Define your generation here. Generation What

أسطورة أخرى: أزمة أخلاق!

أزمة الأخلاق هي أسطورة أخرى، يراد بها إقناع الشعوب بأنها السبب الأكبر فى المشاكل التى تعانى منها، وهذه الأسطورة ليست وليدة اليوم، وإنما قديمة قدم المجتمعات البشرية، وهي إحدى وسائل اختزال الوعي، وخداع الذات فى أوقات المحن الكبرى، حين يعجز الناس عن معرفة الأسباب الحقيقية، أو حين يعجزون عن مواجهتها إذا عرفوها.

تارة تسمى أزمة أخلاق، وتارة أخرى تسمى أزمة ضمير، وعلى منابر المساجد والكنائس والمعابد يقال إنها نقص فى الايمان، وقلة خوف من الله.

ومثلما سادت في العقل الجمعى للمصريين فكرة أننا شعب كسول، وأننا هدف دائم لمؤامرة عالمية، وأننا لا نصلح للديمقراطية ولا نستحقها  -وهذا ما أثبتنا فى مقالات سابقة زيف الادعاء به- فإن نسبة أكبر من المصريين يسلمون بأن أزمتنا الكبرى الحالية والمستمرة منذ عقود هى أزمة أخلاق، أو أزمة ضمير، لكنهم لا ينتبهون الى الفارق الدقيق والمهم بين وجود أزمة -لا نجادل فى وجودها- فى الأخلاق، وبين الادعاء بأن أزمتنا الأصلية أزمة الأخلاق.

فى حالة تشخيص الأزمة المصرية كلها بأنها أزمة أخلاق، فإن هذا يعنى اختفاء كل الأزمات بمجرد تحسن أخلاقنا، وهذا ليس صحيحاً فى أى مقياس، ولم يحدث فى أية أمة من الامم، وفى أى وقت من التاريخ. وفى حالة القول إننا نعانى أزمة أخلاق ناتجة عن أزمات فى مجالات أخرى، وإن أزمة الأخلاق أو الضمير هذه تتسبب بدورها فى أزمات جديدة، أو إنها تتسبب فى تعقيد الأزمات الأخرى، فإننا ملزمون بالبحث عن تلك الأزمات الأصلية، والعمل على علاجها، دون تركيز كل الوعى والجهد على أزمة أخلاقية منفصلة عن سياقها الاجتماعى والسياسى والاقتصادى.

لكن ما هى الأخلاق التى يقال إننا نعانى أزمة فيها؟

كما يعرف الكثيرون، فالأخلاق مبحث رئيسى من مباحث الفلسفة منذ فجر الضمير الإنسانى، والمعنى العام لها هو فعل الخير مجرداً من دوافع المنفعة الأنانية، لأن فعل الخير قيمة فى حد ذاته، لكن لا مانع من اتفاق الدوافع الأخلاقية مع دوافع المنفعة فى بعض الأحيان.

لكن الفلاسفة اختلفوا كثيراً فى مدلول الخير، وجدوى الالتزام الخلقى إذا تعارض مع المنفعة، لذا لن يكون هذا التعريف الفلسفى غير المنضبط هو أساس حديثنا عن الاخلاق.

فهل أزمة الأخلاق التى يتحدثون عنها هى مظاهر تدني الذوق فى السلوك العام فى الشوارع والمحافل المختلفة؟ أم تكون تفشي النزعة العدوانية بالقول والفعل من الشارع إلى الجامعة، ومن السوق إلى البرلمان؟

إذن فماذا عن الرشوة ونهب المال العام، واستغلال النفوذ، وخداع الناخبين، ومحاباة الأقارب والمعارف بالمناصب والأموال على حساب المستحقين الأصليين، وغير ذلك من أشكال الفساد الإداري والسياسي؟

إن كل ما سبق من أمثلة هى جوانب من الأزمة، أو لنقل من أعراض الأزمة، إلا أن التعريف العلمي الحديث المنضبط للأخلاق، يدرسه طلاب السنه الأولى فى كليات الحقوق فى جميع أنحاء العالم، تحت ما يسمى بـ”مبادئ علم القانون”، أو “مقدمة فى علم القانون”، حيث يدرسون أن القاعدة القانونية تختلف عن العرفية، وهذه وتلك يختلفان عن الأخلاقية.

معيار الاختلاف هنا هو الجزاء على الفعل المخالف لكل قاعدة من القواعد الثلاث، إذ يترتب على مخالفة أو انتهاك القاعدة القانونية جزاء أو عقوبة ماديين تطبقهما السلطات العامة وفقاً لنص تشريعي، أما مخالفة القاعدة العرفية، فالجزاء عليها هو استنكار المجتمع المحيط للمخالف وللمخالفة، وإدانتهما، وربما تصل العقوبة إلى حد مقاطعة المخالف أو نبذه، أما في حالة مخالفة القاعدة الأخلاقية، فإن الجزاء يكون فى شعور الإحساس بالذنب وتأنيب الضمير.

بناء على التقسيم السابق، وهو كما قلنا تقسيم كلاسيكي معترف به فى كل العالم، فما الذى نعانيه في مصر بالذات، ونطلق عليه، بتوسع كبير، اسم “أزمة الأخلاق”؟

نحن فى واقع الأمر نعاني من تفشي مخالفة وانتهاك القواعد الثلاث السابق ذكرها، القانونية، والعرفية، والأخلاقية، ومن هنا يأتي تعقيد الأزمة، والتسليم الكامل بوجودها في نظر هذه الأغلبية الساحقة من المؤمنين بأن أزمتنا هى أولا وأخيراً أزمة أخلاق.

على سبيل التمثيل والتقريب، انظروا إلى مخالفات قواعد قيادة السيارات، فالمخالفات المرتكبة في كل شارع، وفي كل لحظة من نهار أو ليل، هى انتهاك للقانون، وأغلبها لا يعاقب عليها، وإلا لما استمرت، لكنها في الوقت نفسه مخالفة للعرف الاجتماعي، ومع ذلك لم يعد العرف يستنكرها، لأن الغالبية يرتكبونها، ثم هى ثالثاً مخالفة لقواعد الأخلاق، ومع ذلك فالضمير الفردي اعتاد عليها، ولم يعد مرتكبها يلوم نفسه، بدليل أنه يكررها فى اللحظة التالية، واليوم التالي، وفى كل يوم.

إذا أخذنا هذا النموذج -المخالفة المرورية- للبحث عن الأسباب العميقة، ومن ثم اقتراح العلاج، فما الذي يمكن أن يقال؟

إن الاكتفاء بمناشدة الضمائر لإيقاظها سيتحول في الغالب إلى مادة كوميدية، كما حدث لحملات سابقة، أما البدء فى التطبيق الحازم للقانون -الذى، بالمناسبة، صدر ليُطبّق مثلما يفترض في كل قانون في كل بلاد الدنيا- فهو المدخل الوحيد لكسر هذه الدائرة الخبيثة المفرغة. والقانون من حيث كونه قانوناً، يجب أن يطبق على الجميع دون أي استثناء (إلا بقانون خاص)، وكلنا نعرف كمصريين أن هناك فئات جرى العرف ألا يطبق عليها القانون، بل إن بعضها يأنف من فكرة معاملته مثل بقية المواطنين فى الحقوق والواجبات، وهؤلاء ليسوا فقط من يقولون “هل تعرف ابن من أنا في مصر؟”، بل أيضا آباء من يقولون ذلك، وأقرباءهم ومعارفهم.

هؤلاء لن تجدي معهم مئات الحملات التى تخاطب الوازع الخلقى، لأنهم من البداية يعرفون أنهم ليسوا المقصودين بهذه الحملات، بما أنهم تعايشوا طويلاً مع مبدأ التميز عن غيرهم من خلق الله، واعتبروه “حقاً طبيعياً” فوق العرف والأخلاق والقانون.

لكن هذه النتيجة يجب ألا تدفعنا إلى الاعتقاد بأن أصل الأزمة هو فقط عدم تطبيق القانون بحزم، لأن تطبيق القانون، بكل ما فى وسع أجهزة تطبيقه من الحزم، لن يحل الأزمة، فعين القانون لن ترى كل مخالف، ويداه لن تطولا كل منتهك، وستستمر المخالفات، بل والجرائم، تُرتكب، ما دامت الأسباب الأصلية قائمة وتتزايد، وحتى إذا اختفت تلك الأسباب التي سنشرحها توًا، فإن المخالفات والجرائم لن تختفي كلية، لأن البشر ليسوا ملائكة، ولأننا لا نعيش في المدينة الفاضلة، ولكنها ستنخفض إلى الحدود الدنيا المتعارف عليها فى المجتمعات البشرية غير المأزومة.

