Define your generation here. Generation What
الاختفاء القسري يكسر حواجز الصمت
 
 

في أقل من عام انتقل وزير داخلية مصر من الإنكار التام لاتهامات بارتفاع معدلات الإخفاء القسري إلى تناول الظاهرة من خلال عدة تصريحات والاشتباك مع المجلس القومي لحقوق الإنسان بشأن تحديد أماكن من وصفوا بأنهم ضحايا.

في يناير أصدر المجلس القومي القائمة الأولى بأسماء المختفين قسريًا الذين كشفت وزارة الداخلية عن مكان تواجدهم. بحسب تلك القائمة كان 15 فردًا قد أخلي سبيلهم في حين لم يزل 90 رهن الحبس الاحتياطي على ذمة التحقيقات، إضافة إلى ثلاثة هاربين وشخص آخر، أكدت الداخلية، أنه هارب من أسرته.

جاءت تلك القائمة نتيجة مراسلات متبادلة بين وزارة الداخلية والمجلس القومي لحقوق الإنسان لكشف مصير مئات من المواطنين أبلغت أسرهم عن اختفائهم قسريًا.

معركة الأهالي من أجل تحديد أماكن تواجد أحبائهم معركة شديدة الوحدة، خاصة بعد أن أصبح الإخفاء القسري أداة شائعة الاستخدام في إطار الهجمة الأمنية التي بدأت في عام 2013. إلا أن الأمر تغير قليلًا في الصيف الماضي بعد الاعتقال عن طريق المصادفة لطالبة حصلت قضيتها على تغطية إعلامية مكثفة على مدار أسبوعين.

ألقي القبض على إسراء الطويل، 23 سنة مع صديقيها عمر محمد وصهيب سعد في يونيو 2015 بعد أن انتهوا من تناول العشاء. وظل مكان تواجدها خافيًا عن أسرتها إلى أن شوهدت في سجن النساء بالقناطر بعد اختفائها بأسبوعين. وبحسب شهادة الثلاثة، فإن الضابط الذي ألقى القبض عليهم كان يتحدث على الهاتف ويسأل عما يجب عليه عمله مع الشخصين اللذين وجدهما مع “سعد”، ما يشير إلى أن “سعد” كان هو المستهدف الرئيس.

يظل الإسلاميون أو المرتبطين بالحركة الإسلامية بحكم مشاركتهم في الاحتجاجات، هم أكثر ضحايا الاختفاء القسري، بحسب عبد الرحمن جاد، الباحث في برنامج العدالة الجنائية وأحد مؤسسي حملة أوقفوا الاختفاء القسري. والذي يضيف أن ضحايا الاختفاء القسري من غير الإسلاميين هم من جذبوا تعاطف الرأي العام وسمحوا باتساع الحملة التضامنية معهم، ما فرض على السلطات تناول القضية.

كانت قضية اسراء الطويل على وجه الخصوص الأكثر إحراجا لوزارة الداخلية بعد أن أصرت على إنكار وجود إسراء في حوزتها لكافة وسائل الإعلام، بل والتأكيد على أنها تتواصل مع كافة القطاعات بحثًا عنها. ثم شوهدت إسراء في سجن القناطر وحولت للمحكمة حيث تم تجديد أمر الحبس الذي سبق للدولة أن أنكرته. كانت صحة الطويل قد شهدت تدهورًا بسبب الإهمال الطبي لإصابة في النخاع الشوكي نتيجة طلق ناري في ظهرها أثناء فض الاحتجاجات في الذكرى الثالثة لثورة 2011. ظلت إسراء رهن الحبس بتهمة الانتماء لمنظمة إرهابية حتى أخلي سبيلها على ذمة القضية لأسباب صحية في ديسمبر 2015.

بعد جهود متفرقة من جانب نشطاء ومحامين حول قضايا فردية بالتعاون مع منظمات حقوقية منذ بداية 2014، شهد أغسطس 2015 بداية قوية لحملة ضد الاختفاء القسري بقيادة المفوضية المصرية للحقوق والحريات. بالتزامن مع اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري بدأت المفوضية حميلة إعلامية على وسائل التواصل الاجتماعي انتشرت سريعا وجذبت اهتمام وسائل الإعلام الرئيسية.

