Define your generation here. Generation What

آية حجازي.. لقد فرغ المداد من القلم

في أحد أيام ديسمبر الماضي قرأت رسالة من آية حجازي تقول فيها “لا تتركونا هنا في السجون وتنسونا، ولا تجعلونا نفقد الأمل في العدل والإنسانية”. جمعتُ أوراق قضية مؤسسة “بلادي”، التي تزيد عن الأربعمائة ورقة، وعكفتُ عليها. لا يكاد أحد يعرف تفاصيل هذه القضية وكوارثها. دعنا نبدأ الرحلة البائسة بلا مقدمات لأن المأساة أكبر من أية مقدمات.

الآن أقترح عليك قراءة هذا البيان أولا لأنه مدخل مفيد للقضية:

“هوّ فيه بلطجية جم أول امبارح من عزبة أبو حشيش.. وعملوا مشكلة.. وبعدين الشرطة جت”. من أقوال أحد الأطفال.

موجز لما حدث: وفقًا للرواية الرسمية، كان المدعو خ. جودة، وهو من سكان عزبة أبو حشيش، يبحث عن نجله الهارب ض، وأخبره أحد أطفال الشوارع من عزبته، س. جلال، أنه هرب من مؤسسة تؤوي أطفال الشوارع بمنطقة التحرير وأن ابنه مخطوف هناك يريد لقاءه لكنهم يضربونه. ذهب الأب مع الطفل فلم يجد ابنه في الشقة، غير أنه خاف من مسئولي المؤسسة لأنهم لم يفتحوا له بعض الغرف المغلقة بأقفال، فترك المقر، لكن طفلاً، هو ع. سعيد، استغاث به لينقذه مما يتعرض له من اعتداء وتعذيب فأخرجه معه، ثم اتصل بأقاربه فجاءوا ودخلوا وكسروا الأقفال دون أن يجدوا ابنه، بل وجدوا طفلًا آخر، هو أ. محسن، عاريًا مقيدًا بالحبال، فذهب لقسم عابدين مبلّغًا. داهمت الشرطة المقر، وقبضت على آية ومحمد وأميرة وشريف. كان ذلك يوم 2 مايو 2014 حيث أعلنت المؤسسة على صفحتها الرسمية على الفيس بوك أنه يوم “مهرجان ألوان” لأطفال المؤسسة، داعية الشباب للمشاركة في مهرجان ألوانهم التي استحالت فجأة إلى اللون الأبيض القاسي؛ لون سترة السجون المصرية للمحبوسين احتياطيًا.

تفاصيل الأحداث:

روى الطفل م.جمعة عن علاقته بمؤسسة “بلادي”، لكنّ روايته وغيره تتغير تغيرًا عجيبًا. فقبل مداهمة المؤسسة بشهر تقريبا حلّ الأطفال م.جمعة و ص.يوسف وأ. “الدلوع” ضيوفًا مع آية حجازي على برنامج “ست الحسن”. دقّق في حكاية م.جمعة وص.يوسف تحديدًا، لأنك ستسمع رواية نقيضة منهما بعد القبض عليهما.

استمع الآن إلى حكاية م.جمعة التي سجلتها الشرطة والنيابة أثناء استجوابه، ووردت بمحضر إدارة مباحث رعاية الأحداث:

هل لاحظت كيف بدا الإنسان م.جمعة مرتاحًا، واثقًا في المقطع الأول، وكيف بدا مذعورًا، مسحوقًا، في المقطع الثاني؟ في الأول كان واقعًا في قبضة “عصابة” بلادي، أما في الثاني فكان بعد أن “أنقذته” الداخلية من العصابة.

ص. يوسف، هذا الفنان ذو الابتسامة البريئة العذبة، أيضًا حكى في أقواله بمحضر الشرطة عن المعاملة الوحشية “ما كُنتش باكل أكلة نضيفة”، “كانوا بيفرجونا على أفلام سِكس ويخلونا ننام مع العيال اللى عايزه تمشي”، وشهد برؤية اعتداءات جنسية كل يوم بسبب أفلام السِكس، وأنها كانت بعلم إدارة الجمعية، كما شهد باعتدائه جنسيًا على الطفل م. كاييمال، (الذي نفى الطب الشرعي وقوع أي اعتداء جنسي عليه)، رغم أن ص. يوسف سيناقض ذلك كله في محضر النيابة، بعد أن أصبح خارج قبضة الشرطة. لنترك ص. يوسف الآن قبل أن تشتبك الخيوط أكثر مما يجب.

