Define your generation here. Generation What

جواهر الصناع في مشهد تجاوز صنيعهم

فوجئت بتلك القطعة لمروة عبد المنعم عندما تجولت داخل الدورة الثانية لـ”معرض ومسابقة محمد عبلة للتصوير والرسم”، والمقام مؤخرًا، في يناير 2016، داخل الجريك كامبس بوسط القاهرة.

لوحة مروة عبد المنعم، ألوان زيت على كنفا، مقاس120*80 سم

لوحة مروة عبد المنعم، ألوان زيت على كنفا، مقاس120*80 سم

نفس السبب الذي جعلني أشيح عن القطعة في بداية الأمر، هو الذي استوقفني بعدها، وهو استخدام مروة لعناصر من صورة مستهلكة في الذاكرة الجمعية مثل لوحات فازة الورد الشهيرة ودائمة التواجد بمنافذ عرض وبيع المفروشات في دمياط وحي المناصرة والعتبة.. إلخ، ولكن أين مرجعية تلك القطعة؟

ما استوقفني فعلياً هو اعتقادي بأنها قررت استهلاك تلك العناصر لإنتاج عمل فني يقوم على إعادة إنتاج صورة مألوفة لدى الذاكرة الجمعية. لذا فقد تعمدت، على غير العادة، عدم الحديث معها عن تلك القطعة، حرصاً مني على أن يصبح ما أكتبه ضرباً من الخيال، وتجنباً لانطباعات قد تحيد ما انطبع بذهني لدى رؤية تلك القطعة.

تذكرت أخيرًا الملصق الصغير الذي رأيته في طفولتي على باب ثلاجة أحد أقاربي، وكان عبارة عن مشهد فوتوغرافي ملون لمجموعة أشجار على نهر، تعلوها كلمة “الجنة”، خلال توهج العدسة في ضوء الشمس (Lens flare في لغة التصوير السينمائي).

قمت بكتابة كلمة “الجنة” في محرك البحث جوجل، واعتقدت أنني تحققت من مرجعية ذلك العمل، تلك المرجعية التي تعود إلى بداية انتشار استخدام برامج تحرير الصورة في مصر منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، وتحديدًا دخول المطبوعات الدينية في تكنولوجيا فصل الألوان ونظام التشغيل CTP، حيث جرى تطوير المطبوعات والملصقات الدينية (إمساكية رمضان – كروت الأذكار – كتيبات الأذكار والأحاديث – كتيبات تحتوى على بعض أجزاء من الكتب المقدسة أو كتب مقدسة كاملة – بوسترات للمنازل – ملصقات صغيرة للأماكن والمواصلات العامة) من قبل أرباب مهنة الطباعة والعاملين بها بغرض مواكبة العصر، وليس فقط من قبل المتخصصين في مجال التصميم الرقمي، حيث أن طموح المصممين، من خريجي كليات الفنون، أكبر بكثير من فرصة عملهم بالمطابع الشعبية الموجودة في شارع محمد علي ومنطقة أرض شريف المتفرعة من شارع عبد العزيز بوسط البلد، باعتبار تلك الأماكن سوقًا لكافة مجالات المطبوعات الورقية، حيث تُنتج تلك المطبوعات الدينية هناك، مما يضفى عليها صبغة صورة المطبوعة الشعبية.

