درس الأستاذ الأخير

لم تكن أربع وعشرون ساعة قد مرت على إشارة تامر أمين إلى مؤخرة رأسه “قفاه” تعليقًا على ما فعله الفتى الذي أقنع ثلاثة أرباع صحفنا وقنواتنا أنه فاز بجائزة مسابقة عالمية لحفظ القرآن لم تقم، تجول النصاب بين ستوديوهات المحطات الواقعة تحت تأثير كتابات على فيسبوك اتهمتها بتجاهل حافظ كتاب الله بينما تفتح بابها للراقصين؛ فقررت أن تلحق الصيد فسقطت فريسة لنصب فتى لم يتجاوز العشرين.

كان الدرس واضحًا للجميع، لكن أحدًا لم ينتبه.

بعدها بساعات قليلة كانت الصحافة تنقل خبر وفاة أبرز صناعها متشككة في دقة الخبر، عمّن ننقل الخبر؟ تصريحات متضاربة، بعض الصحفيين الذين يدّعون وصلًا به نفوا الخبر، لكن سرعان ما حسم الأمر نعي الرئاسة تلاه باقي مؤسسات الدولة. لكن درسًا جديدًا كان في الطريق.

الصحافة المصرية تنقل أخبارًا وتصريحات عن “حفيدة هيكل” من حساب على فيسبوك تنشر صاحبته مقالات من موقع مغمور اسمه “الحياة المصرية” وموقع آخر تفنن في نشر الأخبار الكاذبة والشائعات اسمه “الموجز”، لم يثر هذا فضول أي شخص. حفيدة الأستاذة تترك كل هذا لتصرح وتعيد نشر تصريحاتها عن وفاة “جدها” على حسابها الشخصي.

يوم كهذا مقياس على ما وصلت إليه صحافتنا.

معظمنا ينتظر الصباح بحماس ليرى ما ستخرج به صحف مصر في يوم وداع أشهر من عمل بهذه المهنة في الوطن العربي، زاد من الترقب بشائر تغطية صحيفة السفير اللبنانية التي تُقَدِّر هيكل ويُقَدِّرها ويخصها بلقاء سنوي مع صناعها.

“صديق الزمن”.. عنوان شاعري أنيق كتبته سحر مندور في الصحيفة اللبنانية بينما موقع صحيفة الوطن المصرية يكتب في ذات اللحظة خبرًا عنوانه “مصطفى الفقي يرفض التصريح لسي بي سي أثناء جنازة هيكل”، بينما الصحف تتنافس لنقل تصريحات هاتفية من حفيدته التي لم يسمع بها أحد من قبل.

حسابها مريب.. لديها ما يزيد على ثلاثة آلاف متابع، وبيننا أكثر من عشرين صديق مشترك، كيف لم يسمع أي منا بهذه الحفيدة.. لحظة.. في جولة سريعة ستكتشف امتلاء حسابها بأخبار ومقالات منشورة في واحد من أكثر المواقع الإخبارية اصفرارًا.

محمد مكاوي على منتدى للصحفيين اكتشف الأمر كذلك، فكتب على حسابه الشخصي أنه تواصل معها وشك في أمرها بينما هي على الشاشات تتحدث بثقة عن اللحظات الأخيرة لجدها، وقيمته التاريخية، وتضرب موعدًا مع قناة أخرى لتظهر معها في الصباح.

حين تيقن الجميع أن “هند هيكل”، التي ترفق هاشتاج حفيدته في كل ما تنشره، لا علاقة لها به، سطت الصحف التي نشرت تصريحاتها على التقارير والكتابات التي فضحتها وتعاملوا كأنهم أول من كشف الأمر بلا اعتذارات أو توضيح أو استدراك.

لم تتوقف الكارثة عند هرولة القطاع الأكبر من الصحفيين إلى ويكيبديا واستخدام القص واللزق في كتابة تقارير بائسة خالية من أية زوايا جديدة، أو جهد في الذهاب إلى الأرشيف، أو استعادة أي من كتاباته عن المهنة وذكرياته.

حين كان غسان شربل يكتب لصحيفة الحياة مقاله في الصفحة الأولى عن ذكرياته ولقاءاته بالرجل، وتقديره لإخلاصه للأسئلة والمعرفة كجزء أصيل من هذه المهنة، ما جعل الكثيرين يعبرون فوق أي خلاف في الموقف السياسي والرؤى، فيستقر في أعينهم كرقم فارق في معادلتي الصحافة والسياسة حسب ترتيبه للأولويات، كانت الأهرام.. الصحيفة التي حوّلها إلى اسم مقترن باسمه، وقلعة صحافة، تنقل خبرًا عن تألمه بشدة قبل أن يموت بتناول دواء خاطئ.

في صفحتها الأولى من عدد اليوم عن رحيل هيكل ختمت الأهرام افتتاحيتها -التي صُنعت على عجل لا يليق بالرجل ولا بما يحتويه العدد نفسه من مواد وقصص وصور أرشيفية بديعة- باقتباس من وصيته الأخيرة لصحفييها في ديسمبر الماضي، والتي شدّد فيها على كون الخبر الصحفي ملك متوج على رأس فنون المهنة، ودعوته لهم للحفاظ على مكانة الصحيفة الأولى مصريًا وعربيًا، لكن قبلها بساعات قليلة كانت البوابة الإلكترونية للصحيفة قد حذفت تصريحات حفيدته المزعومة بعد اكتشاف الخديعة، لكن كثيرون ظنوا أنها مؤامرة ما انتهت بسحب الخبر ومحاولة التغطية عليه. بدأت تحليلات للواقعة التي لم تقع. لماذا حدث هذا؟ من أعطاه الدواء؟ لم يفكر كثيرون أو يعرفوا أن “حفيدة هيكل”  نصابة لأن الخبر بقي ظاهرًا في الأهرام، وإن كان رابطه يقودك إلى صفحة أخرى دون توضيح.

لم تقدم أي وسيلة إعلامية مصرية من التي تورطت في نقل هذه الأكذوبة، وصناعة هذه الكارثة التي تصلح كعنوان عريض لحال هذه المرحلة من صحافتنا، أي اعتذار أو توضيح لما حدث. سنكتفي بحذف جسم الجريمة من على موقعنا الإلكتروني ونستمر في انتظار هند أخرى.

في مقطع من كتابه الأهم “بين الصحافة والسياسة” يقول هيكل : أعرف كم هي ضعيفة ذاكرة البشر أمام الأيام وأمام الأهواء، وهكذا فإنني طول عمري أسجل وأكتب وأحتفظ بكل ورقة أشعر أن ملف التاريخ الذي عشته قد يحتاجها في يوم من الأيام”.

اعلان
 
 
أحمد خير الدين 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن