Define your generation here. Generation What

فلسفة السجون مشدّدة الحراسة.. “العقرب” نموذجًا

تُمثّل السجون مشدّدة الحراسة (Super-maximum security prisons) أحد أبرز منتجات العنف القانوني للدولة -رغم اعتراف المختصّين بغموض وضعها الدستوري حتى الآن- حيث تُعتَبر نمطًا من السجون مصمماً لإيواء المساجين شديدي الخطورة على الحُراّس والمساجين الآخرين، بطريقة العزل بالحبس الانفرادي المطوّل.

ورغم تصدير المؤسسات الأمنية لديباجة أساسية متكرّرة ترتكز على “قيمة” أنّ السجون مشدّدة الحراسة تقوم فكرتها الجوهرية على “تعديل سلوك النزلاء“، إلا أنّ الهدَف الجوهري هدفٌ “أمنيّ” يتلخّص في “تأمين المؤسّسة العقابية“، وفي جميع الأحوال، تُطبَق الفلسفة ذاتها، من خلال عزل المسجون وحبسه انفراديًا وإزالة جميع الموارد المادية، والحرمان من التواصل الإنساني لفترات طويلة قد تمتدّ إلى سنوات، مع توافر مراقبة دائمة للسجين، أو إشعاره بذلك على الأقل.

ولا ينحصر الهدف الأمني في داخل حدود السجن مشدّد الحراسة فقط، وإنما يمتد خارجه ليشمل كافّة التفاصيل المتعلّقة، بما في ذلك موقع السجن؛ إذ يُفضّل أن يكون مشتَركًا مع مؤسسة أمنية أو إصلاحية/ عقابية، أو قريباً منها، بحيث يمكن مد مراقبته وتأمينه في كافة الاتجاهات، كما يُفضّل أن يكون قريبًا من المواقع الحَضَريّة لتسهيل عمليات التوظيف والصيانة وخفض التكاليف اللوجستية، وذلك ضمن حزمة من المعايير أوردها تشيز ريفلاند في تقريره المرجعيّ (Supermax Prisons: Overview and General Considerations)، الصادر عن وزارة العدل الأمريكية في 1999.

عادةً، يُحبس المساجين نزلاء السجون مشدّدة الحراسة في زنازين ضيّقة، لمدة لا تقلّ عن 23 ساعة يوميًا، ولا يُتاح لهم التواصل مع غيرهم من الأحياء، لا يشتركون في أيّة أنشطة إنسانية أو دينية أو رياضية، لا كُتب ولا مجلات ولا أقلام للكتابة، لا إذاعة ولا تلفاز إلا في حدود ما قد تسمح به إدارة السجن حسب رؤيتها للأمر، لا وجود لشيء يُدعى “الخصوصية الشخصية” في قاموس السجون مشدّدة الحراسة، لا يُسمَح بالزيارات التواصلية، وإنما تجري الزيارات بشكل محدود للغاية عبر التواصل بالهاتف من وراء حواجز زجاجية.

لا علاقة لفلسفة وأهداف السجون مشدّدة الحراسة، ولا تهتمّ في الحقيقة، بالحالة النفسية والعقلية للسجين، ولا بتأهيله، ولا بصلاحيته للتعامل مع المجتمع بعد ذلك، ولا بالقدر الذي قد يتضرّر به المجتمع منه.

من أين جاء كابوس السجون مشدّدة الحراسة إذن؟

* * *

مَن أذنَب يتلقّى العقوبة.

كانت العقوبة في أوروبا العصور الوسيطة علنيةً وتهدف لفرض النظام، تتنوّع بين النفي والعار والتغريم والتعذيب الجسدي، وبين الإعدام. لكن، وحسبما يرصد ميشيل فوكو في كتابه (المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن)، تحوّلت صورة العقوبة إلى نمطٍ أقلّ وضوحًا، يقلّ فيه العنف الجسدي وتصبح الروح هدفاً أساسيًا للعقوبة، وكان “السجن” هو المكان الأنسب لهذه الممارسة الجديدة. تحوّل السجن سريعًا إلى “مؤسّسة” بيروقراطية قائمة بذاتها، يُعزل المجرمون فيها لحين تنفيذ العقوبة، وتحوّل الحبس نفسه إلى عقوبة بديلة للإعدام.