قبل الحديث عن الأسباب الأصلية لما يسمى بأزمة الأخلاق فى مصر، أود تذكير الأجيال الشابة بالأخص، أنه طوال الأيام الستة عشر الأولى من حرب أكتوبر 1973، لم تسجل أقسام الشرطة، فى طول جمهورية مصر العربية وعرضها، شكوى أو مخالفة، فضلاً عن أن تسجل جريمة، وهذه ظاهرة لم تُعرف فى أى من البلاد التى خاضت حروباً أشرس، أطول أو أقصر، من حرب أكتوبر، بما في ذلك إسرائيل نفسها، وبالتالي فليس صحيحاً القول إن المصريين شعب فوضوي وبدائي بالفطرة.

كذلك علينا تذكر أنه في فترة غياب الشرطة، في الفترة التالية لانهيارها يوم 28 يناير 2011، لم تبلغ كل الجرائم، والمخالفات المرتكبة في أنحاء مصر طوال أشهر، نصف ما ارتُكب في يوم واحد، في مدينة نيو أورلينز الأمريكية، عندما ضربها إعصار كاترينا منذ عدة سنوات، أو في ساعة من ليلة واحدة عندما انقطع التيار الكهربائى عن مدينة لوس أنجلوس.

لقد ظلت الغالبية العظمى من سكان المدن الكبرى في مصر تروح وتجيء، طوال هذه الفترة، دون أن تتعدى حالات السطو على الأموال أو السيارات، أو خطف الأشخاص، عدد أصابع اليد الواحدة فى اليوم الواحد، وفي غالبية الأحوال لم يقم بهذه الجرائم إلا مجرمون محترفون من الأصل، وعلى كل حال فإن نسبتهم في مصر من أقل النسب فى العالم، بمعنى أنه لم تنضم قطاعات كبيرة من المواطنين إلى هذا النشاط الإجرامي استغلالاً للفراغ الأمني.

في عرف علماء الاجتماع والنفس والقانون، فهذه شهادة على حسن أخلاق المصريين، وعلى قوة الوازع الدينى، وعمق الشعور الحضارى لديهم، ومن ثم فالقول بوجود أزمة أخلاق، ونحن لا ننكر وجودها، يجب أن يُفهم منه أنه أزمة ظرفية، ناتجة عن أسباب بعينها، أما تثبيتها، وإلصاقها بالشعب فقط، فهو الأسطورة التي نتحدث عنها، والأسباب كما نراها هي ثالوث مكون من الزحام، وندرة الفرص وعدم تكافئها، والاستبداد والفساد الإداريين والسياسيين.

عن الزحام:

تثبت تجارب علماء الاجتماع والنفس والبيولوجيا أن الحيوانات تتوتر ويسوء سلوكها، وتكتسب صفات عدوانية، إذا تكدست مع بعضها في مكان ضيق. ولمن تشغلهم بصفة خاصة الأخلاق الجنسية، فقد ثبت أن ذكور الأرانب تمارس المثلية الجنسية، إذا حبس الذكور معاً، وحُرمت من الإناث.

وكتجربة ميدانية عايشها كاتب هذه السطور، فإن مدينة الإسكندرية لم تكن، حتى أوائل ثمانينيات القرن الماضي، تعرف فوضى المرور وعدوانية قائدي السيارات التي كانت تفشت فى القاهرة، وكثيراً ما كنت أسمع من صديق سكندري يقود سيارته، وأنا معه فيها، أو من سائق تاكسى يقلّنى، عبارة: “لا تتضايق، إن السيارة التي كسرت علينا من القاهرة”، بمعنى أن السكندري لا يفعل هذا.

انظروا الآن إلى الإسكندرية. إنها نفس الفوضى والعشوائية والضجيج، والانتهاكات التي بدأت في القاهرة في السبعينيات، عندما ازدحمت بما لا تطيق من البشر والسيارات، واختفت فيها تدريجياً وسائل النقل الجماعي.

تجربة أخرى حدثت في مرسى مطروح في الأعوام 1986، و1987، و1988.

كنا، على عادة سكان القاهرة، إذا أردنا تجاوز سيارة أمامنا فى أحد شوارع المدينة نطلق آلة تنبيه، حتى لا نفاجأ بمن أمامنا “يكسر” علينا، ولكن السائقين فى مرسى مطروح كانوا يفهمون شيئاً آخر، كانوا يفهمون أننا متعجلون لطارئ خطير، فيقفون تماماً فى أقصى اليمين لإخلاء الشارع بأكمله لنا. انظر الآن إلى مرسى مطروح بعد أن انتقل إليها زحام القاهرة والإسكندرية.  

