Define your generation here. Generation What

إنهم يحاكمون اللغة

“الكلام ما كان مُكْتَفِياً بنفسه، والقول ما لم يكن مكتفياً بنفسه، وهو الجُزْء من الجملة.. أَلا ترى إلى قلة الكلام هنا وكثرة القول؟”. 
​لسان العرب

شغلتني اللغة منذ طفولتي، رسمها وتكويناتها ومجالها الصوتي، كنتُ أرمي نفسي فيها لأيام، مستغرقًا في المفردات ومعانيها ودلالاتها، أحب اللغة، اللغة التي تخصني، لا هذه الكئيبة المتهالكة في كتب القراءة الإلزامية، ولا هذه الصاخبة المسجوعة في خطب الجمعة ومصنفات الفقه. كنت أحب لغة أخرى أبسط كثيرا، أستطيع أن أسمع موسيقاها، أتذوق حلاوة كلماتها، أتعاطى معها دون سلطة تاريخية علي. ثم إذا وقعت على معجم العين للخليل بن أحمد، حتى تأكد لي أن ماأتيتُ به ليس غريبا ولا شاذا كما حاول أكثر من أستاذ لغة وأستاذ دين أن يقنعني من قبل، وجدت الخليل بن أحمد يقول في مفتتح معجمه “.. فدبّر ونظر إلى الحروف كلِّها وذاقَها فوجد مخرج الكلام كلّه من الحلق” كان منهج الخليل إذا قائم على التذوق أي معيار جمالي، فلماذا تحولت العربية إلى هذا الكائن المخيف المثقل بالتراكم؟

فتنتُ بهذه الرحابة الجمالية والتأويلية في المعاجم، فالكلمة تعني الشيء ونقيضه، الجذر يحمل المعنى ونفيه. العلاقة التبادلية بين المعاني والكلمات تعطي براحا لم يعد موجودا الآن، المعنى له بدل المفردة عشرات المفردات. والمفردة الواحدة تتراوح بين حقل من المعاني، اللغة لعوب، طفلة جميلة على أرجوحة تعلو تهبط كما يحلو لها.

ما الذي حدث وحول هذه الطفلة الجميلة الشقية إلى عجوز دميمة متهالكة؟ وكيف صار هذا الغنى الصوتي والتأويلي وزنا زائدا يجب التخلص منه؟

***

عام ونصف وأحمد ناجي يذهب إلى المحكمة بسبب “كلامه”، الكلام كما فهمتُ من لسان العرب هو المكتفي بذاته، أي لا يحتاج إلى تفسير وثرثرة وشروح، يذهب ناجي إلى المحكمة لأن بعض المهووسين بالقداسة خُدش حياؤهم، خدش الحياء في تصورهم هو استخدام ألفاظ “واضحة” تدل على فعل مستتر، كأن اللغة يجب أن تحاكي العرف الاجتماعي، ما كان فعلا مستترا اجتماعيا يجب أن يستتر لغويا، هكذا تحول التبول والتبرز إلى “قضاء الحاجة”، و”النيك” إلى “المعاشرة” و”الوطء”.

يقول هايدجر إن “اللغة هي بيت الكائن” هذا البيت لا يُحكم بقوانين عامة إلا التواصل، أن يكون قادرًا على إيصال معنى، لا أن تحكمه أعراف وقواعد وتقاليد وحمولة تاريخية وأخلاقية، البيت يبنيه صاحبه كما يحب أن يرتاح فيه، وناجي أحب أن يكون بيته خاليا من الأرابيسك والحلي، بيتًا بسيطًا خاليًا من المجاز والاستعارة والمساحيق القديمة.

يذهب ناجي إلى المحكمة لأن بيته/لغته خرجت عن العُرف الاجتماعي، رغم أن متداولة يوميًا؛ عشش يومية لها وجود ومعان واستخدامات، لكن لأن المعيار الحاكم عن الأدب مشهدي، السامي المترفع عن اليومي، لذلك يجب أن تترفع لغته، التصورات القديمة يجب أن تطابقها لغة قديمة، واللغة القديمة تشابه النصوص الدينية، أو تحاكي الكتاب الإضافي في مادة العربي في المراحل التعليمية المختلفة، لا غرابة إذن أن يُعجب قطاع كبير باستقالة القاضي محمد السحيمي، لأنها استعارت مفردات مشهدية، نوستالجيا تستدعيها لغة متحفية دون معنى. لا يهم أن يكون البيت/اللغة فارغا من الداخل، المهم أن نقوشه ومعماره الخارجي متحفي.

***

يقول الجاحظ “وإنما وُضعت هذه الألفاظ ليستعملها أهل اللغة، ولو كان الرأي ألاّ يُلفظ بها ما كان لأوّلِ كونها معنىً، ولكان في التَّحريم والصَّون للُغة العرب أن تُرفع هذه الأسماء والألفاظ منها.”

إنهم يحاكمون اللغة، ولأن الحكاية هي حكاية الألفاظ فقط، حاولت أن أعيد كتابة أحد مقاطع الرواية دون ألفاظها الخادشة:

غطس لساني في مكمن العسل. شربت كثيراً تلك الليلة شربت حتى شعرت بالعطش. ارتجفت مرة من تذوقي المستمر بلا انقطاع، ثم دخلنا إلى غرفة النوم وعاشرتها ببطء وتمهل. منحتني ظهرها، وضعت أصابعي داخل فمها، بللتها بلعابها ثم وضعت أصبعي داخل فرجها. جاكعتها من الخلف. أمسكت شعرها القصير وجذبته ناحيتى. رهزتها بعنف ثم ارتميت فوقها لثانيتين أو أكثر. قمت من على السرير ونزعت الواقي الذكري رميته مُلوثا في سلة النفايات. ابتسمت لها.

***

إنهم يحاكمون اللغة، بعد أن ارتضوا انتخاب بعض المفردات على حساب بعضها الآخر. يومًا ما قرر أحدهم أن يجعل بعض الألفاظ فعلًا متجاوزًا وبعضها لا، فجعل “يجامع” و”يعاشر” و”يطأ” و”يواقع” ألعابًا استعارية تغني عن “ينيك” حتى وإن أدت لنفس المعنى ودلت على ذات الفعل.

يريدون لغة بمساحيق تجميل، لغة يعتبرونها منزهة لكنها مثقلة بالالتفاف. صارت المراوغة اللغوية “تعففًا” ووصولها إلى المعنى بأقصر الطرق “بذاءة”.

البذاءة في اللغة هي الفاحش من القول أي قبيحه، والفاحش في اللغة هو الخروج عن الحد، أي التضليل، الانحراف عن المعنى، فمن حول أقصر الطرق للوصول إلى المعنى لتكون انحرافًا عنه؟ والفاحش والبذيء -كلاهما- لغة هما الإكثار والإفراط في الشيء، ألا يمكن أن نعتبر أن ألعاب المراوغة للتعبير عن الشيء إفراط وزيادة؟ من الممكن أن نقول إذن أن “يعاشر” أكثر بذاءة وفحشا من “ينيك”.

* يُنشر هذا المحتوى في إطار حملة مشتركة بين مواقع “مدى مصر”، و”زائد 18″، و”قُل”، و”زحمة” للتضامن مع الكاتب أحمد ناجي.

اعلان