لكن -علاوةً على ما ذكره فوكو- كانت فكرة السجن الانفرادي أقدم من كل ذاك؛ فقد ارتبط ظهور الحبس الانفرادي بظهور السجون الكنسية في أوروبا العصر الوسيط، حيث كان المسجون يُعزل في حبس انفراديّ حتى تُقبَل توبته. وبنهاية القرن السابع عشر، وحسبما تتبّعَت مزوز باركو في أطروحتها “إجرام المرأة في المجتمع الجزائري: العوامل والآثار – 2007″، انتشر تطبيق الحبس الانفرادي في إيطاليا، وانتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي ستؤول إليها الريادة فيما بعد في ممارسات هذا الشكل من الحبس، الذي كان يجري في الأول على مرحلة واحدة. ولكن في عام 1840، ضمّ “ألكسندر ماكونوثي” الحبس الانفرادي إلى نظام تدّرجي طُبق لأول مرة في سجن جزيرة نورفولك بأستراليا، يبدأ بالحبس الانفرادي، ينتقل بعده السجين إلى الحبس الجماعي ثم إلى الإفراج المشروط، وهو ما يفترض -وفقا لفلسفة هذا النمط العقابي- أن يساعده على تعديل سلوكه.

وحدات السجن الانفرادي هي سجن داخل سجن، يضمّ الأسوأ بين السيّئين” يتكرّر تردد مضمون هذه الجملة على لسان مديري السجون وكبار موظّفيها خلال العقود الأولى من القرن العشرين؛ للتأكيد على أنه لا ينبغي أن تخلو مؤسسات السجون من وحدات بمواصفات خاصة لعزل السجناء شديدي الخطورة كي لا يشكلوا عصابات أو ينظموا أعمال شغب أو يؤذوا الضباط داخل السّجن.

بحلول عام 1963، أُغلق سجن “الكاتراز” المنيع المقام على جزيرة في خليج سان فرانسيسكو، ليُسدَل الستار على تجربةٍ عريقة للسجون شديدة الحراسة، غير أنّ فصولاً جديدة جرَت، وتوفّرت للولايات المتّحدة الأمريكية تجربةٌ ريادية جديدة على صعيد السجون مشدّدة الحراسة. ففي عام 1978، ارتفع مستوى الاعتداء والعنف المنظّم الموجّه ضدّ ضبّاط السجون، واستمر حتى قُتِل ضابطان عام 1983، في سِجن الإصلاحية الفيدرالية بمدينة ماريون بمقاطعة ويليامسون بولاية إلينوي. تؤكّد أستاذة القانون شارون دولوفيتش في ورقتها المهمّة “Exclusion and Control in the Carceral State” أنّ هذه الحادثة أرّخت لبداية مرحلة جديدة؛ إذ جرى تحويل السجن إلى سِجن مشدّد الحراسة، وبحلول عام 1984 كانت ولاية إلينوي هي الولاية الأمريكية الوحيدة التي تحوي سجنًا مشدّد الحراسة. وخلال عقد الثمانينات انتشر استخدام تعبير (الحبس الانفرادي المطوّل) في الموادّ الصحفية والإعلامية، واستجابت له الحكومة الأمريكية. وبحلول عام 1999، صار هناك 34 ولاية على الأقل تحوي سجونًا ووحدات شديدة الحراسة، احتوَت على 20 ألف سرير، أي ما يوازي 1.8% من نسبة سكّان كل ولاية تقريبًا. واستمرّ المعدّل في التزايد حتى وصل عدد السجناء في الحبس الانفرادي داخل أمريكا وحدها خلال عام 2013، إلى أكثر من 81 ألف مسجون انفرادي!

في 30 يوليو 2013، أضرب 30 ألف سجين عن الطعام، على مستوى ولاية كاليفورنيا كلها، احتجاجًا على توسّع الولاية في استخدام الحبس الانفرادي، حيث وصل عدد المحبوسين انفراديًا إلى 500 سجين. أفضى هذا الإضراب إلى نقاش إعلامي وسياسي موسّع، نتج عنه اعتماد إصلاحات في سجون 11 ولاية أمريكية من بينها: كاليفورنيا وتكساس ونيويورك.

ولم تمضِ عدّة شهور حتى تردد صدى هذه الحركة الواسعة، فظهر نقد فلسفي أخلاقي لممارسات الحبس الانفرادي، قدّمه ديريك س. جيفريز في كتابه (Spirituality in Dark Places: The Ethics of Solitary Confinement) وهو مصدرنا في تحديثات الإحصاءات المذكورة، تبعه نقد اجتماعي تجريبي قدمته ليزا جوينتر في كتابها (Solitary Confinement: Social Death and Its Afterlives)، ثم نقد قانوني في 2014 قدّمه جوناثان سيمون في كتابه (Mass Incarceration on Trial: A Remarkable Court Decision and the Future of Prisons in America).

كان الجميعُ حينها على وفاقٍ بشأن الآثار الفادحة للحبس الانفرادي على الإنسان.

* * *

في حرب فيتنام، تعرّض “جون ماكين” السيناتور الأمريكي المعروف، للأسر والتعذيب وللحبس الانفرادي، وكان للحبس الانفرادي بالنسبة له مرتبةً خاصة بوصفه: “يسحق روحك، ويُضعِف مقاومتك إلى أدنى حدّ، أكثر من أي شيء آخر“. هكذا صرّح لمحرّر النيويوركر.

كشفت الدراسات النفسية، التي أجريَت على المساجين المتعرضين للحبس الانفرادي المطوّل ونزلاء السجون مشدّدة الحراسة، عن تولّد أعراض الذُهان، واضطرابات الحساسية المفرطة تجاه الضوضاء، ونوبات الهلَع المَرضيّة، والهلوسة، واضطرابات فقدان الذاكرة المتكرّر.

في شهادته بجلسة استماع بمجلس الشيوخ الأمريكي حول الحبس الانفرادي، يؤكّد د. كريج هاني، أستاذ علم النفس بجامعة كاليفورنيا فى سانتا كروز، والخبير في الدراسات النفسية لآثار الحياة والعمل في السجون مشدّدة الحراسة: “في السجون مشدّدة الحراسة، تكون المؤسّسة في حالة سيطرة مُطلقة، للدرجة التي يعتمد فيها السُجناء كليّةً على تراتبية وروتين المؤسّسة المتحكّمة في سلوكهم. يفقد بعضُهم الشعور بكيفية التصرّف دون وجود قيود أمنية مشدّدة، وبعضهم يفقد القدرة على المبادرة بالفعل أو الانخراط في أي نشاط هادف، فعقولهم مفكّكة لا يمكنها التركيز على شيء، وفي الحالات القصوي يتولّد شعورٌ باليأس والقنوط… إن بيئة السجون مشدّدة الحراسة مدمّرة نفسيًا؛ حتى لأولئك الذي يمكنهم التحمّل لفترات طويلة“.

ولا يقتصر الأثر السلبي للسجون مشدّدة الحراسة على سجنائها؛ وإنما يمتدّ إلى الضبّاط العاملين فيها.

بادئ ذي بدء، يُسمَح دائمًا لضُبّاط السجون مشدّدة الحراسة بوضع فلسفتهم العقابية الخاصّة، واتخاذ “كل ما هو ضروري” للسيطرة على السُجناء الخطِرين ومثيري الشغَب، وقد يصل الأمر في بعض الدول إلى السّماح باستخدام أسلحة ناريّة كما في بعض الولايات الأمريكية. وعادة لا تُحدد معايير وإجراءات من الخارج لهذا الأمر، فهو متروك لرؤية ضبّاط وإدارة السّجن. اللافت هنا أن ضبّاط السجون يُلقَنون أنّ المساجين الموجودين أو القادمين إليهم هم “وحوش غير آدمية”، وفي حالة السجون مشدّدة الحراسة تتأكّد لديهم هذه النظرة للمساجين من خلال تجنّب التواصل المباشر معهم. إنها “سيكولوجيةٌ للقهر يجري تخليقها داخل السجون”، كما يفسّرها د. كريج هاني. وهو ما قد يُطوّر ثنائية “السجين – السجّان” إلى ثنائية “الضحيّة – الجلاّد” بسهولة في كثير من السياقات؛ فحسبما تشير د. بسمة عبد العزيز في كتابها “ذاكرة القهر”، فإنّ “عملية الحطّ من شأن الضحيّة، وإبداء الطاعة التامّة العمياء للسُلطة، إذا توافر معها عامل الإيمان التام بالفعل والاقتناع الحقيقي بكامل أهدافه، واعتناق المنهجية أو العقيدة السياسية الخاصّة بالنظام… فإنّ هذه العوامل كافية لصناعة جلاّد لا يُشَقّ له غبار“. والحقيقة أنه لا تكاد تخلو دراسة ميدانية عن السجون شديدة الحراسة من حوادث تعذيب غير مبرّرة، لكن يمكن تفسيرها من خلال هذا السياق.

* * *

في 12 أكتوبر 1990، اغتيل د. رفعت المحجوب، رئيس مجلس الشعب، بطريق الخطأ، بدلاً من وزير الداخلية اللواء محمد عبد الحليم موسى، الذي كان مستهدَفًا بالعملية مِن قِبَل الجماعة الإسلامية المسلّحة وقتها. بعدها مباشرة كان القرار الأمني هو “إنهاء عصر الجماعات المسلّحة في مصر”.

من بين الإجراءات التي تمّت في هذا السياق: إنشاء “سِجن طُرة شديدة الحراسة 992“، الذي عُرف أولاً باسم “السجن الإلكتروني” بسبب منظومة المراقبة الإلكترونية الداخلية فيه، ثم اشتُهِر لاحقًا باسم “سجن العقرب” نسبة إلى “منطقة العقرب” التي يتاخمها موقع السجن. أنشئ سجن العقرب بمنحة بريطانية، تطبّق نفس السياسة الأمنية التي اتّبعتها بريطانيا مع منظّمة الجيش الجمهوري الأيرلندي المسلّح، والتي تضمنّت إنشاء سجن “متاهة صاحبة الجلالة” مشدّد الحراسة (Her Majesty’s Prison Maze) الشهير في بلفاست بأيرلندا الشمالية. وبالفعل جاء سجن العقرب كاستنساخ مصغّر من سجن المتاهة، إذ يحوي سجن المتاهة ثمانية عنابر على شكل الحرف (H)، أي ضِعف عدد عنابر العقرب.

أمّا الرواية المشهورة، التي تقول إن مجموعة من ضباط أمن الدولة الذين تلقّوا تدريبًا أمنيًا في أمريكا لمدّة خمس سنوات عادوا بفكرة إنشاء سِجن مشدّد الحراسة، فهي رواية ضعيفة وغير واقعية. إذ أنه، وفقًا لما أورده د. عبد الوهاب بكر في كتابه “أحوال الأمن في مصر المعاصرة – 2000″، وما تضمّنته ورشة عمل “كيف نعيد بناء جهاز الأمن” التي نشرها مركز النيل للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية في 2012، فإن الفترة التي يفترض أنهم سافروا فيها لهذه البعثة، شهدَت إهمالاً وتقليصًا هائلاً لدور وصلاحيات قطاع مباحث أمن الدولة، بدأه اللواء زكي بدر فور تولّيه الوزارة، في 1986، بإقالة 126 من قيادات وضبّاط أمن الدولة، وواصل اللواء محمد عبد الحليم موسى مسلسل التهميش حتى إقالته في إبريل 1993. ولم ينتعش التعاون الأمني واللوجستي بين قطاع أمن الدولة والـ(FBI) إلا بعد تولّي اللواء حسن الألفي وزارة الداخلية في إبريل 1993، خاصة بعد إطلاق العنان للقطاع بتولّي اللواء حبيب العادلي قطاع مباحث أمن الدولة في فبراير 1995، أي قبلَ افتتاح سجن العقرب بثلاثة شهور فقط. نعم، لا زالت أمريكا تحتفط بريادتها في تجربة السجون مشدّدة الحراسة، بحكم ريادة التجربة وغزارة الدراسات حولها، إلا أنّه لا شواهد على كون التجربة المصرية جاءت من طريق بعثة تدريب أمنية مصرية في أمريكا.

إذا استبعدنا عُنصر التحكّم التكنولوجي في مرافق السّجن، يمكننا اعتبار “سجن العقرب” نموذجًا مثاليًا للسُجون مشدّدة الحراسة، حيث تتحقّق فيه فكرة العزل التام على كافّة المستويات، ابتداءً من عزل السجن ذاته بسور مزدوج (خرسانة سميكة + سلك) بارتفاع 7 أمتار، مرورًا بعزل كل عنبر من عنابره الأربعة بسور من السّلك، وصولاً إلى عزل كل جناحٍ من أجنحة كل عنبر على نفسه، وانتهاءً بعزل كل زنزانة عن التي تليها. الأمر ذاته يحقّق التأمين الداخلي للسِجن والقائمين عليه، كما يوفّر تصميمه فرصة المراقبة المستمرّة للسجن ككلّ، من خلال وحدات مراقبة إلكترونية مركزية دقيقة مختصة بكل عنبر H (أزيلت وحدات المراقبة في الفترة التي تلت 25 يناير)، والمراقبة المستمرّة للمساجين كأفراد عبر النافذة الخلفية لكل زنزانة.

الملاحظ أيضًا أن هناك شبهًا كبيرًا بين سجن العقرب وسجن إصلاحية لويزيانا شديد الحراسة (Angola Prison) في لوس أنجلوس، ويشتهر باسم كاتراز الجنوب؛ حيث يتكوّن هو الآخر من أربعة عنابر، ولكن كل عنبر على شكل X، ويضمّ كل عنبر أربعة أجنحة، وبالمقارنة بينه وبين العقرب الذي صُمّمت عنابره على شكل H يتّضح تقلّص المساحة التي يحتلها العقرب مقارنة بإصلاحية لويزيانا.