في أثناء ذلك أدانت شخصيات عامة تلك الممارسة مثل محمد البرادعي الحائز على جائزة نوبل، مما زاد من انتشار الحملة. ومع تحول القضية لهم عام بدأ الإعلام يتناولها بانتظام وصل ذروته في ديسمبر. حتى أن الإعلامي وائل الإبراشي، الذي نادرًا ما ينتقد الحكومة، خصص  حلقة كاملة من برنامجه لمناقشة الاختفاء القسري في شهر ديسمبر، واصفًا الأمر بأنه كارثة وفضيحة دولية، مع التنويه إلى أن مسئولية الدولة عنه ليست مؤكدة. في الشهر نفسه تناول الإعلامي عمرو أديب القضية ذاتها واصفًا إياها بأنها أعلى مستويات الإرهاب المدعوم من الدولة وأنه لا يمكن تجاهلها.

ومع زيادة اهتمام الرأي العام بدأت الصحف أيضًا في البحث في قضية الاختفاء القسري.

منذ شهر أغسطس وثقت المفوضية المصرية للحقوق والحريات 340 حالة اختفاء قسري، تم تحديد أماكن تواجد 175 ضحية منها على حين يظل الباقون مختفين. وبحسب حليم حنيش، محامي المفوضية، فإن حوالي نصف من ظهروا كانوا في السجون باتهامات تراوحت بين التظاهر غير القانوني إلى التخطيط لعمليات إرهابية.

يقول حنيش إن المرة الأخيرة التي لجأت فيها الدولة إلى ممارسة الاخفاء القسري بهذه الكثافة كان خلال موجة الإرهاب في التسعينيات مع الاعتقالات الجماعية للإسلاميين.

تعرف المواثيق الدولية الاختفاء القسري بأنه حين تقوم الدولة أو المتعاونين معها باختطاف أو سجن شخص ثم ترفض الإفصاح عن مصيره أو مكان تواجده.

فيما يقول حنيش إن القانون المصري لا يعترف بوجود الظاهرة، لكنه يجرم الكثير من نتائجها مثل الاحتجاز غير القانوني والتعذيب وسوء المعاملة، والتي كثيرًا ما يتعرض لها المختفون قسريا.

في أكثر أشكاله قسوة ينتهي الاختفاء القسري بالموت في غياب أي حقوق قانونية للمعتقلين.

في يناير تلقت أسرة أحمد جلال مكالمة تليفونية تطلب منهم أن يذهبوا لتسلم جثته بعد 10 أيام من اعتقاله من المنزل وإخفائه قسريًا في مكان غير معلوم.

الزخم الذي بدأ بقضية الطويل وصل ذروته مع قيام المجلس القومي لحقوق الإنسان بعرض القضية على وزارة الداخلية في شهر ديسمبر وإصدار الوزارة لقائمة من الأسماء في يناير. المجلس الذي تأسس في عام 2003 هو هيئة شبه رسمية عُين أعضائه، بسبب غياب البرلمان، بواسطة رئيس الوزراء.

تتذكر راجيه عمران، عضو القومي لحقوق الإنسان، أن تعاون الوزارة لم يكن فوريًا. فقد بدأ المجلس في تناول القضية بعد اختفاء أسراء الطويل في يونيو 2015. وتقول عمران إن المجلس حدد يومًا من كل أسبوع لعائلات الضحايا ليأتوا لمقره ليقدموا شكاواهم التي رفعها المجلس بدوره إلى الوزارة. وتقول إنها، مع زملائها جورج إسحاق وكمال عباس أجبروا المجلس على تناول القضية من خلال تنظيم لقاءات دون إخطار أحد.

سبق وأن شهدت علاقة عمران مع أعضاء آخرين في المجلس توترَا بسبب ضغوطها على المجلس لتجاوز حدود وظيفته المحكومة نتيجة ارتباطه بالدولة.

في البداية لم يستجب وزير الداخلية لطلبات المجلس، ولكن مع تعاظم اهتمام الرأي العام والضغط الإعلامي تغير الوضع، تضيف عمران.