ما رأيك أيضا في هذا الفنان الصغير م. علي؟ وهو يضحك ضحكة من القلب، ويظهر معه م.جمعة رافعًا شعار مؤسسة “بلادي”، لا شعار الميدان الثالث كما سيزعم أحد الضباط في مداخلة هاتفية بأحد البرامج.

وفي هذه الصورة، يحمل زميله مفعمًا بالحماس.

انظر إليه هنا يدلي بشهادته أمام ضباط الشرطة عما تعرض له:

ما الذي جرى إذن؟

إليك فنان آخر، وهو خ. وائل.

انظر إليه هنا مجروح الجبهة، في الثانية 57 من المقطع:

سنرى معًا كيف جرى تحويل هؤلاء الفنانين الصغار الذين اجتهدت آية ورفاقها في إعدادهم، إلى كائنات أخرى أتألم كلما تذكرتها.

هنا لا بد من فضح جريمة اقترفها صانعو الفيديو السابق المنشور بموقع صحيفة الوطن. ارجع لمقطع الفيديو، أكمل من حيث بدأ الطفل خ. وائل وستجد أن الضابط حين سأله “محمد حسنين قالك تعالى انزل معانا عند الاتحادية؟”، اختار مخرج المقطع أن يقحم لقطات لمحمد حسنين وهو يشير برأسه إشارة الموافقة، بعد قصّ لقطات له وهو يومئ برأسه موافقًا على كلام آخر لا نسمعه، ثم ألصق موافقته تلك حيث يستجوب الضابط الطفل، فأصبح محمد مُقرًا بالتهمة تزويرًا وبهتانًا! هذه التقنيات في رواية القصة هي، بتمامها، محور معالجة الأجهزة الرسمية كلها لهذه القضية. فكر في مفردات الأطفال في المقاطع السابقة، وستعلم أنهم لم يشاركوا في أية مظاهرات.

يحكي المحضر رحلة خ. جودة بحثًا عن ابنه الهارب، لكنه حين فتّش الغرف المغلقة بعد تحطيم أقفالها، وجد الطفل أ. محسن “مجردًا من ملابسه بالكامل ومقيد الأيدي من الخلف حيث قاموا بإخراجه وفك وثاقه”؛ ذلك ما دفعه لتقديم البلاغ، متهمًا آية ومحمد وشريف باختطافه. لكنّ الصوت الآخر للطفل أ. محسن يناقض ذلك، ففي محضر النيابة يُسأل: “ما قولك فيما رواه خ. جودة.. أنه وجدك مجردًا من ملابسك بالكامل ومقيد الأيدي من الخلف؟” يجيب “لأ محصلش الكلام ده. أنا كان الباب مقفول عليا من بره بس لكن مش متربط وكنت قالع هدومي من فوق”.

هذا المُبّلغ سيقول في محضري الشرطة والنيابة أن الطفل ع. سعيد تشبّث به أثناء خروجه متوسلاً إليه أن ينقذه من الضرب والحبس فاصطحبه معه، بينما يحكي هذا الطفل في أقواله بمحضر النيابة أنه لم يخرج من الشقة مع المُبَّلغ ولم يستغث به، بل خرج مع الشرطة حين جاءت وأخذته.

في محضر النيابة أيضًا شهد المبلغ بأمور لم يذكرها بمحضر الشرطة، مثل رؤية خمسة أطفال بالشقة عرايا بالكامل، “والباقي عرايا من فوق وبيشربوا سجاير”، متفقًا مع حكاية س. جلال الذي زل لسانه حين حكى أنه طلب من آية ومحمد ترك الجمعية فضرباه وحبسه محمد، فهرب من الشباك (الشقة في الدور السادس) عائدًا إلى أهله، فطردوه، فعاد للمؤسسة! حيث التقى ض نجل المبلغ خ. جودة فطلب منهم “إنهم يمشوني وفعلاً مشيت”!! هكذا تركوه ينصرف مرة أخرى بيسر (رغم أنهم متهمون باحتجاز الأطفال وضربهم واغتصابهم وتصويرهم لئلا يطلبوا العودة لذويهم)!

