Define your generation here. Generation What

دولة السيسي الدينية

خيل للبعض من المثقفين والمتابعين أن عبد الفتاح السيسي هو الطريق للدولة المدنية الحديثة، متجاهلين عسكريته وتوجهاته الدينية. الأولى تم تجاهلها تماماً، لأن مصر دائماً، كما هو معروف لديهم، تحتاج لرجل ذي خلفية عسكرية. أما الثانية فتم تفسيرها على أنها صورة لروح الإسلام العصري المنفتح الذي سيبني أولى قواعد الدولة المدنية الحديثة بعيداً عن أسلمة الإخوان والسلفيين. وساهمت جماعة الإخوان في صراعها مع السيسي والسلطة العسكرية في ترسيخ هذه الصورة غير الحقيقية عند مؤيديه وعند معارضيه. لم يعترض مؤيدو السيسي على فكرة أنه رجل يسعى لدولة غير إسلامية، وإن كانت محافظة، فقط كيداً للإخوان وبعداً عن طريقهم. ولأنهم لا يقرأون، وإذا قرأوا لا يفهمون، تجاهلوا كل المؤشرات التي توضح فكر السيسي وفكر النظام العسكري بشكل عام.

الآن نحن نتحدث عن هذا الموضوع بعد الحكم على الروائي أحمد ناجي، ولكن علامات ومفاهيم الدولة الدينية راسخة عند السيسي منذ سنوات، بل وعقود.

عندما قدم المشير عبد الفتاح السيسي نفسه للشعب المصري والعربي كمرشح رئاسي على شاشة قناة سكاي نيوز عربية، كان واضحاً بشدة. هو لا يرى فصلًا بين السلطة الدينية والدولة، وتأكد ذلك حين قال: “ما فيش حاجة اسمها قيادة دينية، لأن المفروض إن رئيس الدولة مسئول عن كل حاجة فيها حتى دينها”، ثم لوح بالجزء الأهم فقال: “عشان كده لما اتكلمت في البداية خالص وأنا باقدم نفسي للناس باقولهم شوفوا أنا مين واعرفوا أنا مين (…) أنا مسئول عن القيم والمبادئ والأخلاق والدين!”.

كان الرجل صريحاً من البداية. هو يرى أن دوره الرئاسي لا ينفصل تماماً عن دوره الديني واعتراضه على الإخوان ليس لأنهم يخلطون الدين بالدولة، بل لأنهم يخلطون فكرهم الديني بالدولة، بينما يريد أن تصبغ الدولة بتدين السيسي. وتدين السيسي هو التدين نفسه الذي نلاحظه في المؤسسة العسكرية. فعلى سبيل المثال، نجد اعتقادًا مباشرًا من الجندي المصري أنه مؤيد من عند الله كونه “خير أجناد الأرض”. كما نجد أيضاً الصبغة الأبوية السلطوية التي تدعي أن لها خصوصية أخلاقية وتربوية بالرغم من كون جميعنا يعرف طريقة المعاملة السيئة والبذيئة أحياناً داخل الثكنات. وتلك الصبغة المحافظة ترى دور الرجل المسلم أساسياً في المجتمع، فهو ينظر للمرأة التي يصنفها على أنها محترمة نظرة عطف ورعاية، وينظر لجاره المسيحي المطيع نظرة تسامح. الموضوع ليس مبنياً على المساواة طبعاً أو المواطنة وإنما مبني على عطف هذا الرجل العسكري المسلم وكرم أخلاقه. هل تتوقع أنه يوجد امرأة أو مسيحي ضمن القيادات العليا للقوات المسلحة؟

حديث السيسي عن تجديد الدين وغيره ليس بذورًا للعلمانية كما يحب الإخوان وغيرهم أن يروجوا. الحقيقة هي أنه يفعل من وجهة نظره ما فعله حسن البنا من وجهة نظرهم. هو يريد إسلامًا محافظاً على طريقة القوات المسلحة المصرية المخلوطة بفهم السيسي شخصياً عن الإسلام وتأثير علي جمعة، مفتي الديار السابق، عليه.

في مقال بحثي في 2006، تحت فصل كامل عن “الديمقراطية من وجهة نظر إسلامية”، كتب السيسي التالي: “الديمقراطية، كمبدأ للدولة المدنية العلمانية، من غير المرجح أن يتم قبوله قبولا حسناً في أغلب بقاع دول الشرق الأوسط، والتي يسكنها مسلمون متدينون”، ثم أضاف لاحقاً: “هل ينبغي أن ننشئ سلطة رابعة تكون سلطة إسلامية دينية؟ الإجابة البسيطة هي نعم، ولكنها قد لا تكون أفضل وسيلة. الحل الأمثل هو أن تضع كل سلطات الدولة، التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، الدين الإسلامي في عين الاعتبار وهي تؤدي عملها. ومن هنا لن تكون هناك ضرورة لإنشاء سلطة دينية منفصلة”. ثم أضاف أنه يجب وضع قواعد الإسلام في الدستور أو في وثيقة مثلها. ثم قال: “هذا ليس تأسيسياً لثيوقراطية (حكم كنسي) وإنما ديمقراطية في إطار إسلامي”. وحينما طرح أمثلة قد تحتذي دول الشرق الأوسط بها، أعطى ثلاث دول، وهي: باكستان وماليزيا وإندونيسيا.

الحقيقة لا أعلم ولا أفهم لماذا فوجئ البعض من طبقة الكتاب والمثقفين، الذين كانوا يتهموننا كجيل بأننا لا نفهم في السياسة ولا نقرأ، بالحكم الصادر ضد أحمد ناجي وغيره. الرجل الذي وقفتم خلفه وخلف النظام الذي أنتجه كان صريحاً من البداية، وملتزماً بأفكاره التي كتبها في 2006 قبل أن يسمع أحدكم عن اسمه. الحزن كل الحزن هو أن الطبقة التي تتشدق بنهم القراءة لا تقرأ الكلام الواضح ولا تسمع الأحاديث الصريحة التي أدلى ويدلي بها الرئيس وركائز النظام التي أنتجت السيسي رئيساً.

لقد وقعتم في الفخ يا سادة وبينما لن يستطيعوا محاكمة خيال هذا الجيل، إلا أنكم وأجيالكم قد قررتم قتل خيالكم وواقعكم بأيديكم، فهنيئاً لكم دولة السيسي الدينية التي حصدتموها.

دمتم أحراراً.

اعلان
 
 
أحمد أبو حسين