يعود تصميم المطبوعات الدينية الفريدة إلى عدة أمور، منها مدى وعي المصممين ومعرفتهم الدينية التي تُختزل دائمًا في مفهوم “الإعجاز”، أي اللجوء إلى رموز تدل على قدرة إلهية كالطير في السماء والشلالات والبحار واﻷشجار.. إلخ، وبعد مرور السنوات اختلفت التصميمات تبعًا لتطور مفهوم الإعجاز لدى المصممين، وأيضًا من باب التجديد والتغيير، فتحول المصمم من مستهلك لتلك الصورة إلى مساهم في الإعجاز، فأصبح الكثير من تصميمات المطبوعات الدينية ناتجًا لدمج أكثر من صورة، يعبر كل منها عن زمن مختلف، كما يفعل الرسامون على الجدران، ويُكلّف هؤلاء من قبل الوحدات المحلية بتزيين جدران القرى والمدن الصغيرة. تشترك تلك التصاميم أيضًا مع المطبوعات الدينية في كثير من المعايير، منها الخلفية البيئية التي ينتمي إليها رسام تلك الجداريات ومصمم المطبوعات الدينية، وأيضًا نوع الجمهور المستهدف في الحالتين.

هناك نوعان من المنتجين لهذه المطبوعات، أولهما أشخاص يقومون بإنتاجها بهدف الربح، وهي منتجات تُنتَج مسبقًا وتُعرض في منافذ للبيع، والثاني غير هادف للربح، وهم أشخاص ينتجون هذه المطبوعات خصيصًا بدافع النصح والإرشاد والتوعية الدينية، كنوع من أنواع الإتقان في العبادة. مثلما أن هناك أيضًا نوعين من الزبائن لهذه المنتجات، شخص يقوم بشرائها مع إضافة بيانات قليلة عليها، بهدف توزيعها في المناسبات الدينية أو مناسبات التعازي، والآخر يشتريها للإتجار فيها وبيعها بالتجزئة، ليصل المنتَج في النهاية إلى الزبائن المهتمين بذلك النوع من المطبوعات، مثل منافذ بيع الأدوات المكتبية في الأحياء الشعبية أو على الأرصفة وفي الميادين، وغالبًا ما تتوافر تلك المنتجات في الأحياء والميادين المزدحمة.

ومع انتشار هذا النوع من المطبوعات انطبعت صورتها في أذهان حتى غير المهتمين بها، وبالتالي قد تظهر هذه الصورة وتنعكس بصورة أو بأخرى في سلوكيات متلقيها، وهو ما يجعلني أشك في استناد مروة إلى تلك المرجعية، القائمة على الإعجاز، سواء كانت بقصد أو غير قصد، وإنما أظن أنها صنعت تضادًا في تلك القطعة مع ما قاله والتر بنيامين في كتابه “إعادة انتاج العمل الفني تقنيًا”: “ومع الليثو غراف تكون تقنية إعادة الإنتاج قد بلغت مرحلة جديدة كل الجدة. فالأسلوب البالغ الإيجاز في التفريق بين صبغ الرسمة على حجر وبين نحتها في قطعة خشبية أو طبعها على قطعة نحاسية، أعطى فن النحت للمرة الأولى إمكانية تسويق منتجاته، ليس فقط ذات النمط الواحد بل في أشكال متجددة كل يوم. فمن خلال (الليثوغراف) أصبح الجرافيك قادرًا على مواكبة ورسم الحياة اليومية المعاشة.”

قدمت تلك المطبوعات الدينية نوعًا من الجمال ترسخ في عقول مشاهديها، ويقوم على أساس كسر قيود الملكية الفكرية، لأنها في الأساس  قائمة على فكرة الانتشار والإنتاج الضخم، وغير منسوبة لمصمم أو فنان بعينه، واستهلكتها مروة لَقطع تلك اللغة عن سياقها وربطها بسياق آخر، ربما يكون مقترنًا بموقف فني، فقد جمدت واختزلت  تلك الصناعة في مفهوم القطعة الواحدة ذات الصفات المتحفية غير القابلة لإعادة الإنتاج بصفة مباشرة.

 ــــــــــــــــــــــــــــ

مصادر المقال:

-ترجمة كتاب العمل الفني في عصر اعادة انتاجه تقنياً، والتر بنيامين، مجلة نزوى، العدد 69،عمان: يناير 2016

-حوار مع طارق راضي مواليد القاهرة 1975، فنان ومصمم جرافيك.

 

اعلان