Define your generation here. Generation What

عن جوليو وتكلفة العمل في مصر

لم أكن أعرف “جوليو ريجيني”، ولكن كان يمكن أن أتعرف عليه. وجهه الجاد اللطيف، الذي يطل عليك من صوره، يُذكرك بالعدد القليل من الباحثين والنشطاء الأوروبيين الذي يأتون إلى القاهرة، ويرغبون في مقابلة بعضهم البعض في حانات وسط البلد للتحدث بشأن الأوضاع والعمال والاقتصاد. هناك فاصل طفيف بين حياته وحياتي في القاهرة، يتمثل في عدد من المعارف المُشتركين.

أعتقد أنني لا أحتاج إلى التصريح بأن موته أثار شجوني بقوة.

تتطلب الحياة في هذه المدينة، وفي هذا الوقت، القدرة على تحمل جرعات ثابتة من السم. ومثلما يتكيف جهاز المناعة مع تناول المياه الملوثة، يتكيف العقل ويتطبع مع مستويات غير مسبوقة من الهلع والعنف والتعذيب والقتل الجماعي. قدرة الناس على التكيف تثير الدهشة.

أحيانًا ما يتمرد الجسد وينتفض العقل. لطالما أحببت أن أعتقد في نفسي الفصاحة، ولكنني أصبحت أتلعثم مؤخرًا، ولا أستطيع إتمام الجُملة، كأنني أُصبت بشد عضلي. يجمدني الخوف إن سمعت طرقًا غير متوقع على الباب.

نمر جميعًا بأيام سيئة وأخرى جيدة، ونتعلق بالسخرية اللاذعة والأوهام. من أكثر الأوهام التي تستحوذ على عقلي هو أنني أتمتع بالحماية من أسوأ ما يقع في مصر، رغم أنني أتحمل الكثير، وألفت الانتباه كثيرًا؛ باعتباري أجنبية بيضاء البشرة، أنتمي إلى دولة ثرية. ربما أتعرض للسجن والترحيل، ولكني لن أتعرض للتعذيب والقتل.

تقول السلطات الإيطالية إنه تعرض للضرب والحرق. لقد انتزعوا أظافره، ودقوا عنقه. إنه موت بطيء.

كم أتمنى أن أصدق أن “من قتلوا جوليو” مجرد مجرمين، وأنه مات بالصدفة؛ أو كما تقول بعض وسائل الإعلام المحلية إن “جوليو” تورط في شيء مُريب أو مشبوه وتسبب، بشكل ما، في أن يلقى مصرعه. إنه أمر مُريح؛ أحد الأوهام التي يمكن أن أتعلق بها.

لكن هذا أمر يصعب تصديقه.

يمكن أن أبرر قوة رد فعلي بألف طريقة، لكن التبرير يجعلني أشعر بالخجل كذلك. يجب أن أعترف، إذا كنت أرغب في تحري الصدق، أنني لا أتفاعل بنفس القوة أو بشكل شخصي مع القصص المُماثلة حين تحدث لمصريين.

لستُ الوحيدة التي تفعل هذا. يُشير المراسلون إلى اختفاء مئات المصريين، وإلى مقتل 14 مُحتجزًا على الأقل في الحجز في قسم شرطة واحد، ولكنها مجرد أخبار هامشية في أغلب الصحف العالمية.

يمكن تفسير جزء من هذا بمنطق الاهتمام بدرجة أكبر بمواطنينا. في 2006، كنت أعيش في الفلبين، وأحصل على أخباري من الصحافة المحلية. أتذكر أن الشخصيات الرئيسية التي أثارت اهتمامي في الحرب التي اندلعت في الشرق الأوسط، في ذلك الصيف، لم تكن إسرائيل وحزب الله، ولكن العمال الفلبينيين المُهاجرين الذين أخذ أصحاب العمل جوازات سفرهم، وتركوهم عالقين في منطقة تدور فيها الحرب. أعني بهذا أن منظور الشخص واهتمامه بالأمور لا يتعلق دائمًا بالقوة والحق.

لستُ إيطالية، وكذلك أغلب الصحفيين الذين يقومون بتغطية القصة، أو المُتابعين لها. أجل، “جوليو” أجنبي، ولكن القوات المُسلحة تطلق الرصاص على المُهاجرين الأفارقة في الصحراء، وكذلك يُقتل الفلسطينيون على الحدود. الحقيقة المُرة هي أن اهتمام العالم يتزايد إذا كان الضحية أبيض البشرة، ومن دولة ثرية، وينتمي إلى طبقة البشر التي يُفترض أنها مُصانة من الوحشية، التي تُعد ركيزة الأمن والرخاء في الغرب. لذلك، شعرنا جميعًا بالصدمة.

ليس بيدي سوى التعاطف مع أصدقاء “جوليو” وعائلته. لا يمكن أن أتخيل ما يمرون به الآن. فكرة أن يتلقى أبواي مثل هذه الأخبار تجعل يداي ترتجفان، ومعدتي تتقلص.

أتمنى أن يحظى “جوليو” بجنازة رسمية، وأن يؤدي ضغط الرأي العام إلى إجراء شيء أشبه بتحقيق رسمي في وفاته. أتمنى أن تساعد هذه القضية في إلقاء الضوء على ما يجري في السجون السرية في “جمهورية مصر الجديدة”. أتمنى أن تنكأ كل الجراح المُتقيحة.

ولكني أشعر باشمئزاز من تعبير المسؤولين الإيطاليين عن صدمتهم وغضبهم. لديهم ممُثلون دبلوماسيون وعناصر استخبارات في مصر. إنهم ليسوا بهذه السذاجة. إنهم يفهمون السياسة القذرة، والانتهاكات، والجُثث المُشوهة، والأرواح المُزهقة التي تجعل من مصر “سوقًا مفتوحة للتجارة”. إنهم يعلمون ما يجري في هذا البلد، ويبدو أنهم لا يهتمون بما يحدث حتى الآن.

لقد أشاد رئيس الوزراء الإيطالي “ماتيو رينزي” بالسيسي باعتباره “قائدًا عظيمًا” تمكن من “إنقاذ” مصر، ورافق الرئيس الإيطالي في الترحيب به في روما. إيطاليا هي واحدة من أهم شركاء مصر التجاريين، ويبلغ حجم التجارة السنوية بين البلدين نحو 6 مليار دولار أمريكي، وهي قابلة للزيادة. ومن بين أمور أخرى، باعت إيطاليا إلى مصر بنادق وطلقات تتجاوز قيمتها نصف مليار يورو في الفترة من 2011 إلى 2013. حتى وبينما كانت جثة “جوليو” المشوهة مُلقاة في مكان ما بالقاهرة، كان أعضاء وفد تجاري بقيادة مسؤولين إيطاليين يُجلسون في ود مع مسؤولين مصريين.. ولم يتم إلغاء الزيارة إلا بعد الإعلان عن موت “جوليو”.

يريد المسؤولون الإيطاليون إتمام اتفاقيات الغاز الطبيعي وبناء التحالف المناهض للإرهاب، وهم يعلمون دائمًا الثمن الحقيقي لهذا، ولكنهم يتوقعون أن يدفع شخص آخر -أو أبناء شخص آخر- هذا الثمن.

اعلان
 
 
إيزابل إيسترمن