الزحام عندنا لا يوجد في الشوارع فحسب، ولكن في الأسواق، والمدارس والجامعات، والمستشفيات، ووسائل النقل، والنوادي والمساكن، والمساجد، والكنائس، بل وفي القبور، أي في كل مكان وكل مجال، وإذا لم يؤد هذا الزحام غير الإنساني إلى عدوانية وسوء خلق، فالمصريون يكونون إما ملائكة، أو جمادات.

عن ندرة الفرص وعدم تكافؤها:

هنا أيضا سأحكي تجربة عشتها.

تفتح وعيي بالدنيا فى ريف الدلتا في النصف الأخير من الخمسينيات، وكانت الدلتا فى تلك الحقبة مليئة بـ”المناصر”، أي بعصابات لصوص المواشي والمحاصيل وقطاع الطرق، وكنا نسمع عن قصصهم، وكان آباؤنا يعرفون أسماءهم، ولكن ما أن حلت الستينيات حتى اختفت هذه المناصر مرة واحدة وحتى الآن. وكان السبب هو توسيع فرص العمل والرزق الحلال، الذى أخذ شكل إعادة توزيع الأراضى الزراعية، والتصنيع الكثيف، وزيادة حجم الجيش المصرى زيادة كبيرة استوعبت مجندين ومتطوعين، وضباطاً بالطبع، والتوسع الهائل فى التعليم والتوظيف، بغض النظر عن أية عيوب رافقت التطبيق.

منذ فترة غير قصيرة، تضاءلت فرص التعليم والعمل، وبسبب ندرة الفرص، تقوض مبدأ التكافؤ في توزيعها والحصول عليها، فترسخ تقليد توريث الوظيفة العامة، في الجامعات والقضاء والشرطة والدبلوماسية والصحافة والإعلام والبنوك وغيرها، دون استحقاق فى أغلب الأعيان، فكان من المحتم أن يشعر المحرومون المستحقون بالظلم، مما يؤدي إلى الشعور بعبثية الجهد، وانعدام قيمة الموهبة، وصولاً إلى الشعور بالإحباط والعدمية، وهما باب واسع لانهيار القيم والأخلاق وفقدان الانتماء.

عن الفساد والاستبداد:

هل من الصدفة أن يرتبط التحول السلبي في أخلاق المصريين ببدء سياسة الانفتاح الاقتصادي، كما رصد أغلب علماء الاجتماع والتربية، وأبرزهم الراحل الكبير حامد عمار، الذى يرى أن المصري تحول من “فهلوي” قبل السبعينيات، إلى “هبّاش” مع الانفتاح، ثم إلى بلطجي فى فترة حكم مبارك التى كرّست أساليب المكابرة والعناد والتهرب من المسؤولية، في الخطاب العام، بل وبذاءة اللسان والإشارات، وهي تقاليد أوجدها نظام يوليو، لكنها تفشت في نظام مبارك.

لقد تصور الرئيس السادات، بوحي من أصدقائه الأمريكيين، أن التساهل سيؤدي إلى تكوين ثروات فردية تتحول من رأسمالية تجارية إلى رأسمالية صناعية، وهكذا تنمو مصر، وتستغني عن الاشتراكية التي سماها، كما سمعتها بأذني، “اشتراكية الفقر”، وبالتالي تستغنى عن القطاع العام. ولكن ما حدث لم يكن كما توقع، إذ أن التحول إلى رأسمالية صناعية له شروط إضافية مهمة، أبرزها ألا يكون “المال” أكثر جلباً للمكاسب إذا هُرّب إلى الخارج، أو إذا استُخدم فى صفقات مشبوهة أو فاسدة، فكانت المحصلة النهائية أن تحقق بعض التقدم هنا أو هناك، لكن الآثار الاجتماعية لهذا “الانفتاح السداح مداح” كانت أفدح من أن يوازنها ذلك التقدم المحدود.

فإذا ترافق هذا مع عدم استعداد السلطة، طوال عهدي السادات ومبارك، لقبول النتائج السياسية للتنمية بواسطة القطاع الخاص، وبقاء البيروقراطية المصرية على تحجرها وفسادها، فلن تكون النتيجة سوى شبكة الفساد التى ربطت بين كثير من السياسيين وكبار البيروقراطيين، وبين طبقة رجال الأعمال الناشئة، بما ينتج عرفاً يشيع في المجتمع كله.

