبتمبر 2014، كشف تحقيق نشره موقع BuzzFeed  أن شركة مصر للنظم الهندسية كانت هي وكيل شركة Blue Coat في تعاقدها مع وزارة الداخلية في صيف 2014 لمراقبة اتصالات الإنترنت في مصر، ومن ضمنها شبكات التواصل الاجتماعي وتطبيقات التواصل المختلفة. وبعد نشر التحقيق، أغلقت شركة “مصر الهندسية” موقعها اﻹلكتروني لساعات عدة، ثم أعادت إتاحته مستبدلة صفحته الأولى ببيان صحفي تنفي فيه أية علاقة لها بالصفقة بين Blue Coat ووزارة الداخلية، قبل أن تعلن وزارة الداخلية عن تعليقها لخططها.

 وينص الدستور المصري على أن “للحياة الخاصة حرمة، هى مصونة لا تمس. وللمراسلات البريدية، والبرقية، والإلكترونية، والمحادثات الهاتفية، وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، وسريتها مكفولة، ولا تجوز مصادرتها، أو الاطلاع عليها، أو رقابتها إلا بأمر قضائي مُسبب، ولمدة محددة، وفى الأحوال التي يبينها القانون.” إلا أن قانون الاتصالات الصادر عام 2003 يضم نصوصا قد تثير تعارضاً مع هذا النص الدستوري.

فالمادة 64 من القانون تجبر مقدم خدمات الاتصالات على “أن يوفر على نفقته داخل شبكة الاتصالات المرخص له بها كافة الإمكانيات الفنية من معدات ونظم وبرامج واتصالات داخل شبكة الاتصالات والتي تتيح للقوات المسلحة وأجهزة الأمن القومي ممارسة اختصاصها في حدود القانون، على أن يتزامن تقديم الخدمة مع توفير الإمكانيات الفنية المطلوبة، كما يلتزم مقدمو ومشغلو خدمات الاتصالات ووكلائهم المنوط بهم تسويق تلك الخدمات بالحصول على معلومات وبيانات دقيقة عن مستخدميها من المواطنين ومن الجهات المختلفة بالدولة. ويعرف القانون أجهزة الأمن القومي بأنها تضم كلا من رئاسة الجمهورية والمخابرات العامة والقوات المسلحة ووزارة الداخلية وهيئة الرقابة الإدارية.

يذكر أن البرلمان اﻷوروبي كان قد أصدر في يوليو 2014 قرارًا يطالب فيه بحظر تصدير تكنولوجيات المراقبة والاختراق للحكومة المصرية، بسبب ما وصفها بأنها “حملة ضخمة تقوم بها الحكومة المصرية من الاعتقالات العشوائية والتحرش ومضايقة المعارضين ومراقبتهم”. وطالبت منظمة الخصوصية الدولية في تقريرها الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بالإعلان عن الضمانات التي اتخذتها للتأكد من أن مبيعات الشركات الأوروبية لتقنيات المراقبة والتنصت للحكومة المصرية لا تشكل تهديداً لحقوق الإنسان.

وشملت مرفقات تقرير منظمة الخصوصية الدولية بعض الردود التي تلقتها المنظمة على محتويات التقرير من الشركات التي وردت أسماؤها في التعاقدات مع الإدارة المصرية. وقالت شركة هاكنج تيم في ردها المنشور إن “بيع تكنولوجيا التنصت القانوني لمصر إجراء قانوني بالكامل. فمصر حليف للغرب، بما في ذلك الولايات المتحدة وأغلب الدول الأوروبية وحتى إسرائيل”.

تم تحديث هذا المحتوى في السادسة والنصف مساء بتوقيت القاهرة في 24 فبراير 2016

اعلان
 
 
محمد حمامة