Define your generation here. Generation What
المواجهة المستحيلة بين “الداخلية” و”جماعة الأمناء المحظورة”
 
 

تصاعدت الأزمة بين أمناء الشرطة من جهة ووزارة الداخلية من جهة أخرى، بعدما ألقت قوات اﻷمن القبض على سبعة من قيادات ائتلاف أمناء وأفراد الشرطة أثناء توجههم للظهور في أحد البرامج الفضائية. والذين قررت نيابة أمن الدولة أمس، الأحد، حبسهم لمدة 15 يومًا على ذمة التحقيقات، بعد أن وجهت إليهم تهم ارتكاب جرائم التحريض على تعطيل العمل داخل جهة عملهم، والإضراب غير القانوني، وتشكيل “جماعة محظورة” تستهدف التأثير على عمل إحدى سلطات الدولة (جهاز الشرطة) والإضرار بها.

وقالت صفحة “أمناء مصر” على فيسبوك، والتي تزعم أنها تتحدث باسم ائتلاف أمناء وأفراد الشرطة، إن ضباط أمن الدولة الذين قبضوا على اﻷمناء قاموا بتلفيق تهم حيازة مخدرات وسلاح ﻷمناء الشرطة المقبوض عليهم. وأضافت الصفحة، قبل أن يتم إغلاقها، أنهم سيقومون “بكشف الفساد”، مؤكدة أنهم لن يكونوا “كبش فداء لفساد اﻵخرين”.

كما تجمهر العشرات من أفراد الشرطة في وقفة احتجاجية أمس، الأحد، أمام مديرية أمن الشرقية تضامنًا مع زملاءهم المقبوض عليهم. كما قام العشرات منهم بقطع طريق الواحات، حسبما أفادت مصادر أمنية لصحيفة المصري اليوم.

ورغم زيادة الحديث عن انتهاكات من قبل الأمناء في الفترة الأخيرة، إلا أن تحركات وزارة الداخلية ضد أمناء الشرطة لم تبدأ إلا بعد تصاعد موجة عاتية من الهجوم على نظام الرئيس عبدالفتاح السيسي بسبب التقاعس في اتخاذ إجراءات حاسمة لمواجهة الاعتداءات المتكررة التي يرتكبها أفراد الشرطة.

كان السيسي قد اجتمع بوزير الداخلية اللواء مجدي عبدالغفار بشكل مفاجئ فور وصوله إلى شرم الشيخ يوم الجمعة. وصرح السفير علاء يوسف المتحدث باسم رئاسة الجمهورية أن الرئيس أمر “بإدخال بعض التعديلات التشريعية أو سنّ قوانين جديدة تكفل ضبط الأداء الأمنى فى الشارع المصرى لمحاسبة كل من يتجاوز فى حق المواطنين دون وجه حق، ووجه بعرض التعديلات التشريعية على مجلس النواب خلال ١٥ يوماً لمناقشتها”.

وفي تصريحات للمصري اليوم، أكدت مصادر أمنية أن السيسي طلب من وزير الداخلية إجراء تحقيق موسع وعاجل حول الحوادث الأخيرة التى شهدتها البلاد، خاصة بعد حادث مقتل سائق الدرب الأحمر.

كانت وتيرة اﻷحداث قد تسارعت مؤخرًا إثر عدد من الاعتداءات التي ارتكبها أمناء وأفراد شرطة في اﻷسابيع الماضية.

ففي منطقة الدرب اﻷحمر، أطلق رقيب شرطة النار على سائق خلال مشاجرة بينهما يوم الخميس الماضي، ما تسبب في مقتله. وطبقًا لشهود عيان، فإن المشاجرة نشبت بعد أن طلب رقيب الشرطة من السائق أن ينقل له بضائع ومتعلقات في سيارته الـ “سوزوكي”، ثم رفض أن يدفع له مقابل النقل. ثم قام رقيب الشرطة خلا المشاجرة بإخراج سلاحه الميري وإطلاق النار على السائق، ما أدى إلى مصرعه على الفور. وهو ما أدى إلى تجمهر عدد كبير من أهالي منطقة الدرب الأحمر أمام مدخل مديرية أمن القاهرة، مرددين هتافات مناهضة للحكومة وللشرطة، وهو ما تكرر خلال جنازة السائق، يوم الجمعة الماضي.