كما شهد المبلغ خ. جودة أن نجله تغيب عن المنزل منذ 15 يومًا، بينما أكد س. جلال صديق ض أنه أخبره يومها بهروبه منذ 3 أشهر!! ما رأيك أن سائر الأطفال لم يعرفوا شيئًا عن ض هذا، كما أكدت آية ومحمد أنه لم يطأ شقة المؤسسة؟

استكمالاً لرواية الأكشن هذه، شهد المبلغ في محضر النيابة أنه بعد إنقاذ الطفل ع. سعيد الذي استغاث به فأخرجه معه، حكى له الطفل أن: “حد نام معاه من ورا”، ثم ورد تقرير الطب الشرعي بتاريخ 6/ 5 نافيًا عنه وجود أي آثار إصابية حديثة أو قديمة بفتحة الشرج أو حولها تدل على إتيانه لواطًا! وعلى ذكر تقارير الطب الشرعي هنا سأذكر لك حقيقة أقرب إلى الفانتازيا.

في محاضر الشرطة، اتفق الأطفال، الذين شهدوا بوجود علاقات واعتداءات جنسية، على أن الطفل م. كمال كان يقع عليه اعتداء جنسي دائم، فإذا بتقرير الطب الشرعي ينفي ذلك كله عن الطفل الضحية، لخلو منطقة الشرج من العلامات التي تدل على إتيانه لواطًا.

قبل الدخول في تفاصيل أكثر، أود طرح ملاحظة: لم يكن لدى القوة المداهمة لمقر المؤسسة إذن نيابة، لتفتش المقر أو لتصور الأطفال أثناء التحقيقات، وهذا ثابت من المحاضر.

اقرأ هنا أقوال م. جمعة بمحضر الشرطة: “وعايزهم يروحوا معسكر في نويبع للإقلاع عن التدخين والعلاقات الجنسية. كان في جمعية بلادي بيفرجونا على أفلام قليلة الأدب، وكان بعض الأطفال بيتأثروا بهذه الأفلام ويمارسوا الجنس مع بعض بالليل..”. هذه الكلمات وردت بهذا الترتيب دون فاصل بين معالجتهم من العلاقات الجنسية، والأفلام التي لم أجد أثراً لأحرازها في المحاضر التي قرأتها. الطفل خ. وائل قال إنهم أخبروهم بأنهم سيذهبون إلى نويبع “علشان المظاهرات”. هكذا خططت العصابة لتعبئة ميادين نويبع بالمتظاهرين!

ثمة تسعيرات عجيبة حكاها الأطفال للتظاهر، مع مستويات سعرية تختلف باختلاف ضرب الشرطة والجيش بالطوب، أو بالمولوتوف، أو بالبنزين، ذلك بخلاف التظاهر “السادة” الأقل سعرًا. بعضهم أبدع أكثر: بالصواريخ والبمب. أحدهم تحدث عن دفع 50 جنيهًا لرمي الطوب و100 للمولوتوف، غير أنهم يدفعون في المظاهرة ثم يستردون ما دفعوه فور عودتهم للجمعية: “هحوشها ليكم”. طفل آخر قال: “حق مصاريفهم”.

ثمة تكرارات حرفية لافتة في أقوال بعض الأطفال، كأنْ تتكرر جملة “كانوا بيفكروا أن الأمر سهل” إجابة على السؤال عن عدم منع المتهمين للاعتداءات الجنسية. وهذه جملة يصعب تكرارها صدفة على ألسنة أطفال، أو جملة مثل “بيفرجونا على الأفلام، كنا بنسخن”.

