Define your generation here. Generation What
بداية نهاية الرأسمالية
 
 

ننشر هنا مقتطفًا من كتاب الصحفي اﻹنجليزي بول ماسون Postcapitalism، والمنشور في جريدة الـ”جارديان” البريطانية، تحت عنوان “حلّت نهاية الرأسمالية“، وفي مواقع غيرها، ويشير فيه ماسون إلى مظاهر انهيار النظام الرأسمالي في العالم اﻵن، على يد تغلغل دور المعلومات فيه ونخرها لاقتصاد السوق التقليدي، وهي النبوءة القديمة لكارل ماركس كما يشير الكاتب.

***

الرّايات الحُمر وأناشيد مسيرات سيريزا إبّان أزمة اليونان، و آمال تأميم البنوك، أحيَت لِوَهلةٍ حُلْمًا مِنْ أحلام القرن العشرين: تقويض السُّوق بالقوَّة. لأغلب القرن العشرين كانت تلك رؤية اليسار للمرحلة الأولى من اقتصاد “مابعدالرأسماليَّة”. القوَّة كان يُفترض أنْ تُظهِرها الطَّبقة العاملة إمَّا في صناديق الاقتراع أو على المتاريس. الرَّافعة كانت ستكون الدَّولة، و الفرصة ستسنح بين فصول متواترة من الانهيار الاقتصادي.

لكنْ عوضًا عن ذلك، فعلى مرِّ السَّنوات 25 السَّالفة لمْ يتقوَّض غيرُ مشروع اليسار. السُّوقُ خرَّبت الخُطَّة؛ الفرديَّة أزاحت الجمعيَّة و التَّضامن؛ والقوى العاملة العالميَّة المتزايدة عدديًّا باضطراد تظهر بمظهر ”البروليتاريا“ لكنِّها لَمْ تعد تَعقِل و لا تسلُك كما كانت.

إذا كُنتَ قد مررتَ بذلك كلِّه و قاسيتَ الرأسماليَّة فلا بد أنَّك مكروب. لكنَّ التِّقنية أوجدت مسارًا جديدًا؛ مسارًا يجب على فلول اليسار القديم -و كلِّ القوى الأخرى المتأثِّرة به- أنْ تعتنقه أو تَبيد. اتَّضح أنَّ الرأسماليَّة لَنْ تقضي عليها أساليب الزَّحف القاهر، بَلْ سيقضي عليها ظهور شيءٍ أكثر ديناميكيَّة، يتواجد ابتداءً على نحو غير مرئيٍّ في ثنايا النِّظام القديم، لكنَّه سيخرقه مُعيدًا تشكيل الاقتصاد حول قيم و سلوكيَّات جديدة. أُسمِّي ذلك “مابعدالرَّأسماليَّة”.

كما كان الحال بنهاية الإقطاع من خمسمئة سنة مضت، فإنَّ حلول “مابعدالرَّأسماليَّة” محلَّ الرَّأسماليَّة ستُسارِعُ من وتيرته صدمات خارجيَّة وسيُشكِّله ظهور نوع إنساني جديد. و هذا كلُّه قد بدأ.

“مابعدالرَّأسماليَّة” مُمكنة بسبب ثلاثة تغيُّرات كبرى أحدثتها تقنية المعلوماتيَّة خلال السَّنوات 25 الماضية. أوَّلها تقليل الحاجة إلى العمل، وإبهام الحدِّ بين العمل ووقت الفراغ وإرخاء الصِّلة بين العمل والأجر. موجة المَيْكَنَة القادمة، المتعطِّلة حاليًا لقصور بِنْيَتنَا الاجتماعية عن تَحمُّل عواقبها، ستقلِّل كثيرًا مِنْ حجم العمل اللازم، لا للكفاف وحسب، بل لتوفير حياة كريمة للجميع.

ثانيها، أنَّ المعلومات تنخر قدرة السُّوق على ضبط الأسعار. وذلك لأنَّ الأسواق تقوم على النُّدرة في حين أنَّ المعلومات وفيرة. آليةُ دفاعِ النِّظام تأليفُ الاحتكارات -متمثِّلة في شركات التكنولوجيا الكبرى- على نطاق غير مشهود خلال السنوات المئتين الماضية، لكنَّها مع ذلك ليست قادرة على البقاء. فتلك الشَّركات تطوِّر نماذج الأعمال وتثمينات الأسهم بِناءً على مَسْكِ وخصخصة كُلِّ المعلومات المنتَجة جماهيريًا، مُنشِئةً واجهات مؤسَّساتيَّة هشَّة تتعارض مع احتياج إنساني أساسي، ألا وهو استعمال المعلومات بحُرِّيَّة.

ثالثها، أنَّنا نشهد الصُّعود العفوي للإنتاج التَّشاركي؛ إذْ تَظهَرُ سلع و خدمات و مُنظَّمات غير مستجيبة لإملاءات السُّوق و لا للتراتبيَّة الإداريَّة. المُنتَج المعرفي الأكبر في العالم، أيْ ويكيبيديا -الموسوعة الحُرَّة- صنعه متطوِّعون بلا مقابل، مفارقين صناعة الموسوعات التَّقليديَّة وحارمين صناعة الإعلان مِنْ عائد قدره ثلاثة بلايين دولار سنويًا.

في الأطراف النَّائية مِنْ نظام السُّوق وأركانه غير المطروقة طفقت ضروب عديدة من الحياة الاقتصاديَّة تتحرّك وفق إيقاع مختلف. العملات الموازية وبنوك الوقت والتَّعاونيَّات والمساحات المُدارة ذاتيًا انتشرت بعيدًا عن نظر حرفة الاقتصاد وغالبًا كنتيجة مباشرة لتصدُّع الهياكل العتيقة لما بعد أزمة 2008.