انتقد مساعد وزير الداخلية لشئون حقوق الإنسان تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان حول الاختفاء القسري في شهر أكتوبر، واصفًا إياه بأنه يفتقد إلى الأسانيد، وأصر على أن الوزارة لا تحتجز الأشخاص إلا من خلال السبل القانونية. في تقريره الذي صدر في شهر يونيو وثق المجلس 163 حالة اختفاء، وصف 66 منها بأنها حالات اختفاء قسري.

في أوائل ديسمبر قال ناصر أمين عضو المجلس القومي أن الداخلية لم ترد بعد على تساؤلات المجلس بشأن 163 شخص مختف وردت أسماءهم في تقريره.

بدأ التعاون مع وزارة الداخلية باجتماع بين وزير الداخلية مجدي عبد الغفار ورئيس المجلس محمد فائق، حيث قدم الأخير تقارير عن المختفين قسريا. ويعتقد المراقبون أن الاجتماع عقد بناء على تعليمات من السيسي.

تقول عمران إن الكثيرين ممن حضروا بشكواهم للمجلس استهدفوا بسبب مشاركتهم في احتجاجات الإخوان المسلمين بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي في 2013.

تعتبر حالة أسرة أبو بكر عاطف حالة نموذجية. كان أبو بكر في منزله في منطقة الدويقه يوم 28 يوليو من العام الماضي حين اقتحمت الشرطة المنزل. كان المستهدف من الحملة الأمنية هو والده عاطف محمد، تاجر الجملة، لمشاركته في احتجاجات رابعة العدوية. يتذكر الابن الكثير من التردد بشأن طريقة التصرف مع الآخرين في المنزل.

يقول إن الشرطة في البداية أخذت والده وحده وتركت الآخرين، ثم قررت أن تأخذ الموجودين من الذكور، بما في ذلك هو شخصيًا وشقيقه يحيى، إلى مدخل المنزل وتقييد أيديهم.

“في البداية قال أحدهم اتركوهم، ثم قال آخر، آتوا بهم. بعد استجوابنا نزعوا عنا القيود ثم أشار أحدهم إلى يحيى وقال: لا، ابقوا على هذا”، يحكي أبو بكر، مرجحا أن لحية شقيقه القصيرة كانت السبب وراء تغيير رأي الضابط والقبض عليه. كان المفترض أن يلتحق يحيى بالسنة الثالثة بكلية الزراعة، جامعة الأزهر، لكن حيث أنه ضحية للاختفاء القسري فلم يتمكن من التسجيل مثلما يفعل الطلاب الذين تعترف الدولة باحتجازهم.

اتبعت أسرة عاطف الخطوات المعتادة للمختفين قسريا في بحثها عن يحيى أبو بكر ووالده. قدموا بلاغًا في قسم الشرطة وأرسلوا خطابات إلى وزارة الداخلية والنائب العام.

حنيش، الذي يقوم بهذه الرحلة إلى أقسام الشرطة ومكتب النائب العام بشكل يومي تقريبًا؛ لتقديم تلك البلاغات نيابة عن الضحايا، يقول إنه في الأغلب يتم تجاهل تلك البلاغات، إلا أن فائدتها العملية الوحيدة هي توثيق الحالة؛ حماية للضحية من اتهامات قد توجه له في حال ظهوره. ويستطرد، في العديد من الحالات، يظهر الضحايا متهمين بأحداث وقعت أثناء احتجازهم.

مع ذلك فقد حصلت أسرة عاطف على رد نادر. اتبعت النيابة المعتاد من إرسال بلاغ إلى قسم الشرطة المختص، وحيث ينتهي الأمر في العادة. لكن في هذه الحالة اعترف قسم الشرطة بأن قوات من الأمن الوطني هي من قامت بالاقتحام وإلقاء القبض على الرجلين.

إلا أن هذا الاعتراف، الذي يعتقد حنيش أنه ربما جاء عن طريق الخطأ من أحد صغار الضباط، لم يساعد الأسرة كثيرًا. فمنذ ذلك الوقت رفضت السلطات الاعتراف باحتجاز الرجلين ولا تزال الأسرة تحصل على معلوماتها عنهما من محتجزين آخرين عن طريق الصدفة.