وقد قررت نيابة حوادث جنوب القاهرة، صباح اﻷحد، إحالة رقيب الشرطة المتهم إلى محكمة الجنايات بتهمة القتل العمد.

قبل هذا الحادث بأيام، قال النائب محمد عبدالغني، عضو مجلس النواب عن دائرة المطرية، إنه تعرض لاعتداء من أحد أمناء الشرطة وضابط في مطار القاهرة. وأوضح عبد الغني، في بيان أصدره، أنه أبلغ اﻷمين والضابط أنه نائب برلماني، وأضاف أنه حين أطلعهم على كارنية عضويته “أخذوه غصبًا ورفضوا إعادته بأساليب كنّا نظن أن ثورتين قام بهما الشعب المصري كفيلة بالقضاء عليها”، حسبما نقلت “المصري اليوم”.

وأتت هذه الحوادث بعد أيام من اعتداء أمين شرطة على طبيب أثناء عمله داخل مستشفى المطرية، بسبب رفض الطبيب تزوير تقرير طبي بطلب من اﻷمين، بحسب بيان أصدرته نقابة اﻷطباء بخصوص الواقعة.

وتسبب هذا الاعتداء في إضراب أطباء مستشفى المطرية عن العمل، كما طالبت نقابة اﻷطباء وزير الداخلية في بيان آخر بإيقاف أمناء الشرطة المشتركين في الاعتداء عن العمل، واتخاذ كافة الإجراءات التأديبية تجاههم والإعلان عنها، وقد استدعت النيابة بالفعل تسعة أمناء للتحقيق معهم، وهو ما وصفه بعض المراقبين بمحاولة لتهدئة الأجواء قبل الجمعية العمومية غير العادية التي دعت لها نقابة الأطباء، وقد أخلت النيابة سبيل الأمناء التسعة بالفعل، بضمان وظيفتهم، قبل ساعات من تلط الجمعية العمومية التي انعقدت يوم الجمعة الماضي تحت شعار “يوم الكرامة”، وحضرها ما يقرب من عشرة آلاف طبيب حسب تقدير اللجنة المنظمة لليوم، والتي شهدت بدورها هتافات ضد الداخلية.

لكن مواجهة أمناء الشرطة لم تكن أبدًا مهمة سهلة أمام وزراء الداخلية المتعاقبين، خصوصًا بعد ثورة يناير 2011 حين بدأ الأمناء حراكهم الاحتجاجي سريعًا.

ففي اليوم التالي لتنحي الرئيس اﻷسبق حسني مبارك، بدأ أمناء الشرطة في عدد من المحافظات إضرابًا عن العمل احتجاجًا على سوء معاملة الضباط لهم، مطالبين بمحاسبة المسؤولين عما حدث في “جمعة الغضب”، والاعتداء على المتظاهرين، حسب تقرير نشرته صحيفة المصري اليوم.

وفي أكتوبر من العام ذاته، أعلن عدد من أمناء الشرطة اعتصامهم أمام وزارة الداخلية مطالبين بتحسين أوضاعهم وزيادة مرتباتهم، والسماح لهم بالتدرج الوظيفي والترقي للوصول إلى رتبة ضابط، وهو الاعتصام الذي انتهى بالموافقة على معظم مطالبهم مع وعد بتقديم مقترح بتعديل قانون الشرطة للمجلس العسكري، حاكم البلاد وقتها، ليسمح بترقيهم الوظيفي.

وفي أبريل 2012، أعلن عدد كبير من أمناء الشرطة إضرابهم عن العمل واعتصامهم، وهو الاعتصام الذي انتهى بموافقة المشير حسين طنطاوي، رئيس المجلس اﻷعلى للقوات المسلحة على تعديل قانون الشرطة وإحالته لمجلس الشعب وقتها.

