Define your generation here. Generation What

هيكل.. وموت نصف الإله الشرير

يقول نيتشه في كتابه “ما وراء الخير والشر”: “أغفر لك أن تسبني ولا أغفر لك أن تتجاهلني”، إذ أن الكراهية (وكذلك الحب) مشاعر إيجابية لا تنم سوى على أهمية الآخر في حياة كارهه أو محبه، ما يستدعي تكوين وتوجيه مشاعر إزاءه، فيما يعبر التجاهل عن قدر من الاحتقار للآخر، أي غياب أي مشاعر ذات بال بالحب أو بالكره، وكان مقصد نيتشه من هنا أن الاحتقار هو أقسى ما يمكن أن يوقعه أحد بآخر.

ومن هنا كانت أهمية محمد حسنين هيكل، الذي عاش ما يزيد على عقود عشرة، ذهب نحو ثلثيها في إنتاج وتشكيل الرأي لقارئي الصحف كما للقيادة السياسية. ولعل هيكل كان في هذا  النموذج الكامل للمثقف في عالم ما بعد الاستقلال الذي كان يبحث عن فرصة من خلال سلطة الدولة حديثة العهد بالاستقلال لتشكيل قدر الأمة. فإن محمد حسنين هيكل لم يكن مثقفاً للسلطة أو صحفياً للنظام الناصري، بمعنى أن مهمته لم تكن فقط خلق وعي زائف للجمهور  المصري والعربي، بما يدعم صورة وشرعية النظام السياسي، فهذه مهمة نفذها كثر غيره ممن لم يحيطوا بذات القدر من المعرفة والثقافة، وربما ولا حتى الذكاء، وكانوا في منتهى المطاف مجموعة من الصحفيين الباهتين أو موظفي وزارة الثقافة من عينة إبراهيم سعدة وإبراهيم نافع وسمير رجب، نزولًا إلى أسامة سرايا وعبد العزيز القط ومحمد عبد السلام ناصر.

وإنما كان هيكل في المقابل حلم المثقف المصري الذي تحقق، فهو المثقف الذي شق طريقه إلى دوائر السلطة، ولعب دورًا مباشرًا باعتباره “مُنَظِّرًا” لمشروع ما بعد الاستقلال الوطني ولدولته، لقد كان بالطبع من سوء الحظ أن جوهر مواقف هيكل كان يعبر عن ميول سلطوية إزاء المجتمع، ولعل هذا هو العنصر الثابت الوحيد في كتاباته وتحليلاته ومواقفه السياسية، والتي ثبتت في وجه خروجه من أي منصب رسمي بل وعداء السلطة له في عهد السادات وبرودتها تجاهه في عهد مبارك. لم يكن هيكل ثوريًا، لا بالمعنى السياسي ولا بالمعنى الاجتماعي، فهو رجل محافظ تزوج في خضم صعوده السياسي من بقايا الأرستقراطية المصرية تركية الأصول، وسرعان ما أنجب، حرفيًا، بعض أعلام الطبقة الرأسمالية التي أتت بتجربة بنوك الاستثمار إلى مصر، ولم يكن هيكل معاديًا للغرب على طول الخط. لم يكن اشتراكيًا ولا شيوعيًا ولا قوميًا. كان هيكل في خطه السياسي من أبناء مدرسة مجردة تقوم على “القوة”، ولعله قد وجد هذا في قراءته لكلاوزفيتز الذي كان دائمًا ما يذكره في لقاءاته. هي إذن مدرسة برجماتية قوامها “القوة” وممارستها، ومن هنا كان دوره في التنظير للسياسة الناصرية الخارجية، وتشكيله لوعي السلطة والمجتمع معًا في إطار دولة ما بعد الاستقلال السلطوية.

وبذات المعيار الذي يعبر عن نفاذ مذهل لقلب “السياسة الحديثة” كما عرفها ميكيافيلي وهوبز وشميت وهاجينداز، يمكننا أن نقطع بأن هيكل شخصية هامة في تاريخنا السياسي والاجتماعي والثقافي، سواء كان ذا مصداقية أم لا، سواء أكان قد نفع جيلنا أم أضره، ومن هنا فهو يستحق كراهيتنا أو حبنا، وربما يكون هذا هو المميز في مسار حياة هيكل، كونه قد نجح في البقاء ليس فحسب في دائرة الضوء بل محل جدل، ليس فحسب بين جيله أو جيل أبنائه، بل إلى جيل أحفاده ،بل ويكفي أن هيكل ببرجماتيته وتصوره المجرد للسياسة ـإلى حد العدميةـ باعتبارها ممارسة للقوة وطلبًا لها، قد تحول من مُنَظِّر ومثقف النظام الناصري إلى مُنَظِّر الدولة (السلطوية) بعد ثورة يناير ٢٠١١ وحتى قبيل وفاته بأيام. إن هيكل إذن يشبه كثيرًا أنصاف الآلهة اليابانية المسماة بالتينجو، والتي تأخذ هيئة بشرية، ولكنها لا تموت، وتتمتع بقدرات فكرية وبدنية فائقة، ورغم قدرتها على إيذاء الإنسان -عامدة أو غير عامدة- إلا أنها في أساطير الشينتو هي التي تعلم منها الإنسان الكثير. والتينجو قد يكونون من الأشرار أو من الأخيار، ولكن هذا لا يهم كثيًرا لأن العبرة بتأثيرهم المستمر على الإنسان.

لم أكن أفكر كثيرًا في محمد حسنين هيكل قبل ثورة يناير، فقد كان قد “استأذن في الانصراف” منذ فترة، وكان تفاعلي معه من خلال كتبه المتكدسة في مكتبة أبي عن فترات سابقة في تاريخ مصر المعاصر، ولكن مع عودة هيكل للواجهة مرة أخرى في أعقاب التخلص من مبارك في فبراير ٢٠١١، وكأنه روح التحديث السلطوي في مصر قد أيقظته الثورة عن غير قصد تمامًا، كما حفر الأقزام في “لورد أوف ذا رينجز” في مناجم موريا بحثًا عن معدن نفيس حتى بلغوا عمقا شديدا كسروا معه -بدون معرفة وبدون قصد- قفصًا عملاقًا كانت الآلهة قد حبست فيه ماردًا رهيبًا من عصر سحيق كانت الآلهة تتقاتل فيه على الأرض، فخرج المارد وأحرق الأقزام في إشارة إلى أنه لا سبيل للتحرر من الماضي حتى ولو لم يكن ماضيك أنت ولا ماضي جيلك بل أي ماضي، ولو كان ماضٍ تجهل أنه قد حدث من الأصل، فهكذا كان هيكل ومعه الروح الناصرية المنبثة في أركان الوطن، فخلافًا لما ذهب إليه ميلان كونديرا لا يبدو أن الوجود بهذه الخفة بل هو ثقيل ثقل شرفة (أي بلكونة) مطلة على شارع رئيسي قد تسقط عليك لتقتلك، وأنت تسير في أمان الله، لا لشيء سوى أن الشرفة كانت متصدعة ومتهالكة وتريد أن تنقض، ولم يجر لها أحدهم عمليات الصيانة اللازمة.

خرج علينا هيكل بعد ٢٠١١ بحتمياته الصارمة وقوانينه الحديدية القديمة الحاكمة للتاريخ، والتي لا يعرفها غيره، ليقول لنا بصوت موضوعي محايد إن السلطوية لا مفر منها، وإن إزالة مبارك لم تكن إزالة لدولة يوليو السلطوية، التي صُنعت على عين هيكل، إنما هي للعودة لأصل تلك السلطوية بأن ينادي الشعب الجيش كي يستعيد زمام الأمور، تمامًا كما حدث في فبراير ٢٠١١ ثم في يونيو ٢٠١٣.

مات الأستاذ هيكل، فليرحمه الله وليسكنه فسيح جناته، وإن لا يبدو أن رقدته في سلام ستنعكس على جيلنا التعيس بأي قدر من السلام؛ فنحن كما في لوحة معركة الهون، التي كانت تستهوي هايدجر، في معركة حامية الوطيس مع الماضي حيًا وميتا، وقد تصور الفنان الألماني أن معركة شاتيلون، بين الرومان والقوط من جانب والهون من جانب آخر، كانت شديدة، وكان الكل يقاتل فيها بإخلاص لدرجة أنه لم يكتف برسم تفاصيل المقتلة على الأرض بل تصور أن أرواح الجنود الصرعى مستمرة في القتال وهي تصعد إلى السماء على نحو تبدو فيه اللوحة وكأنها تصور معركة تاريخية تجري في السماء.

اعلان
 
 
عمرو عادلي