قبل أن تبدأ وزارة الداخلية في إعطاء بعض المعلومات كانت تلك هي الوسيلة الرئيسية للحصول على أي معلومات بشأن المختفين قسريا. حيث وضع المحتجزون نظاما يبلغ فيه كل من أخلي سبيله أو أتيح له الاتصال بالعالم الخارجي عن طريق المحامين عن المختفين قسريا الذين التقاهم.

لكن حتى بعد أن تتعرف الأسر على مكان تواجد أحبائهم تستمر الدولة في انكار احتجازهم، ويظلوا محرومين من الحقوق المكفولة لباقي السجناء، مثل حق الزيارة.

في حالات مثل حالة اختفاء أشرف شحاته، عضو حزب الدستور، الذي اختفى منذ أكثر من عامين، تتمكن الأسر من الحصول على تأكيدات غير رسمية من مصادر أمنية بأن فرد الأسرة المختفي في حوزتهم. مع ذلك تستمر الدولة، على المستوى الرسمي، في إنكار احتجازهم. قضية أشرف شحاتة بدورها لفتت انتباه الإعلام إلى هذه الظاهرة كونه عضوا في حزب ليبرالي وبسبب جهود زوجته مها المكاوي في البحث عنه والترويج لقضيته. تقول المكاوي إنها تحصل على تأكيد غير رسمي من وسطاء بأن زوجها في حوزة الدولة، لكنها لم تحصل حتى الآن على رد رسمي. نتيجة خطأ من جانب المجلس القومي لحقوق الإنسان ورد اسم أشرف شحاتة في قائمة الأفراد التي أرسلتها الوزارة في يناير، ما أعطى الأسرة أملا زائفا، حيث اتضح أنها حالة تشابه أسماء مع شخص آخر.

رغم أن الحصول على رد من الوزارة يمثل تحسنًا كبيرًا عن حالة الإنكار التام وعدم الرد، إلا أن جاد، من حملة أوقفوا الإخفاء القسري، يقول إن لذلك حدود. حيث أن رد الوزارة لا يعتبر اعترافًا بممارسة الاختفاء القسري وإنما مجرد تسجيل وجود بعض الأفراد بهدف دحض كونهم ضحايا اختفاء قسري. ويقول جاد إن الكثير من الأفراد الذين وردت أسماؤهم في القائمة المرسلة من الوزارة كانوا مختفين لفترة قبل أن يظهروا في قضايا جنائية، كما ورد في تقرير الوزارة.

إحدى تلك الحالات هي حالة إسلام خليل الذي وجهت له اتهامات بعد اختفاء دام أربعة شهور. ظهر إسلام في شهر سبتمبر في نيابة الإسكندرية ولا يزال رهن الاحتجاز بتهمة الانضمام إلى الإخوان المسلمين والتحريض على العنف واستخدام الإرهاب لقلب نظام الحكم. في رسالة من محبسه روى خليل عن سوء المعاملة والتعذيب الشديد الذي تعرض له.

لا تزال الوزارة تقدم أسبابا متعددة لاختفاء الضحايا. في مقابلة تليفزيونية في أوائل هذا الشهر قال أبو بكر عبد الكريم المتحدث باسم وزارة الداخلية، إن عددًا كبيرًا ممن يقال إنهم مختفين هربوا إلى سوريا وبلاد أخرى للانضمام إلى الجماعات المتطرفة.

كما اتضح مؤخراً أنه على الرغم من تعاون المجلس القومي لحقوق الإنسان مع أهالي المختفين، إلا أن رئيس المجلس، محمد فائق، يرى الاختفاء من وجهة النظر نفسها التي تنظر بها وزارة الداخلية للأمر، ففي حديث مع المصري اليوم نشر يوم الجمعة الماضي، استنكر فائق توصيف الاختفاء القسري في مصر بالظاهرة، مؤكداً أن الأمر يقتصر على يومين على الأكثر بسبب أخطاء في تنفيذ القانون ويظهر الأشخاص بعدها. كما ردد فائق نفس نظرية الوزارة وهي أن الإخوان المسلمين هم المسئولون عن ترويج لحملة تدعي بوجود الظاهرة وتبالغ في أعداد المعتقلين، كما كرر أن العدد المحدود الذي اختفى فعلياً سافر لدول مجاورة لمصر! 
 
اعلان
 
 
هبة عفيفي