كما قام عدد كبير من أمناء الشرطة باقتحام مديرية اﻷمن بالشرقية في أغسطس الماضي مطالبين بزيادة مرتباتهم ومعاشاتهم، وتضامن عدد آخر من اﻷمناء مع اعتصام زملاءهم في مختلف اﻷماكن.

كما ظهرت قوة “الأمناء” أمام “الداخلية” في نوفمبر الماضي، حين أعلن عدد من اﻷمناء واﻷفراد بقسم الزقازيق ثان بمحافظة الشرقية إضرابهم عن العمل احتجاجاً على قرار أصدره مأمور القسم بإجراء تحليل مواد مخدرة ﻷحد الخفراء العاملين بالقسم. وانتهى اﻹضراب بانتصار حققه اﻷفراد على حساب المأمور، بعدما قرر مدير أمن الشرقية نقله من القسم إلى ديوان عام المديرية لاحتواء غضب الأفراد.

فيما رصدت جريدة الشروق في تقرير نشرته في أغسطس الماضي، قيام أمناء الشرطة بالتظاهر والاحتجاج والإضراب حوالي 12 مرة منذ ثورة يناير، وهي الاحتجاجات التي كان أغلبها للمطالبة بتحسين أوضاعهم الوظيفية أو زيادة الخدمات والمزايا التي يحصلون عليها.

ويقف ائتلاف أمناء وأفراد الشرطة العام ومثلائه من ائتلافات المحافظات كجهة تقود الحراك في بعض اﻷحيان أو تنسقه في أحيان أخرى. وعلى اﻷرجح، فإن هذا الائتلاف هو “الجماعة المحظورة” التي أشارت إليها النيابة في اتهاماتها للأمناء السبعة المقبوض عليهم.

يرى علي الرجّال، الباحث في الشؤون اﻷمنية، أن ائتلاف أمناء وأفراد الشرطة يمثل أقوى حركة اجتماعية موجودة اﻵن في المشهد السياسي المصري بسبب تحركه بشكل جماعي، وقوة تنظيمه، وشبكته المنتشرة.

وحسبما أوضح أحمد مصطفى، رئيس ائتلاف أمناء وأفراد الشرطة، في مقابلة مع موقع مصر العربية، فإن عدد أفراد الشرطة يبلغ 380 ألف من ضمنهم 100 ألف أمينًا للشرطة.

فيما يضيف الرجّال أنه فضلًا عن حسن تنظيمهم، فإن هيكل وزارة الداخلية نفسه يجعل ﻷمين الشرطة دورًا محوريًا في إدارة ماكينة العمل اليومي لها. “اﻷمناء هم من يقومون بعمل البحث الجنائي، وهم من يقومون بمتابعة عمل الطب الشرعي والتحكم في اﻷدلة واﻷحراز”، يقول الرجّال، مضيفًا أن هذا الوضع يتسبب في عجز الوزارة عن التعامل في المواجهات المماثلة مع أمناء وأفراد الشرطة. ويتساءل: “كيف يمكن لك أن تكسر ذراعك اللي تسبح بها؟”.

ويوضح الرجّال أن هذا الحراك الجماعي ﻷمناء وأفراد الشرطة يجعل منهم قوة كبيرة تخشاها حتى وزارة الداخلية.

ويقول إن هذا الحراك المنظم من قبل أمناء وأفراد الشرطة يثير قلق وزارة الداخلية باعتباره الحراك الاحتجاجي المنظم الوحيد داخل جهاز الشرطة، وهو ما يخل بتركيبة القوى وموازينها لصالح اﻷمناء واﻷفراد داخل وزارة سيادية كوزارة الداخلية.

وهوما يمكن ربطه بتصريحات وزير الداخلية مجدي عبد الغفار خلال مؤتمر صحفي عقده ظهر اليوم عن أن “99% من أمناء الشرطة شرفاء”، في دلالة واضحة على صعوبة الدخول في مواجهة مباشرة معهم.