ترافق كذلك مع الانفتاح قدرٌ هائل من التفاوت في أجور الوظائف، فهناك قطاع استثماري يدفع أجوراً باذخة، حتى يكون أجر السكرتيرة في هذا القطاع أضعاف راتب القاضي أو أستاذ الجامعة أو وكيل الوزارة، وهناك قطاع مختلط تقل فيه الأجور قليلاً، وهناك قطاع عام أفضل نسبياً من القطاع الحكومي، حتى أننا نجد وظائف، هى الأهم للمجتمع، مثل المعلم والطبيب، تقبع في أدني سلم الأجور.

وفى القطاع الواحد اتسع الفرق فى عهد مبارك، لدرجة أن صاحب الوظيفة فى مصلحة معينة يريد النظام خدمة مباشرة منها، يتضاعف راتبه عشرات أضعاف زميله في مصلحة لا يريد النظام خدمة منها، سواء حدث ذلك فى البنوك، أو جهاز الدولة أو الشرطة.

وامتد هذا النموذج إلى كل المؤسسات العامة، فأصبح مندوب الإعلانات فى الصحف القومية، أو الإذاعة أو التليفزيون، يتقاضى مئات أضعاف الصحفي أو الإعلامي، والحجة أن هؤلاء هم من يجلبون الأموال، ويبلغ السخف هنا مداه، لدرجة أن بحثت إذاعة القرآن الكريم عن إعلانات تجارية، لأن مذيعيها لا يتقاضون سوى رواتبهم الهزيلة، وليس لهم نصيب فى عائد إعلانات اتحاد الإذاعة والتليفزيون ككل، فأخذت هذه الإذاعة الوقورة تعلن عن مطاعم لحفلات الإفطار فى رمضان مثلاً، ولم توقفها إلا بعد أن شنّت الصحافة حملة ضدها بدأها كاتب هذه السطور فى الأهرام سنة 2006. لكن هذه الحملة لم تفلح إلا في حرمان مذيعى “القرآن الكريم” من عائد الإعلانات الملغاة، لأن السيد الوزير، والسيد رئيس الاتحاد، لم ينتبها، أو لم يريدا أن ينتبها، إلى ضرورة عودة دخل الإعلانات فى المحطات الأخرى للمؤسسة ككل، وليس فقط لجالبيها ومديريهم، ثم لمن هم فوق المديرين فقط.

إن لم يكن هذا هو الفساد، فماذا يكون إذن؟

وإن لم تفسد أخلاق وتقاليد أغلب المجتمع لهذا السبب، فمتى تفسد إذن؟

أليست هذه دعوة مفتوحة إلى التصرف الفردي لأخذ بعض الحق، وتلبية بعض الاحتياجات، تماماً مثلما كان يحدث فى عصر استبداد المماليك، حين يعجز السلطان، أو الأمير عن دفع “علوفة” مماليكه، وهي الراتب والمخصصات فى العصرين المملوكى والعثمانى، أو يبخل بها، فيقول لهم “اكبسوا القرى أو بيوت المياسير فى المدن وخذوا منها ما تريدون”.

حكى لى أحد المتقاعدين من جهة مهمة، ويعمل محامياً الآن، أن قيادات المصلحة التى كان يعمل بها اشتكوا إلى وزيرهم قلة رواتبها قياساً إلى رواتب زملائهم في مصالح أخرى، فقال لهم: “أنتم تتعاملون مباشرة مع الناس في الشوارع، وتصرّفون أموركم، ونحن نعرف وأنتم تعرفون”، ومع ذلك يتحدثون عن أزمة أخلاق لدى الشعب.

***

تلخيصاً لما سبق، وبحثاً عن نتائجه، نقول إن لما يسمى بـ”أزمة الأخلاق” فى مصر، سبب اجتماعى-اقتصادى هو الزحام، وآخر اقتصادي-سياسي هو ندرة الفرص وعدم تكافؤها، وثالث سياسى محض، وهو الفساد والاستبداد، فإذا كنا جادين فى محاولة إصلاح الأخلاق، فلندرك أن المسئولية الأولى تقع على عاتق السلطات العامة، وليس على عاتق المجتمع، الذى سيتبقى عليه، إذا قامت السلطات العامة بواجبها، معاقبة الخارجين على هذه الأخلاق بالاستنكار والنبذ والازدراء.

يا خلق الله، مصر ليست استثناء من قوانين الاجتماع البشرى، أو من سنن الله فى خلقه، فكما أننا لسنا أفضل شعوب الأرض، فلسنا أيضاً أسوأ شعوب هذه الأرض.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد