Define your generation here. Generation What

الوكيل الطيب.. والروائي الشرس.. والمجتمع القبيح

قال وكيل نيابة ما في نيابة بولاق أبو العلا عن مشهد جنسي أساءه في رواية أحمد ناجي “استخدام الحياة” إنه “وما لبث المتهم أن ينشر سموم قلمه برواية أو مقال حتى وقعت تحت أيدي القاصي قبل الداني، والقاصر والبالغ فأضحى كالذباب لا يرى إلا القاذورات فيسلط عليها الأضواء والكاميرات حتى عمت الفوضى وانتشرت النار في الهشيم”.

في رأي هذا الـ “وكيل نيابة ما” المهموم بأخلاق مجتمعه، كلمات أحمد ناجي هي “كالنار التي انتشرت في الهشيم”، وهو تعبير شهير يستخدم في البلاغة للدلالة على انتشار سريع ومدوي لحدث مأساوي، ويمكن استخدامه لوصف وباء مثلاً أو إشاعة مغرضة تنتشر وسط الجموع.

“الهشيم” في اللغة هو صفة الشئ المهشّم أو المفتت، أو هي الشجرة الميتة البالية التي يحملها الحَطَّاب دون عناء ليستخدم خشبها الجاف في إشعال النار. استخدام هذا التشبيه، رغم ابتذاله وتكراريته المملة إلى حد الخواء، له دلالة قوية في هذا السياق. فهذا الـ “وكيل نيابة ما” عندما جلس يفكر في أفضل صياغة لوصف ما فعله أحمد ناجي في المجتمع، لم يتخيل المجتمع كشجرة عامرة وارفة الظلال تبول أحمد مثلاً على جذعها القوي المتين، لأن وصفًا كهذا سيقلل من خطورة أحمد على المجتمع وبالتالي ربما لن يثير لدى القاضي القسوة المطلوبة لمعاقبته، فما يضر شجرة وارفة إذا تبول عليها هذا أو ذاك. لم يتخيل الـ “وكيل نيابة ما” المجتمع مثلاً كنخلة عالية رماها ناجي بالأحجار؛ فالنخلة العالية الشامخة لا تعبأ بعدوان تافه مثل هذا، بل بالعكس ترد بكرم من ثمارها يحملها الجائع ويذهب وتبقى النخلة للأبد.

المجتمع إذن في نظر هذا الـ “وكيل نيابة ما” هو هشيم. شجرة ميتة ملقاة ربما بجوار ترعة ما. لا حياة فيها ولا أمل. ووصف أحمد ناجي لمشهد جنسي بين شخصين هو بمثابة النار التي ستحرق هذه الشجرة الميتة وتنهي وجودها إلى الأبد. الـ “وكيل نيابة ما” يرى المجتمع المصري كحالة ميئوس منها من البؤس والهزال. مجموعة من الأفراد منزوعي الوعي والإرادة يسيرون عمياناً في الطرقات ينتظرهم الروائيين والفنانين الخبثاء على النواصي ليعبثوا بعقولهم الخاوية ويسحقوهم تحت أقلامهم المريضة. مجتمع هذا الـ “وكيل نيابة ما” هو مجتمع جاهل مجهل مثل طفل، يصدق كل ما يقال له، يخشي البُعبُع وأمنا الغولة، لا أدنى قدرة لديه على الاختيار أو التمييز. مجتمع سيقرأ مشهداً جنسياً فيقفز من البلكونة أو يجري في الشوارع عارياً يغتصب كل من يقابله. مجتمع يحتاج لوصاية العقلاء، أمثال هذا الـ “وكيل نيابة ما” والقاضي الما الذي حكم له بما يريد، لأن هؤلاء بما حباهم الله من حكمة وعلم وبدلات ومرتبات ومصايف هم من يعرفون الصواب والباقي بهائم الله في الأرض التي أئتمنهم عليها.

المجتمع الذي يخاف عليه الـ “وكيل نيابة ما” هو كيان لا يمكن الحكم عليه بالأساليب العلمية الحديثة، فلا يمكنك استشعار احتياجاته ومزاجه وآراءه من خلال إحصائيات أو استفتاءات أو انتخابات، بل هو صورة رمزية في خيال كل من يتكلّم باسمه. فبالنسبة لهذا الـ “وكيل نيابة ما” المجتمع هو شخص غالباً يرتدي نظارة طبية، دمث الخلق بالضرورة يسعي للكمال الأخلاقي ولكن تغتال جهوده دوماً كتابات أشخاص مثل أحمد. وفي نظر حازم صلاح أبو اسماعيل مثلاً المجتمع هو شخص يتوق لرؤية رئيس ملتحِ يصلي الفرض ويتقي فيه الله. وفي نظر رسام الكاريكاتير الراحل مصطفى حسين المجتمع -كما صوره في كاريكاتيره المنشور في “أخبار اليوم”- هو امرأة فلاحة عامرة الأفخاذ يحملها رجل في بدلة عسكرية بين ذراعيه ويحلّق بها في السماء بينما على وجهها ابتسامة رضا أقرب إلى الغنج.

من حق كل فرد أن يتخيل المجتمع بالصورة التي تعجبه وتناسبه، لا مانع إطلاقاً أن تظن -وفقًا لتجربتك الشخصية مع المجتمع- أن المجتمع هو غول، أو وحش، أو ملاك، أو أب أو أم أو دولفين. علاقتك أنت بالمجتمع هي نتيجة لما رأيته منه، ومن حقك أن تتخيله بالصورة الأنسب لما تريده منه وما تريده لنفسك وتتعامل معه بناء على هذا التخيل. المشكلة تبدأ عندما تحاول تعميم رؤيتك للمجتمع وفرضها على الآخرين. فيحاول الـ “وكيل نيابة ما” إجبار القاضي الما على حبس أحمد ناجي ليتسق الواقع مع تصوره الشخصي عن المجتمع، ويحاول حازم صلاح أبو اسماعيل إجبار سيدات مصر على إرتداء الحجاب وعدم الجلوس مع الرجال في الكازينوهات، ويحاول مصطفى حسين إجبار مصر على أن يحملها الرجل ذو البدلة العسكرية بين ذراعيه.

هنا تظهر بوضوح المشكلة. والمشكلة فيما يبدو مشكلة تواصل في المقام الأول. فأحمد ناجي عندما كتب روايته كان يحاول التواصل مع المجتمع، ربما يظن أحمد ناجي أن المجتمع سيكون في حال أفضل إذا مارس الجنس أكثر مثلاً؟ ربما مخاوف الـ “وكيل نيابة ما” صحيحة وهذه هي خطة أحمد ناجي فعلاً، هو يسعي لإقناع أكبر عدد ممكن من المصريين بممارسة الجنس بكثافة وحرية قبل حلول عام ٢٠٦٣. ولكن ماذا استخدم أحمد ناجي لإنجاح هذه الخطة؟ هل اختطف المصريين مثلاً وأجبرهم على ممارسة الجنس ضد إرادتهم؟ هل حبس كل من لا يمارس الجنس؟ هل قتل من لا يمارس الجنس أو دهسهم بسيارته بشكل متكرر؟ الحق أن أحمد لم يمارس أي عنف ضد من اختلف معهم في الرأي، ولم يسلبهم أيًا من حقوقهم الأساسية في الحياة، كل ما فعله أنه تواصل معهم، كتب لهم عما يشغل باله وعما يحب الكتابة عنه وترك لهم حرية الاختيار، فيمكنهم أن يقرأوه أو لا يقرأوه والاختيار سهل جداً، تماماً مثلما يختار الكثير من المسلمين ألا يقرأوا الإنجيل وكثير من المسيحيين ألا يقرأوا القرآن.

في لقاء تليفزيوني جمعني بالشيخ الحبيب على الجفري والشيخ أسامة الأزهري في برنامج الإعلامي خيري رمضان “ممكن” كنّا نتناقش حول علاقة الدين بحرية الإبداع. كتب الأستاذ خيري خلسة للأستاذ الحبيب على ورقة صغيرة سؤال ليوجهه لي، كان يظن أن في هذا السؤال إعجاز ما أو قدرة على حسم المناقشة لصالح ضرورة الرقابة على الإبداع، السؤال كالتالي: “إذا كان من حق أي شخص أن يبدع دون رقابة، فلماذا لا نسمح للبعض أن يظهروا على التلفاز ليعلّموا إخوانهم طرق صُنع القنابل أو المفخخات؟ أليس في منع هؤلاء حجراً على حرية الابداع والتعبير؟”،

أضحكني السؤال بصراحة وأحزنني في نفس الوقت، أحزنني أن شيخ جليل محبوب مثل الحبيب علي الجفري ومذيع ناجح مثل خيري رمضان لا يعرفان الفرق بين الإبداع والخيال والتعليم الممنهج. يضع الحبيب علي الجفري وخيري رمضان تعلّم صنع القنابل في نفس السلة مع كتابة الروايات أو صنع الأفلام فيبدو الأمر إجحافاً متعمداً فيكون الرد حينئذ للأسف: “الآلاف يقرأون القرآن ويقتنعون أنه يأمرهم بقتل كل من خالفهم الرأي، فلنحجب القرآن إذن صوناً لهذه الدماء”.