ويضيف الرجّال لما سبق أن أمناء الشرطة يشعرون بتهديد مستمر من الوزارة لهم، على عكس الفكرة الشائعة بأنها توفر الحماية لهم. “على سبيل المثال، يتداول أمناء الشرطة أن وزارة الداخلية سمحت للأطباء بحشد عدد كبير وعقد الجمعية العمومية نكاية منها في أمناء الشرطة”، يقول الرجال.

من جانبه، يقول حسن شندي، أحد قيادات ائتلاف أمناء وأفراد الشرطة، إنه كان هناك هاجس لدى الأمناء من أن تكون التشريعات المزمع إعدادها، بناء على توجيهات الرئيس السيسي، ستنتقص من حقوقهم، لكنه يعود ليوضح أنه قام بزيارة مساعد وزير الداخلية، والذي أكّد له على أن التشريعات ستقتصر على ردع المتجاوزين من اﻷمناء دون المساس بحقوقهم.

ويرى شندي أن هناك استغلال من بعض السياسيين والإعلاميين ﻷخطاء بعض اﻷمناء للإيقاع بهم، والذين يصفهم بأنهم “يعرفون قوتنا ويريدون إضعافنا”، وهو ما رأى أنه يأتي كنوع من أنواع “تصفية الحسابات مع الداخلية، وبياخدونا فدية”.. فيما يرفض اتهام وزارة الداخلية بمحاولة إضعاف الأمناء.

ويضيف أن “أخطاء” اﻷمناء فردية ويرتكبها أفراد غير مسؤولين، إلا أن هذا لا يعني ذبح أمناء الشرطة ككل.

كما يؤكد على رفضه للدعاوى التي تطالب بمحاكمة أمناء وأفراد الشرطة عسكريًا، مشيرًا إلى أن حكمًا أصدرته المحكمة الدستورية العليا يمنع ذلك.

كانت المحكمة الدستورية قد قضت في نوفمبر 2012 بعدم دستورية قرار وزير الداخلية بمحاكمة أفراد الشرطة المخالفين عسكريًا؛ لكونه قرارًا إداريًا غير منصوص عليه فى أى تشريع.

وفي ديسمبر 2014، أصدرت المحكمة الإدارية العليا حكمًا ببطلان محاكمة أفراد الشرطة عسكريًا وألزمت وزارة الداخلية بإعادة المحاكمات العسكرية التى صدر فيها أحكام ضد رجال الشرطة فى وقت سابق أمام محاكم مدنية.

بدوره، أكد وزير الداخلية في المؤتمر الصحفي، اليوم، على أنه لا عودة للمحاكمات العسكرية، موضحًا أن التعديلات التشريعية المقترحة تشمل كل العاملين بجهاز الشرطة وليس اﻷمناء فقط.

ويعود شندي ليؤكد أن أحدًا لا يدعو ﻷن يصبح أمناء الشرطة فوق القانون، موضحًا أن البديل عن المحاكمات العسكرية هو المجالس التأديبية التي تقرر العقوبات اللازمة في حالات التجاوز بما فيها عقوبة الفصل من الخدمة.

ويضيف أنهم طالبوا أكثر من مرة بعمل دورات تدريبية متخصصة في حقوق اﻹنسان وعلم النفس لهم، معتبرًا أن مثل هذه الدورات ستصب في مصلحة المواطنين.

من جانبه، يعتقد الرجّال أن علاقة أمناء وأفراد الشرطة بالضباط معقدة للغاية وتبدأ من أنهم المصدر الوحيد للمعلومات والقضايا وقد تصل في بعض اﻷحيان ﻷشكال عميقة من الفساد. بالنسبة إليه، فإن هذا يجعل مواجهة انتهاكات وتجاوزات اﻷمناء مسألةً أوسع بكثير من مجرد قرار سياسي يتخذ بشأنها حين تشتد ضغوط الرأي العام.

وهو المعنى نفسه الذي يشير له شندي في حديثه، إذ يعتقد أن البلاد هي الخاسر الوحيد من المعركة التي تدور اﻵن مع اﻷمناء، ويقول “من يعتقد أنه يحارب أمناء الشرطة لا بد أن يفهم أن هزيمة اﻷمناء تعني هزيمة الدولة ككل”.

اعلان
 
 
محمد حمامة