لا تمكن رؤية هذا الاقتصاد الجديد إلّا بالنَّظر الفاحص. في اليونان مَسَحَتْ مؤسَّسةٌ غير حكومية تعاونيّات إنتاج الغذاء و المنتجين المغايرين والاقتصادات الموازية و نُظُم التَّبادل المحليَّة، فوجدت أكثر من 70 مشروعًا قائمًا ومئات المبادرات الأصغر المُتراوحة ما بين المقابع (squats) والتَّشارك في السَّيارات وحضانات الأطفال المجانيَّة. في النَّظرة الاقتصاديَّة التقليديَّة فتلك كُلُّها بالكاد تتأهَّلُ لأَنْ تُحسَبَ أنشطة اقتصاديَّة، لكنَّ هذا هو بيت القصيد. فهؤلاء موجودون لأنَّهم يتداولون عُملةَ اقتصادِ “مابعدالرَّأسماليَّة”، ولو على مَضَض وبغير كفاءة، و تلك العُملة هي: وقتُ الفراغ، و النَّشاط المُشبَّك (networked activity)، واﻷشياء المجانية. ذلك كلُّه يبدو أكثر غثاثة و هامشيَّة بَلْ حتى أخطر مِنْ أنْ يَقُومَ عليه بديلٌ لنظامٍ عالمي؛ لكنَّ ذلك كانَ حالَ النَّقدِ و الائتمانِ على عهد إدوارد الثَّالث.

أشكالٌ جديدة للملكيَّة، أشكالٌ جديدة للإقراض، عقود قانونيَّة جديدة: نُصْبٌ جديد للأعمال قد علا خلال السَّنوات العشرة الأخيرة، و هو ما أسمته الميديا ”اقتصاد التَّشارك“ (sharing economy). كلمات طنّانة مثل ”المشاعات“ و ”الإنتاج النِّدِّيِّ“ تُلقى يُمنة و يُسرة، بَيْدَ أنَّ قِلَّةَ مِنْ النَّاس انشغلوا بمسألة أثَر هذا التطوّر على الرأسمالية ذاتها.

أرى أنَّ هذا التطوُّر يجعل للرأسمالية مخرجًا؛ بشرط أنْ تُرعى تلك المشروعات الصُّغرَوِيَّة وتُروَّج وتُحمى بتغيير جوهري في كيفية عمل الحكومات. وهذا ينبغي أنْ يكون مُحرِّكَه تَغيُّر في كيفية تفكيرنا فيما يخصُّ التِّقنية و الملكيَّة و العمل، بحيث يكون بوسعنا -و نحن نَبْتَكِر عناصر النظام الجديد- القَوْلُ لأنفسنا و للآخرين: ”هذه ما عادت مُجرَّد وسيلتي الذّاتية للبقاء.. ملاذي من العالم النِّيوليبرالي.. بل هي طريقة حياة جديدة قيد التَّشكُّل“

انهيار سنة 2008 خسف بما قدره 13% من النَّاتج العالمي و 20% من التِّجارة العالميَّة. النُّموُّ الإجمالي العالمي صار سلبيًا، على مقياسٍ فيه كُلُّ ما يدنو 3% يُحسبُ انكماشًا. و قد أَنتجَ في الغرب مرحلةَ كسادٍ أطولَ مِمَّا كانت في 1929-1933؛ و إلى الآن، برغم التَّعافي الهزيل، لا يزال الاقتصاديّون التقليديّون مذعورين من شبح الرُّكود طويل المدى. موجاتُ الصَّدم في أورُبا تُمزِّق القارَّة.

الحلولُ المقترحةُ تمثَّلت في التَّقشِّف و تحقيق فوائض نقديَّة، لكنَّها ليست ناجعة. ففي البلاد الأنكى مُصيبةً تَضَعْضَعَتْ نُظُمُ المعاشات و زاد سِنُّ التَّقاعد فوصل إلى 70 سنة، و التَّعليم تتواصل خَصْخَصَتُهُ بحيث يكون على المُتخرِّجين اليوم التَّعايش مع ديون طائلة طوال حياتهم. و الخدمات العموميَّة يجري تفكيكها و مشروعات البِنى التحتية تُجمَّد.

مع ذلك كُلِّه لا يزال أناسٌ كثيرون غير قادرين على استيعاب المعنى الفعلي لكلمة ”تقشُّف“. التَّقشُّف لا يقتصر على ثمانِ سنواتٍ من خفض النَّفقات كما في المملكة المُتَّحدة و لا يقتصر حتَّى على الطَّامة الاجتماعية التي وقعت باليونان. بل معناه دفع الأجور و الضَّمانات الاجتماعيَّة و مستوى المعيشة في الغرب إلى التَّردّي لعقودٍ إلى أنْ تتلاقى مع ما للطَّبقة الوسطى في الصين و الهند في صعودهما.

في غياب أيِّ نموذج بديل صالح فإنَّ الظُّروف لأزمة أخرى تتهيَّأ. القيمة الفعليَّة للأجور قد تدَّنت أو بقيت راكدة في اليابان و جنوب منطقة اليورو و الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة و المملكة المتَّحدة. النِّظام المصرفي الموازي قد استُعيد وهو الآن أكبر ممَّا كان عليه في 2008. القواعد الجديدة التي تَفرِضُ على البنوك الاحتفاظ باحتياطيَّات أكبر قد خُفِّفَت أو أُرجِئت. في غضون ذلك فإنَّ زُمرة 1% الأغنى قد ازدادوا غنى بالأموال المجّانيَّة المنهمرة عليهم.

النِّيوليبراليَّة إذن قد استحالت نظامًا مُبرمَجًا لإحداث إخفاقات كارثيَّة متواترة. والأسوأ من ذلك أنَّها قد خرَّبت نمط مئتي عام من الرَّأسماليَّة الصِّناعيَّة كانت فيه الأزمات الاقتصاديَّة تتفتَّق عن أشكال جديدة مِنْ الابتكار التِّقني الذي يفيد الكافَّة.