في مقاله “كل رؤساء مصر كرهوا السياسة فماذا كانت النتيجة؟“، ينقل عبد العظيم حمّاد عن مبارك وصفه للسياسة بأنها “هيصة” مقارنة بالحياة العسكرية التي تُتخذ فيها القرارات بناء على حسابات دقيقة. يفسر هذا الوصف الكثير من تفاصيل حياتنا. إذا كانت قيادة هذا المجتمع ترى أن اختلاف المصالح وتشابك المطالب “هيصة” فأمر طبيعي أن تكون لدينا كل هذه المشاكل في التواصل. فالسياسة -أو المسايسة بالمفهوم الشعبي البسيط- هي القدرة على الاستماع للآخرين والتفاوض معهم حتى الوصول لحلول ترضي جميع الأطراف. السياسة هي اقتناع داخلي بحق البشر جميعاً في أن يحصلوا على ما يريدون وأن مسئولية “أولي الأمر” في هذه الحالة هي ضمان أن رغبات البعض لن تطغى على رغبات البعض الآخرين، لهذا سموا “حُكّام” إذ يفصلون بين الناس بالعدل، ليس لأنهم يُحكمون قبضة الظلم على الجميع، خاصة الضعفاء.

في مجتمع غير مريض، غير بالي ولا مهشم، يستمع محبي الجنس إلى كارهيه والعكس، يستمع الخائفون من الحرية إلى محبيها والعكس، يجلس الناس على الطاولات ويتناقشون لساعات ثم يخرجوا باتفاقات وقوانين وتفاهمات. فيقول أحمد ناجي لـ الـ “وكيل نيابة ما”: “من حقي أن أكتب عن الجنس، ومن حقك أن تخاف على أبناءك الصغار، لذا سأكتب على غلاف روايتي (للكبار فقط) فيعرف طفلك أنه لا يجب أن يقرأها، وتعرف أنت إذا كنت ترغب في قراءتها أم لا.” وإذا ارتأى الـ “وكيل نيابة ما” أن الخطر ليس فقط على الصغار ولكن على الكبار أيضًا فعليه حينئذ أن يشرح لنا لماذا يظن أن المجتمع لا فرق في الوعي بينه وبين الأطفال؟

التواصل هو مهارة إنسانية فرقت الإنسان عن الحيوانات، التواصل هو الذي مَكَّن البشر من العمل سويًا وتبادل الخبرات والمشاعر، التواصل هو الذي يُلهم الإنسان لفعل الخير تجاه بشر لا يعرفهم وربما لا يراهم ولكنه يشعر بوجودهم واحتياجهم لمساعدته، قد تكون المساعدة هي بطانية أو وجبة أو خمسة جنيهات، وقد تكون المساعدة أيضاً رأي وفكرة وتجربة. التواصل هو شيء اكتشفه الإنسان عندما توقف عن الخوف ممن لا يشبهونه، فجلس معهم وشرب معهم القهوة وتعلّم منهم وعلّمهم. العالم الآن يتواصل أسرع بكثير مما كان يفعل منذ سنوات قليلة، والعلم يبحث في تطوير القدرة على ربط البشر ببعضهم البعض أكثر وأكثر ومزج ثقافاتهم واختلافاتهم أكثر وأكثر، بينما نحن في مصر نسجن شاباً لكي نحجب عن المجتمع كلمات يسمعها في الشوارع والمواصلات العامة وأماكن العمل.

كلمات نسجها أحمد من واقع فوضوي على صفحات منظومة دون حكم أو فلترة، مثل عدسة الكاميرا التي لا تفرق بين نهر النيل والقمامة المترسبة على ضفافه، تلتقط كل شيء وتترك لك أنت الحكم. انظر أنت لهذه القاذورات -إن أحببت تسميتها بذلك- واسأل نفسك لماذا هي هناك، وتذكر أن غيرك يرى غيرك.

كالعادة، نالت رواية أحمد الكثير من الشهرة، وكالعادة نالت الفكرة الكثير من المحبين، الوكيل نيابة الما حصل على ما يريده، وعندما يخرج أحمد من السجن “قريباً جداً” سنعود لنقطة البداية وسيكتب أحمد أشرس مما كتب، سيتابعه الآلاف وستعم الفوضى وتنتشر النار في الهشيم، وسيترك الـ “وكيل نيابة ما” ما في يديه ونبدأ مجدداً من نقطة الصفر، مثل نهر النيل الذي لا يكف عن تكرار نفسه كل يوم وكأنه لا يتعلّم أبداً رغم كل ما يُلقى فيه من قاذورات. ربما يحتاج الأمر لوقوف مفاجئ لهذا النهر حتى يستفيق الجميع ويخرجوا من هذه الدائرة المملة ويعيدوا الحسابات والتفكير، البركة في وزارة الخارجية المصرية وإدارتها لملف سد النهضة الأثيوبي، فربما لأول مرة في التاريخ يتغير وجه مصر للأبد.

كاريكاتير: حيائي

كاريكاتير: حيائي

* يُنشر هذا المحتوى في إطار حملة مشتركة بين مواقع “مدى مصر“، “زائد 18“، “قُل” و”زحمة” للتضامن مع الكاتب أحمد ناجي.

اعلان