إلا أن العقرب -باعتباره سجنًا مشدّد الحراسة- يتفوق على نسخته الأصلية، سجن متاهة صاحبة الجلالة، وعلى نظيره مختلف التصميم، كاتراز الجنوب، بمراعاة معايير الموقع فيه؛ حيث أقيمَ داخل منطقة مشتركة مع مؤسسة إصلاحية وهي منطقة سجون طُرة، وبالقرب منها مؤسسة أمنية، وهي معهد أمناء الشرطة بطُرة -ويُشار إلى أنه كان يجاوره فيما مضى مقرٌّ تابع لجهاز مباحث أمن الدولة- كما أنه يقع بالقرب من منطقة حَضرية مأهولة، وهي ثكنات المعادي وكورنيش المعادي. وهو في هذه النقطة الأخيرة تحديدًا يتفوق على سجن المتاهة أيضًا؛ لأن الأخير أقيم في منطقة ريفية متطرّفة بدرجة ما.

أمرٌ لافتٌ أيضًا، أنّ ضبّاط وإدارة سِجن العقرب -باعتباره سجنًا مشدّد الحراسة- يضعون فلسفتهم العقابية الخاصة داخل السّجن، وهذا كما ذكرنا مُسبقَا، وكما جرت العادة في السّجون من ذلك النوع، متروكٌ لرؤيتهم، لاتخاذ “كل ما هو ضروري” للسيطرة على السُجناء الخطِرين. وقد بدأ هذا من اللحظات الأولى من بدء عمل “العقرب”، حيث لم يُسمَح لإدارة الأمن العام أو إدارة مصلحة السجون بالإشراف على السجن، وإنما أُسند هذا الدور للقوات الخاصة وجهاز مباحث أمن الدولة. وهو ما يبدو أنّه مستمرٌ حتى الآن -أعني استقلالية وضع الفلسفة العقابية الخاصة بالداخل- إذ تنقلُ شهادة المحامي حليم حنيش، احتجاجه بلائحة السجون في وجه ضابط بسِجن العقرب، فأجابه الضابط ببساطة: “ده -يقصد العقرب-شديد الحراسة.. يعني إحنا لينا لائحة خاصة وما لناش دعوة بلائحة تنظيم السجون“.

خلاصة الأمر: أنّ سِجنَ العقرب نموذجٌ مثاليٌّ مخيفٌ للسجون مشدّدة الحراسة، يحقّق أهدافها وفلسفتها الخاصّة.

* * *

حتى الآن، لا يوجد في مصر بشكل مُعلَن سوى أربعة سجون مشدّدة الحراسة، الأول هو سِجن طُرة 992 شديد الحراسة، الشهير بسجن “العقرب”، والثاني هو سِجن أبو زعبل الفرعي شديد الحراسة، الذي افتُتح في 1996، والثالث هو سِجن المنيا شديد الحراسة، الذي افتتح في 12 أبريل 2014، والرابع سِجن طرة مشدّد الحراسة 2 الذي بدأ بناؤه في 2009، وبدأ تسكين النزلاء فيه في 2015، رغم عدم اكتمال بنائه، ولا تتوافر عن السجون الثاني والثالث والرابع معلومات كافية حتى الآن، لذا اكتفينا بتناول السجن الأول (العقرب) كنموذج للسجون مشدّدة الحراسة في مصر.

ويبقى السؤال الجوهري: هل تحقّق السجون شديدة الحراسة الأهداف المُعلَنة من ورائها، مثل تقليل عُنف نزلائها وتعديل سلوكهم؟ يتطوّع موظّفو الجهات الأمنية بإجابة محايدة، مفادها أنه “لا توجد دراسات كافية في هذا الأمر”، في حين تتواتر الدراسات الميدانية التي تؤكّد فقدان السجين، الذي تعرّض للحبس الانفرادي، سلامته العقلية والنفسية، واضمحلال قدرته على التعامل مع المجتمع على أغلب المستويات، ناهيك عن ارتفاع مستوى العنف لدى الكثيرين منهم لاحقًا. الأمر كما يصفه جيروم ج. ميلر، رئيس المركز القومي الأمريكي للمؤسسات والبدائل: “مثل هذه السجون لا تملك أيّة فرصة لجعل هؤلاء الرجال أقلّ خطورة. لقد خرجوا منها أشدّ خطورة؛ أكثر بكثير ممّا كانوا عليه عندما اودعوا فيها. ليس هناك دليل على تقليص فرص انتكاستهم نحو الإجرام، كل ما في الأمر أنّ إجرامهم ينضُج على نارٍ هادئة“.

اعلان
 
 
محمّد السيّد أبو ريّان