ذلك لأنَّ النِّيوليبراليَّة كانت النَّموذج الاقتصادي الأوَّل في مئتي عام الذي كان صُعوده قائمًا على خسف الأجور وتحطيم القدرة الاجتماعيَّة وحيويَّة الطَّبقة العاملة. إنْ راجعنا فترات الانطلاق التي درسها مُنَظِّرُو الدَّورات الطَّويلة -عِقد 1850 في أورُبَّا و 1900 و1950 عالميًّا- لوجدنا أنَّ القُوَّة المُنظَّمة للقُوى العاملة هي التي منعت المستثمرين والشَّركات مِنْ مواصلة محاولة إعادة تقديم نماذج أعمال عتيقة تتمثَّل في خفض الأجور، ودفعتهم عِوضًا عن ذلك إلى طَرْقِ سبيل ابتكارِ شكلٍ جديد للرَّأسماليَّة.

كانت النَّتيجة أنَّنا وجدنا بالتَّواكب مع كُلَّ صَعدَةٍ توليفًا جديدًا من المَيكَنَة والأجور الأعلى والاستهلاك الأعلى قيمةً. اليوم لا تقع ضغوط مِنْ القوى العاملة، والتِّقنيَة التي في قلب موجة الابتكار الحاليَّة لا تتطلَّب إنفاقًا استهلاكيًا أكبر، ولا إعادة توظيف قوى العمل في وظائف جديدة. المعلومات آلة لطحن أسعار كُلِّ شيء وتهشيم مُدَّة العمل اللازم لإقامة الأوَد على هذا الكوكب.

نتيجة لذلك فإنَّ قسمًا كبيرًا من طبقة رجال الأعمال قد صاروا لوديّين جُدُد (neo-luddites). فمع إمكانيَّة إنشاء معامل تتابع الجينات (gene sequencing) نجدهم عوضًا عن ذلك يُنشِئون مقاهي، وحانات تقليم الأظافر، وشركات تنظيف بالتَّعاقد: النِّظام المصرفي ومنظومة التَّخطيط والثَّقافة النِّيوليبراليَّة الحديثة تُحابي خالقي الوظائف قليلة القيمة طويلة الدَّوَام.

الابتكار موجود، إلا أنّه لَمْ يُحفِّز إلى الآن الصَّعْدَةَ الخامسة الطَّويلة للرَّأسماليَّة التي تتنبَّأ بها نظريَّة الدَّورة الطَّويلة. والأسباب تكمن في طبيعة تقنيَة المعلوماتيَّة.

نحن لسنا محاطين وحسب بالآلات الذَّكيَّة بَلْ كذلك بطبقة جديدة مِنْ الواقع تقوم على المعلومات. تَصَوَّر طَيَّارة السَّفر: الحاسوب يُطَيِّرها، وقد صُمِّمَت واختُبِرَت بالمُحاكاة في الظُّروف القصوى و”صٌنِّعت افتراضيًا“ ملايين المرَّات، وهي ترسل إلى صانعها في الوقت الحقيقي معلومات عن ظروف تشغيلها. وعلى متنها مسافرون يُحدِّقون في شاشات متَّصلة بالإنترنت، في بعض البلدان المحظوظة.

النَّاظر إليها مِنْ الأرض يراها نفس الطَّائر المعدني الأبيض الذي كان في عصر جيمس بوند. لكنَّها الآن صارت آلة ذكية وعُقدة في الشَّبكة. صار بها محتوى معلوماتي وهي تضيف ”قيمة معلوماتيَّة“ إلى جانب قيمتها الماديَّة في العالم. على متن رحلة ملآنة، وعندما يكون المسافرون كلُّهم مشغولين بجداولهم المُمتدَّة وعروضهم التقديميَّة، فإنَّ قمرة الرُّكّاب يكون أفضل وصف لها أنَّها مصنع معلومات.

لكنْ ما قيمة كُلِّ تلك المعلومات؟ لَنْ نجد إجابة لهذا السُّؤال في دفاترنا: الملكية الفكريَّة تُثمَّن في معايير المحاسبة الحديثة بالتَّخمين المحض. فقد وَجَدَتْ دراسة معهد SIS سنة 2013 أنَّه لأجْلِ تثمين البيانات فإنَّه لا يُمكِن حساب أيًّ من قيمة جَمْعِها ولا قيمتها السُّوقيَّة ولا الدَّخل المتوقَّع منها بدقَّة. وأنَّه لا يمكن للشَّركات تفسير قيمة بياناتها لحملة الأسهم إلَّا بنمط محاسبي يأخذ في الحُسبان الفوائد غير الاقتصاديَّة والمخاطر غير الاقتصاديَّة. يوجد خَلَلٌ في المنطق الذي به نُثَّمِنُ به أهمَّ ما في العالم المعاصر.

التَّقدُّم التِّقني العظيم في القرن الحادي والعشرين لا يتألَّف وحسب مِنْ موجودات و صيرورات جديدة، بَلْ كذلك مِنْ إضفاء الذَّكاء على العتيق منها. المحتوى المعرفي للمنتجات أصبح قيِّمًا أكثر من الأشياء المادِّيَّة المستعملة في إنتاجها. لكنَّها قيمة مُقاسة بالنَّفع، لا بالتَّبادل ولا بقيمة الأصول. في عِقد 1990 بدأت تبزُغ للاقتصاديّين و التقنيّين الفكرة ذاتها في الوقت ذاته: أنَّ الدَّور الجديد للمعلومات بدأ يوجِد نوعًا جديدًا ”ثالثًا“ من الرَّأسماليَّة يختلف عن الرَّأسماليَّة الصِّناعيَّة بقدر اختلاف الرَّأسماليَّة الصِّناعيَّة عن رأسماليَّة التُّجَّار والعبيد التي سادت في القرنين السابع والثامن عشر. لكنَّهم تعثَّروا في اجتهادهم في وصف ديناميكيَّات هذه الرَّأسماليَّة المعرفيَّة الجديدة، والسَّبب في ذلك وجيه: فديناميكيَّاتها قطعًا ليست رأسماليَّة.

أثناء وبُعَيْدَ الحرب العالميَّة الثَّانية رأى الاقتصاديُّون المعلومات في بساطة ”كمنفعة عامة“. حتى إنَّ حكومة الولايات المتّحدة الأمريكية قرَّرت أنَّه لا يجوز جنيُ ربحٍ من براءات الاختراع، بَلْ مِنْ تطبيقاتها الإنتاجيَّة فحسب. ثُمَّ أخذنا نفهم ماهيَّة المِلْكِيَّة الفكريَّة. في سنة 1962 قال كِنِث أرُو، أُسطون الاقتصاد التَّقليدي، إنَّه في اقتصاد السُّوق الحُرِّ يكون الغرض من الاختراع خلق حقوق ملكيَّة فكريَّة. يقول: ”بقدر النَّجاح في ذلك توجد قِلَّة استغلال للمعلومات“.

تُمكن مشاهدة أثر تلك المقولة في كُلِّ نموذج أعمال سبراني أُوجِد على الإطلاق: احتَكِر واكنز البيانات، وامسك البيانات الاجتماعيَّة المتولِّدة عن تفاعلات المستخدِمين، وادفع بالقوى التِّجارية إلى مناطق إنتاج البيانات التي لَمْ تكن تِجاريَّة مِنْ قبل، ونَقِّب في البيانات الموجودة عَنْ قيمةٍ متوقَّعة، واحرص على ألَّا يقدر أحد غير الشَّركة على استغلال النَّواتج.

لو أعدنا صياغة مبدأ أرُو عكسيًا لتَبَدَّت تبعاته الثَّوريَّة: إذا كان اقتصاد السُّوق الحُرَّة مَعَ الملكيَّة الفكريَّة يؤديّان إلى ”قِلَّة استغلال المعلومات“، فإنَّ الاقتصاد القائم على تعظيم استغلال المعلومات لا يمكنه تحمُّل مُناخ السُّوق الحُرَّة ولا حقوق الملكيَّة الفكريَّة المُطْلَقة. نماذج أعمال كُلِّ العمالقة المعلوماتيّين المعاصرين مُصمَّمة لمنع الوفرة المعلوماتيَّة.

مع ذلك فالمعلومات وفيرة، إذ يمكن استنساخ السِّلع المعلوماتيَّة بلا قيد. فَفَوْرَ صنع شيءٍ منها يمكن نسخه و لصقه بلا حدود. كُلٌّ مِنْ القطعة الموسيقيَّة و قاعدة البيانات العملاقة التي تُستخدَم في بناء الطيّارة لها تكلفة إنتاج، إلّا أنَّ تكلفة نسخها تَؤُول إلى الصِّفر. لذا فإذا سادت آليَّة السِّعر الرَّأسماليَّة على مدى الزَّمن فإنَّ ثمنها سيؤول إلى الصِّفر أيضًا.

على مرِّ السَّنوات الـ25 الماضية كان عِلْمُ الاقتصاد يُصارِع هذه المشكلة: كُلُّ الاقتصاد التَّقليدي ينطلق مِنْ فَرْضِيَّةِ النُّدْرَةِ، و بالرُّغم مِنْ ذلك فإنَّ القُوَّة الأكثر ديناميكيَّة في عالمنا المعاصر وفيرة، وكما قال العبقري الهيبيّ سْتِيوَرْتْ بْرانْد ذات مَرَّة ”المعلومات تريد التَّحَرُّر“.

إلى جوار عالم المعلومات المُحتَكرَة و شيوع المراقبة الذي خلقته الشَّركات والحكومات تتنامى حالة مغايرة محورها المعلومات: المعلومات كسلعة اجتماعيَّة متاحة مجانًا لحظة استعمالها، لا يمكن تملُّكها ولا استغلالها جَوْرًا ولا تسعيرها. لقد دَرَسْتُ مساعي الاقتصاديّين و أساطين الأعمال لوضع إطارٍ لفهم ديناميكيَّات اقتصادٍ يقوم على معلوماتٍ وفيرةٍ يحوزها المجتمع، فوجدتُ أنَّ تصوُّرًا له قد وضعه اقتصاديٌّ مِنْ القرن التاسع عشر في حِقبة التِّلِغراف و المحرِّك البخاري. اسمه؟ كارل ماركس.

المشهد: كِنتِش تَاون في لندن في فبراير سنة 1858 حوالي الرَّابعة صباحًا. ماركس مُطارَد من حكومة ألمانيا، وها هو يجِدُّ في سطر تجارب عقليَّة وملاحظات لنفسه. عندما تتاح مطالعة ما خطَّه ماركس تلك اللَّيلة فإنَّ مثقّفي اليسار في عقد 1960 سيُقِرُّون بأنَّه ”يتعارض مع كُلِّ محاولة جادَّة لتفسير إرْثِ ماركس الفكري“. سُمِّيَ ذلك النَّصُّ ”قطعة الآلات“ (The Fragment on Machines).

في تلك القطعة تخيَّل ماركس اقتصادًا فيه دورُ الآلاتِ الإنتاجُ، و دَوْرُ البشر الإشراف عليها. و قد كان جليًّا فيما كتب كونُ القُوَّة الإنتاجيَّة الأساسيَّة في اقتصاد كذاك هي المعلومات. والقُوَّة الإنتاجيَّة لآلاتٍ مثل غزّالة القطن الآليَّة والتِّلغراف والقاطرة البخاريَّة لَمْ تكن تتوقَّف على كمِّيَّة العمل اللّازم لصنع تلك الآلات بَلْ على حالة المعرفة الاجتماعيَّة. بكلمات أخرى فإنَّ مساهمة التَّنظيم والمعرفة في القوَّة الإنتاجيَّة تفوق العمل اللّازم لصنع وتشغيل الآلات.

بالنَّظر إلى ما سيؤول إليه الفكر الماركسي لاحقًا -نظريَّةً في الاستغلال بناءً على سرقة وقت العمالة- فقد كان ذلك بحقٍّ تصريحًا ثوريًّا. لأنَّه يوصلنا إلى أنَّه فور تحوُّل المعرفة في حدِّ ذاتها إلى قُوَّة إنتاج متفوِّقة على قدر العمل اللّازم لإنتاج الآلة فإنَّ المسألة لا تعود ”الأجور مقابل الأرباح“ بَلْ مسألة مَنْ يتحكَّم فيما أسماه ماركس ”قُوَّة المعرفة“.

في اقتصاد تؤدّي فيه الآلات أكثر العمل فإنَّ طبيعة المعرفة المتجسِّدة في الآلات ينبغي أنْ تكون ”مجتمعيَّة“، بحسب ما كَتَبَ. في تجربة عقليَّة أخيرة في تلك الّليلة تخيَّل ماركس نقطة النِّهاية لذلك المسار: صُنْعُ ”الآلة المثالية“ التي تدوم إلى الأبد ولا تكلِّف شيئًا. فقال إنَّ الآلة التي يمكن صُنعُها بلا كُلفة لا تضيف أيَّة قيمة مطلقًا إلى صيرورة الإنتاج، وعبر الدورات المحاسبية سرعان ما ستخفِض تلك الآلة السَّعر والرَّبح وتكلفة العمل لكُلِّ ما تمسُّه.

فور إدراكنا كون المعلومات مادِّيَّةً وكون البرمجيات آلاتٍ وإنَّ التَّخزين و سِعَةَ النِّطاقِ وقُوَّة المعالجة تتهاوى أسعارها أُسيًا فإنَّ قيمة أفكار ماركس تصير جليَّة. نحن محاطون بآلات لا يُكلِّف إنتاجها شيئًا و يمكنها البقاء إلى الأبد إذا أردنا لها ذلك.

في تلك التأمُّلات التي لَمْ تُنشر إلى منتصف القرن العشرين تخيَّل ماركس أنَّ المعلومات سيُمكن تخزينها فيما أسماه ”العقل العمومي“ وهو عقلُ كُلِّ فرد على الأرض متَّصلًا بمعرفة اجتماعيَّة، بحيث أنَّ كُلَّ ترقية فيه تفيد الكافَّة. باختصار، فلقد تخيَّل ما يقارب اقتصاد المعلومات الذي نعيشه. وكتب إنَّ وجوده ”سينسف الرَّأسماليَّة نسفًا“.

بتغيّر الواقع على الأرض ضاع الدَّرب لما بعد الرَّأسماليَّة الذي تخيَّله يساريّو القرن العشرين.

لكنَّ دربًا غيره قد بان. فالإنتاج التعاوني، واستخدام التقنيَة الشَّبكيَّة لإنتاج السِّلع والخدمات التي لا تصلح إلّا إنْ كانت مجّانيَّة أو إذا ما شورِكت، كُلُّها تُحدِّد المسار الذي يلي نظام السوق. سيتطلَّب ذلك أنْ تضع الدَّولة الإطار، كما سبق ووضعت إطار العمل في المصنع والعُمْلَة و التِّجارة الحُرَّة في بدايات القرن التّاسع عشر. القطاع الـ “مابعدرأسمالي” سيتعايش على الأرجح مع قطاع السُّوق لعقود، لكنَّ تغيُّراتٍ بالغةٍ تحدث.

الشَّبكات تستعيد ”الرهافة“ إلى المشروع “مابعدالرَّأسمالي”. أيْ إنَّها تصلح أساسًا لنظامِ لاسوق يستنسخ نفسه ولا يتطلَّب استحداثه مُجدّدًا كلَّ صباح على شاشةِ حاسوبِ كوميسارٍ ما.

التَّحوُّل سيطال الدَّولة والسُّوق والإنتاج التَّشاركي فيما بعد السُّوق. لكنْ ليتحقَّق هذا تنبغي إعادة تهيئة مشروع اليسار كُلِّه، ابتداءً بمجموعات الاحتجاج وصولًا إلى أحزاب اليسار الدّيمقراطي والّليبراليَّة  التَّقليديَّة.

في الواقع، ففور فَهْمِ النّاس منطقَ التَّحوُّل “مابعدالرَّأسمالي” فإنَّ تلك الأفكار لنْ تعود حكرًا على اليسار، بَلْ ستعمُّ حركةً واسعةً سنحتاج لمسمَّيات جديدة لها.

مَنْ بوسعه تحقيق ذلك؟ في مشروع اليسار القديم كانت الطَّبقة العاملة الصِّناعيَّة. قبل مئتي عام حذَّر الصَّحفي الرَّاديكالي جُون ثِلْوُول بُنَاةَ المصانع الإنكليزيَّة مِنْ أنَّهم خلقوا نوعًا جديدًا خطِرًا مِنْ الدِّيمقراطيَّة: ”كُلُّ ورشة كبيرة و مصنع هي ضَرْبٌ مِنْ مجتمع مُسَيَّسٍ لا يمكن لأيِّ تشريع برلماني إسكاته ولا لأيِّ شرطي تفريقه“.

اليوم المجتمع كُلُّه مصنع. كُلُّنا نشارك في صنع وإعادة صنع الماركات والأعراف والمؤسَّسات المحيطة بنا. في الوقت ذاته فإنَّ شبكات الاتِّصال الضَّروريَّة للعمل والرِّبح اليوميَّين تعجُّ بالمعرفة التَّشاركيَّة و بالتَّذَمُّرِ. اليوم الشَّبكة هي ”ما لا يمكنهم إسكاته و لا تفريقه“، كالورشة منذ 200 عام.

بالطَّبع بوسع الحكومات حجب فيسبوك و تويتر وحتّى الإنترنت كلَّها وشبكات الهاتف المحمول أوقات الأزمات، شالَّة معها الاقتصاد. كما يمكن للحكومات تخزين ومراقبة كُلِّ كيلوبايت من المعلومات ننتجها. لكنَّهم لا يمكنهم إعادة فرض المجتمع الجاهل التَّراتبي المُقاد بالبروبَغانْدَا الذي وُجد منذ 50 عامًا، إلَّا في بلاد كالصِّين و كوريا الشَّماليَّة و إيران، أيْ بِتَرْكِ قسم كبير مِنْ مناحٍ هامَّة مِنْ الحياة المعاصرة. سيكون ذلك كما وصفه دارس علم الاجتماع مانويل كاسِلْزْ بمثابة إعادة البلد إلى ما قبل الكهربة.

بوجود ملايين الأفراد المتَّصلين شبكيًّا، المُستغَلِّين ماليًّا لكنَّهم لا تفصلهم غير نقرة أُنمُلة عَن جماع الذَّكاء البشري، فإنَّ الرَّأسماليَّة المعلوماتيَّة قد أوجدت عاملًا جديدًا للتَّغيير التاريخي: الإنسان المتعلِّم المُتَّصل.

سيكون ذلك أكثر مِنْ مجرَّد تحوِّل اقتصادي. توجد بالطَّبع مهامٌّ ملحَّة ينبغي إنجازها بالتَّوازي، كعكسِ تكربُن العالم و التَّعاطي مع القنابل السُّكّانيَّة والماليَّة الموقوتة. لكنّي أركِّز هنا على التَّحوُّل الاقتصادي الذي ستُضرِمُ شرارتَه المعلوماتُ لأنَّه كان مُتجاهَلًا إلى الآن. تقنيات النِّد للنِّد حُصرت في كونها هوسًا هامشيًّا يخصُّ المستشرفين، بينما ”اللّاعبون الكبار“ للجناح اليساري للاقتصاد يواصلون انتقاد التَّقشُّف.

في الواقع على الأرض في أماكن مثل اليونان يتواكب كُلٌّ مِنْ مناهضة التَّقشُّف وخلق ”الشَّبكات التي لا يمكن فيها التَّعثُّر عن الوفاء بالالتزامات“ -كما عبَّر لي أحد النُّشطاء. فالأهمُّ في “مابعدالرَّأسماليَّة” كمفهومٍ الأشكالُ الجديدة مِنْ السُّلوك البشري التي لا يعيرها الاقتصاد التقليدي اهتمامًا.

فكيف نتصوَّر التَّحوُّل الوشيك؟ المثال الدّال الوحيد لدينا هو حلول الرَّأسماليَّة مَحلَّ الإقطاع، وبفضل دارسي الأوبئة ودارسي الجينات ومُحلِّلي البيانات صِرنا نعرف عن ذاك التَّحوُّل ما يفوق كثيرًا ما كُنَّا نعرفه عنه منذ خمسين عامًا حينما كان الموضوع ”ملك“ العلوم الاجتماعيَّة. ما علينا إقراره أوَّلًا: أنَّ أطوار الإنتاج المختلفة لها هياكل مختلفة. الإقطاع كان نظامًا اقتصاديًا قوامه الأعراف والقوانين التي تحكم ”الالتزام“. أمّا الرَّأسماليَّة فقد كان قوامها اقتصاديًّا بحتًا: السُّوق. لذا فبوسعنا التَّنبُّؤ مِنْ ذلك بأنَّ “مابعدالرَّأسماليَّة” -المشروطة بالوفرة- لَنْ تقتصر على كونها شكلًا مُعدَّلًا مِنْ مجتمع السُّوق المُعقَّد. لكنَّنا بالكاد قادرون على رسم صورة حقيقيَّة لما ستكون عليه.

وَلَسْتُ أقصد بهذا التَّهرُّب مِنْ السُّؤال: فالمعالم الاقتصاديَّة العموميَّة لمجتمع “مابعدالرَّأسماليَّة”، ولنأخذ سنة 2075 مثالًا، يمكن تأطيرها. لكنَّ مجتمعًا قوامه تحرير الإنسان، لا الاقتصاد، لا يمكن التَّنبُّؤ بمُحدِّداته.

لنأخذ مثلًا ما كان باديًا لشيكسبير، الكاتب سنة 1600، مِنْ كون السُّوق قد استدعى سلوكيّات وأخلاقيّات جديدة. وبالقياس فإنَّ ما سيكون باديًا ”اقتصاديًّا“ لشيكسبير 2075 هو الفوران الكبير في علاقات الجِندَر والجُنسانيَّة والصِّحَّة. ربَّما لَنْ يوجد ساعتها كُتَّاب مسرح: ربَّما ستتغيَّر طبيعة الميديا التي نستعملها للحكي -كما تغيَّرت في لندن على عهد إليزَبِث عندما بُني أوَّل مسرح عمومي.

لِنَتَفَكَّر مثلًا في الفرق بين هوراشيو في “هاملِت” وشخصيَّةٍ مثل دانيال دُويْس في رواية “دوريت الصغيرة” لديكِنز، فكُلُّ شخصيَّة منهما بها هَوَسٌ يخصُّ عصرها؛ هوراشيو مهووس بالفلسفة الإنسانويَّة، ودُويْس مهووس بتسجيل براءة اختراعه. لا يُمكن لشخصيَّة مثل دُويْس أنْ توجَد في شيكسبير، و لو كان لها أنْ توجد فَلَمْ تكن لتزيد بروزًا عن كونها شخصيَّة مِنْ الطَّبقة العاملة، هامشيَّةً هزليَّةً. مع ذلك فبحلول العصر الذي وصف فيه ديكِنز شخصيَّة دُويْس كان أكثر قرائه يعرفون شخصًا مثله. وكما لَمْ يكن لشيكسبير تخَيُّل دُويْس فنحن كذلك لا يمكننا تَخيُّل طبيعة الكائن الإنساني الذي سيُنتجه المجتمع عندما يصير الاقتصاد غير أساسي للحياة. لكن بوسعنا رؤية إرهاصاته في حيوات الشَّباب في جميع أنحاء العالم، الذين يُكسِّرون حوائط القرن العشرين حول الجُنسانيَّة والعمل والإبداع والذَّات.

اصطدم النَّموذج الزراعي الإقطاعي أوَّلًا بالحدود البيئيَّة ثم بصدمة خارجيَّة هي الطّاعون الأسود. بعد ذلك أتت صدمة ديموغرافيَّة: لَمْ يتبقَّ سوى عدد صغير مِنْ العمَّال لفلاحة الأرض، مِمّا زاد من أجورهم و حال دون فرض نظام الالتزام الإقطاعي العتيق. نقص العمالة كان دافعًا للابتكار التِّقني. التِّقنيات الحديثة التي دعَّمت صعود رأسماليَّة التُّجّار كانت هي التي حفزت التجارة، أيْ الطِّباعة والمُحاسبة؛ وتلك التي حفزت خلق ثروات تُمكِن مبادلتُها، أيْ التَّعدين والبوصلة والسُّفن السريعة؛ وما حفزت الإنتاجية، أيْ الرِّياضيّات والأسلوب العلمي.

كما كان حاضرًا أثناء الصَّيرُورة كُلِّها عنصران بَدَيَا للنِّظام القديم عرَضِيَّيْن، ألا وهما النُّقود والائتمان، لكنْ قُدِّر لهما أنْ يكونَا أساس النِّظام الجديد. في الإقطاع صيغت قوانين وأعراف عديدة مضمونها تجاهُل النُّقود. أمّا الاقتراض فقد عُدَّ في أوج الإقطاع خطيئةً. لذا فعندما اجتاح النَّقدُ والائتمان تلك الحوائط خالقين نظام السُّوق فقد بدَا ذلك كثورة. ثم إنَّ ما أوجد في النظام الجديد زخمه كان اكتشاف الثَّروات غير المتناهية في الأمريكتين.

توليفة العوامل تلك أدَّت بمجموعة من النَّاس كانوا مُهمَّشين في الإقطاع -الإنسانويّين والمشتغلين بالعلوم والحرفيّين والمحامين والدُّعاة الدِّينين الرَّاديكاليّين وكُتَّاب المسرح البوهيميّين مِنْ أمثال شيكسبير- إلى أنْ يصبحوا على رأس التَّحوَّل الاجتماعي. وفي الّلحظات الفارقة تحوَّلت الدَّولة مِنْ إعاقة التَّحول إلى تشجيعه، وإنْ كان على استحياء في البداية.

أمَّا اليوم فما ينخر الرَّأسماليَّة دون أنْ يعقله الاقتصاد التقليدي هي المعلومات. أغلب القوانين المتعلِّقة بالمعلومات تمنح الشَّركات حقَّ مراكمتها وحقَّ الحكومات في النَّفاذ إليها دون التفاتٍ إلى حقوق المواطنين الإنسانيَّة. معادل المطبعة والأسلوب العلمي هي تقنية المعلوماتيَّة وفيضها على التِّقنيات الأخرى، مِنْ الجينات إلى الرِّعاية الصِّحية إلى الزِّراعة إلى الأفلام، وهي فيها جميعا تُقلِّل التَّكلفة سريعًا.

أمَّا المعادل المعاصر للرُّكود الطَّويل في نهاية الإقطاع فهو التَّعطُّل في انطلاق الثَّورة الصِّناعيَّة الثَّالثة الذي في غضونه، عوضًا عَنْ إحلال الميكنة محلَّ العمالة، فإنَّنا نكتفي بخلق ما يسمّيه دافيد جريبَر ”الوظائف الهُرائيَّة“ بأجور منخفضة. اقتصادات عديدة راكدة الآن.

فما المعادل المعاصر لمصدر الثَّروة المجّانيَّة؟ هي ليست ثروة بالضَّبط: بَلْ هي ”الخارجيّات“، تلك الأشياء المجّانيَّة وصلاح الحال النّاتج عن التَّفاعل الشَّبكي. إنَّه نبوغ إنتاج اللاسوق، والمعلومات التي لا يمكن تملُّكها، وشبكات الأنداد والمؤسَّسات التي بلا إدارة. الإنترنت كما يصفها الاقتصادي الفرنسي يان موليير-بوتانگ هي ”القارب والبحر“ في المعادل المعاصر لاكتشاف العالم الجديد. في الواقع هي السَّفينة والبوصلة والبحر والذَّهب.

أمَّا الصَّدمات الخارجيَّة المعاصرة فبادية: استنزاف الطّاقة، والتَّغيُّر المناخي، وتعاجز السُّكّان، والهجرة. فهذه تُغيِّر ديناميكيّات الرَّأسماليَّة لتجعلها غير فعّالة على المدى الطويل. إلى الآن لَمْ يكن لتلك العوامل الوقع الذي كان للطّاعون الأسود، لكنْ كما رأينا في نيو أورلينز سنة 2005 فإنَّ الأمر لا يتطلَّب الطّاعون الدبلي لهدم النِّظام الاجتماعي والبنيَة التحتيَّة الفعّالة في مجتمع مُعقَّدٍ ماليًا مُعوَز.

فور أنْ نفهم التَّحوُّل على هذا النَّحو فإنَّ المطلوب لا يعود خطَّةً خمسيَّةً بالغة الإحكام، بَلْ مشروعًا يُهدَف به إلى نشر تلك التِّقنيَات ونماذج الأعمال و السُّلوكيّات التي تُحلِّل قوى السُّوق وتؤمِّم المعرفة وتَجْتَثُّ الاحتياج إلى العمل وتدفع بالاقتصاد نحو الوفرة. أسمِّيه المشروع صفر، لأنَّ أهدافه هي: اقتصادٌ صفري الانبعاثات الكربونيَّة، وإنتاج آلاتٍ وسلع وخدمات بتكلفة حديَّة صفريَّة، وتقليل وقت العمل اللازم بقدر الإمكان إلى ما يقرب الصِّفر.

أغلب يساريّي القرن العشرين آمنوا بأنَّهم لَمْ تكن لديهم رفاهية الإقدام على تحوِّل تدريجي مُدار: لقد كان مِنْ أركان الإيمان لديهم استحالة وجود أيٍّ مِنْ ملامح النِّظام القادم في النِّظام القديم، وذلك بالرُّغم مِنْ السَّعي الدّائم للطَّبقة العاملة لخلق حياتها داخل الرَّأسماليَّة وبالرُّغم منها. نتيجةً لذلك فَفَوْرَ تلاشي إمكانيَّة التَّحوِّل على النَّمط السوفيتي أصبح اليسار المعاصر منشغلًا بمعارضة كُلِّ شيء: خصخصة النِّظام الصِّحيِّ، والقوانين المناهضة للاتِّحادات العمَّاليَّة، واستخراج الوقود الحفري بالتَّصديع المائي (fracking) – والقائمة تطول.

إذا كنتُ مُحِقًّا فإنَّ شاغل مؤيِّدي “مابعدالرَّأسماليَّة” بناءُ بدائلَ داخل النِّظام، واستخدام القدرة الحكوميّة على أنحاء جذريَّة مُزعزِعة  (disruptive)، وتوجيه كُلِّ الفعل نحو التَّغيير، وليس شاغلُهم الدِّفاع عَنْ عناصر عشوائيَّة مِنْ النِّظام القديم. علينا التَّفريق ما بين المُلِحِّ و الهامِّ، فهما أحيانًا لا يتطابقان.

قُوَّة الخيال ستكون محوريِّة. ففي مجتمع المعلومات لا تَتَبَدَّدُ أيُّ فكرة ولا جَدَلٍ ولا حُلْم، سواء طرأت في مُخيَّمٍ أو زنزانة أو مساحة التَّرفيه في شركة ناشئة.

وكما هو الحال في التَّصنيع الافتراضي فإنَّ الجهد المبذول في التَّصميم في أثناء التَّحوُّل إلى “مابعدالرَّأسماليَّة” يقلِّلُ الأخطاء في مرحلة التَّطبيق. وتصميمُ العالم “مابعدالرَّأسمالي”، كما في البرمجيّات، يمكن أنْ يكون تركيبيًّا (modular)، إذْ يمكن لأشخاص عديدين العمل عليه في أماكن عِدَّة بسرعات عِدَّة باستقلال نسبي عن بعضهم البعض. لو كان لي استحضار شيء واحد إلى الوجود بأمنيَة مُجابة لَتَمنَّيتُ مؤسَّسة عالميَّة تُنمذج الرَّأسماليَّة كما ينبغي: نموذجَ مُحاكاةٍ مفتوحِ المصدر للاقتصاد كُلِّه، الرَّسمي مِنْهُ والرَّمادي والأسود. فكُلُّ تجربة تُجرى فيه ستُغنيه، سيكون مفتوح المصدر  وفيه مِنْ عناصر البيانات بقدر ما في نموذج لمُحاكاة المُناخ.

التناقض الأساسي اليوم يكمن في إمكانية وجود السِّلع و المعلومات الوفيرة المجّانيَّة، إلى جوار نظام مِنْ الاحتكارات، والبنوك والحكومات التي تجاهد لاستبقاء السِّريَّة والنُّدرة والتِّجاريَّة. المسألة كُلُّها تُختزَلُ إلى صراع بين الشَّبكة والتَّراتبيَّة: بين أنساق المجتمع العتيقة المجبولة على الرَّأسماليَّة وأنساق المجتمع الجديدة التي تَسْتَشْرِفُ الآتي.

هل مِنْ اليوتوبيَّة التَّصديق بأنَّنا على شفَا تطوُّر تالٍ للرَّأسماليَّة؟ نعيش اليوم عالمًا فيه يمكن للمثليّين مِنْ الرِّجال والنِّساء الزَّواج، وفيه في غضون 50 عامًا جعلت وسائلُ منع الحمل نساءَ الطَّبقة العاملة أكثر حرِّيَّةً مِنْ أكثر أفراد جماعة بلومزبري تحرُّرا. فلِمَ إذن يصعب علينا تصوُّر الحرِّيَّة الاقتصاديَّة!

إنّ الصَّفوة -المنعزلين في عالم ليموزيناتهم الدّاكنة- هم الذين يبدو مشروعهم في قنوط جماعات نهايَة الألفيَّة في القرن التّاسع عشر. ديمقراطيَّة فِرَقِ مكافحة الشَّغب والسِّياسيّون الفاسدون وصحافة الأقطاب ودولة المراقبة الشاملة تبدو اليوم في زيف وهشاشة ألمانيا الشَّرقية منذ 30 عامًا.

كُلُّ قراءات التّاريخ البشري ينبغي أنْ تَأَخُذَ في حسبانها النَّتيجة السَّلبيَّة. هذا هو ما يوحِشُنا في أفلام الزّومبي وأفلام الكوارث وأفلام الخراب الأبوكَلِبسي مِنْ أمثال The Road أو Elysium. لكن لِمَ لا نرسم صورة للحياة المثاليَّة، مبنيَّة على الوفرة المعلوماتيَّة، وعلى مجتمع غير تراتبي وعلى فصل العمل عن الأجر؟

ملايين الناس آخذون في إدراك أنَّهم قد اشتروا حُلْمًا يتعارض مع ما يُمكن إدراكه في الواقع. فيكون رَدُّ فعلهم الغضب و الانسحاب إلى أنماط مِنْ الرَّأسماليَّة القوميَّة التي لا يمكن أنْ تؤدي إلّا إلى تمزيق العالم. مشاهدة ذيوع صيت هؤلاء، بدءًا من فصائل سيريزا المناصِرة خروجَ اليونان من الاتِّحاد الأوربي، و انتهاءً بالجبهة الوطنيَّة الفرنسيَّة، و الانعزاليَّة اليمينيَّة الأمريكيَّة، كان كمشاهدة تَحقُّق الكوابيس التي راودتنا أثناء أزمة شركة ليمان إخوان القابضة.

نحن بحاجة إلى ما يزيد على حفنة من الأحلام اليوتوبيَّة والمشروعات الصَّغيرة الأفُقِيَّة. نحن بحاجة إلى مشروعٍ مبني على العقل و البرهان و التَّصميمات القابلة للاختبار، مشروعٍ يَنساب مع مجرى التَّاريخ و يكون قابلًا للاستدامة كوكبيًّا. و علينا الشروع في هذا فورًا.

اعلان