الطفل م. علي شهد بأن محمد ضربه بسكين بسبب مزاحه مع صديقه، هنا سأله وكيل النيابة عن موضع الإصابة فعرضها عليه، فسأله إن كان يرغب في العرض على الطب الشرعي، فأجاب بـ”لا”. أضاف أن محمد كان يضربه أيضا بـ”الأقلام واللكميات”، لكنه عُرض على الطب الشرعي، وجاء في التقرير أن “عموم جسده خالٍ من ثمة إصابات حديثة”.

أريد أن أشير هنا إلى ملحوظتين في غاية الأهمية. أولاهما: في هذه المرحلة لا نجد في المحاضر كلها حرفاً واحداً يذكر أحداً من المتهمين الأربعة الآخرين الذين سيدخلون إلى القضية على مرحلتين تاليتين، وسيكون مضحكا أن أقرأ محضر التحريات السرية لأحد الضباط في مرحلة تالية، يقول فيه إنه كان قد رصد منذ تحرياته الأولى للتحقيقات وجود شركاء للمتهمين الأربعة الأوائل، رغم أن تحرياته الأولى موجودة، بلا كلمة واحدة عن هؤلاء الشركاء.

الملاحظة الأخرى أن الأطفال جميعًا حين سئلوا عن شريف طلعت الرسام -الذي كان له مرسم بالمقر لإلقاء دروسه على طلاب من خارج المؤسسة مقابل تقديم دروس رسم بلا مقابل لأطفال المؤسسة- أقروا أنه لم يكن له علاقة بالمؤسسة البتة، ولا بإدارتها، بل كان دوره يقتصر على تعليمهم الرسم. كما أقروا بغير استثناء أن أميرة فرج كانت تطبخ لهم الطعام وتعلمهم بعض الدروس، وأن لا علاقة لها أيضًا بإدارة المؤسسة. هل تعلم كيف عالج الضابط هذه الجزئية؟

في محضر التحريات النهائية حول الواقعة، يعترف الضابط بحقيقة معلومة للجميع، هي النشاط الراقي للمؤسسة، كالاهتمام بالتعليم والرعاية الصحية واصطحاب الأطفال للحدائق. أما تفسيره لهذه الحقيقة فهو أن هذا نوع من إضفاء المشروعية على نشاطهم الإجرامي ولإقناع المتبرعين بالتبرع بالأموال التي سينهبها المتهمون. أما تصوير الأطفال عرايا، وفي أثناء اللواط، وهي حقيقة مجهولة تماما لخلو الأجهزة التي جرى تفريغها، بعد تحريزها من المؤسسة، من أي مواد من هذا النوع، فكيف يثبت الضابط هذه الاتهامات؟

“لكن كان المتهم يحتفظ بهذه التسجيلات في مكان سري يخبئها فيه على فلاشة… ولكن لم نستطع التوصل لهذه التسجيلات”. كيف يمكن أن يقضي متهمون كهؤلاء مدة كهذه، باتهامات كهذه، وتحريات كهذه؟

هل تعلم مثلًا أن صور الأطفال التي كانت المؤسسة تنشرها لهم فور انضمامهم إليها ثم بعد انضمامهم، مع توضيح بأن المؤسسة تنشر الصور ليتضح الفارق بين الطفل الذي يُترك للشارع والطفل الذي يتلقى قدرا من المعاملة الإنسانية.. هذا النوع من التصوير الذي تجده أيضاً في برنامج “ست الحسن” لتوضيح الفارق بين الحياتين، يشير إليه الضابط في التحريات على أنه يُعرض في الجامعة الأمريكية (رغم أنه عُرض على فضائية مصرية مشهورة) كنوع من استغلال الأطفال والاستيلاء على التبرعات المجموعة باسمهم، مع أن التحريات لم تذكر كلمة واحدة عن هذه الأموال، وأين هي؟ وما الدليل على وجودها بعد أن تبرعت آية بمبلغ 10 آلاف جنيه لبدء المشروع؟ هل تعلم أن تهمة تعرية الأطفال وربطهم بالحبال، وهي التي ادعاها المبلغ خ.جودة بحق الطفل أ.محسن، نفاها الطفل ذاته وصدقها الضابط؟

هل تعلم أن الضابط يبني اتهامه على تأجير الشقة بشارع محمد محمود لقربه من مقر وزارة الداخلية وميدان التحرير، رغم أنه يتهم آية ورفاقها بإجبار الأطفال على ضرب الشرطة بمظاهرة الاتحادية؟ هل تعلم أنه لم يجد دليلًا على سيل الاتهامات الجنسية السادية التي نسبها للمتهمين إلا صورة محمد مع الطفل (ابن شقيقة صديقه كريم)، والتي يبدو فيها محمد صغيرًا بمقدار سنوات عن عمره الحالي، والتي شهد خال الطفل بأنها كانت مباراة مصارعة ودية أمام أسرة الطفل، وجاء الطفل نفسه الذي صار شابًا للمحكمة ليشهد بذلك فلم يُسمح له، كما أن جميع الأطفال عندما سئلوا عن صورة هذا الطفل أقروا بأنهم لم يروه من قبل، فماذا يقول الضابط حين يسأله وكيل النيابة عن الصورة؟ “ده بيؤكد على صحة  كلامي وأقوالي وانه كان فيه انتهاكات جنسية على هؤلاء الأطفال”.

لم يتوقف الضباط الذين تعاملوا مع القضية عن الحديث عن الجنسية الأمريكية لآية، رغم أنها أصرت في التحقيقات على عدم مشاركة المحامي المرسل من السفارة الأمريكية، ولم تطلب من السفارة أي تدخل من أي نوع، باعتبارها مواطنة مصرية تحب بلدها. التحريات السرية كلها تؤكد على جرائم كامنة في نوايا المتهمين ليس إلا. أحد الضباط رأى في كون المتهمين غير أغنياء، مع تأجيرهم مقر المؤسسة في وسط البلد، دليلًا على إدانتهم!

ارجع، أرجوك، إلى صور الأطفال على صفحة المؤسسة، تصفحها لتجد صورًا للترحيب بأطفال تركوا المؤسسة عائدين للإدمان في الشوارع، ثم قرروا العودة للمؤسسة، فتم الترحيب بهم في صور معلنة قبل المداهمة بفترات متفاوتة، ثم اقرأ معي في تحريات الضابط: “مقر المؤسسة أشبه بمقر عزل أو سجن ليس له منفذ واحد غير باب الشقة”.

في سطرين متتاليين قال الضابط: “جمعية 6 أبريل”، و”هذه المظاهرة أيضا كانت غير مرخصة”. 6 أبريل جمعية، والمظاهرة غير مرخصة!! (هل تذكر إسلام جاويش؟).

قال الضابط في محضر آخر: “التحريات أكدت بالفعل أن المتهم الأول قام بإشراك بعض الأطفال في المظاهرات ولكن لم تتوصل التحريات لحقيقة استغلاله للأطفال في تلك المظاهرات”.

ثمة محضر تال بتاريخ 10 مايو يتضمن تقرير المجلس القومي للطفولة والأمومة، حيث تكشّف لهم إجبار بعض الأطفال على المشاركة في مظاهرات جماعة الإخوان، مع سائر الاتهامات الأخرى. أما اللمسة الخاصة في ذلك التقرير، فكانت التوصية بضرورة خضوع جميع الأطفال لعلاج نفسي من جراء إقامتهم بتلك المؤسسة، أي ضرورة علاجهم من تعلمهم الرسم والتشكيل بالطين والورق ودروس الموسيقى والقراءة والكتابة التي ستجد صورها على صفحة المؤسسة.

ثمة محاضر أخرى تبدأ من 9 مايو، مفادها أن مواطنيْن شريفيْن من جيران آية ومحمد، فور علمهما بالقبض عليهما من الصحف، تقدما ببلاغ بأنهما لاحظا أن آية ومحمد نقلا أربع حقائب سفر إلى شقتهما في حالة ارتباك شديد! فأبلغا الشرطة، فتم اصطحاب آية ومحمد لتفتيش الشقة، فلم يجدوا مولوتوفا ولا فلاشات سرية ولا صواريخ لقصف الشرطة، بل وجدوا أوراقًا و4 تيشيرتات مكتوبا عليها كريستي (الذي استشهد وهو يتظاهر ضد الإخوان في عهد مرسي) وقناع فانديتا (الذي كان يستخدم في المظاهرات المعارضة لمرسي أيضًا) وتيشيرتين مكتوبًا عليهما “ميدان آمن للجميع” (ضمن حملة ضد التحرش التي حكى بعض المتهمين أنهم تعرفوا على آية ومحمد من خلالها) و41 بلية و2 نبلة ومطواة قرن غزال، ورغم أن محمد في محضر النيابة نفى تمامًا ملكيته لها وللبلي، واعترف بملكية النبلة منذ صغره، واعترف كلاهما بملكية التيشيرتات والقناع، وشرحا أن البلي تركه المستأجرون السابقون، فقد عهد الضباط إلى وكيل النائب العام “بفض الأحراز ومواجهة المتهمين بها”! في نهاية المحضر تُتهَم آية ومحمد بحيازة أدوات تستخدم في الاعتداء على أشخاص “نبل وبلي زجاجي”، دون مسوغ من الضرورة الحرفية أو المهنية!

الشذرات التي اخترتها من حكي الأطفال للرواية الرسمية كثيرة جدًا، غير أن المساحة تجبرني على اختيار نماذج معدودة ذات دلالة. روى س. صلاح أن محمد أجبر أحد الأطفال على الاستحمام ثم أوقفه أمام التكييف عاريًا إلا من البوكسر (سأتوقف عن وضع علامات التعجب من الآن لأن الأمر أصبح أكبر من ذلك).

هذه الأصوات نفسها تزلُّ أحيانًا، مثلا م. جمعة حين سئل عن السبب في عدم ترك محمد حين كان يصطحبه للمظاهرات عنوة، أجاب الطفل الذي تفنن في وصف جحيم المؤسسة وعذاباتها: “لان لو كنت مشيت وسبته ما كانش هايدخلني الجمعية تاني”، هو خائف إذن من طرده من الجمعية، لا احتجازه فيها.

في تقارير الطب الشرعي ثمة إصابات وكدمات حكى بعضهم (م. جمعة) أن البلطجية الذين اقتحموا المقر قبل المداهمة أحدثوها بهم.

بعض الأطفال حكوا الرواية الرسمية أولا بمحضر الشرطة، ثم عادوا في محاضر تنتمي لمراحل تالية، بعد أن تم توزيعهم على دور رعاية بعيدة عن قبضة الداخلية، وحكوا رواية تنصف المتهمين إنصافًا ظاهرًا، وبعض هؤلاء الأطفال منذ المحاضر الأولى في النيابة حلّقوا خارج السرب وشهدوا بما شهدوا به. بعضهم شهد شهادة مزلزلة عن وفاة أمه الحنون، ثم زواج أبيه الذي أرسله لخالته بالقاهرة، ثم انقطع عن إرسال أموال لمعيشته، فرفضت خالته بقاءه ببيتها، واتصلت بأبيه “وقالي امشي روح في أي حته أنا مش عايزك”، ثم معاناته في القاهرة، التي لم تمنعه من تقديم شهادة قال فيها إنه كان سعيدًا بحياته في الجمعية.

حين سأل الضابط أحدهم عن اختلاف أقواله مع أقوال زملائه الذين كالوا الاتهامات للمتهمين، قال: “وأنا برة (يقصد خارج مكتب وكيل النيابة) كانوا بيقولوا لي اكدب علشان يمشوك بس أنا قلتلهم لا أنا هاقول الحقيقة”.

أريد أن أختم باقتباس صغير من محضر تحقيق النيابة مع آية، فبعد كل الذي رأيناه، قرأت هذه الملحوظة بإمضاء وكيل النيابة: “حيث فرغ القلم من المداد الخاص به رأينا استبداله بمداد آخر أزرق اللون”. أرأيت هذه الدقة البالغة والنزاهة التامة؟

الوجه الآخر للاقتباس ذاته هو قول آية، بعد مواجهتها بأقوال الأطفال عن اتهامها بالقبض عليهم وتعذيبهم واستغلالهم جنسيًا: “كنت أتمنى إني أسمع منهم كلام غير كده وأنا فعلا قُلت كل حاجة بصراحة ومفيش حاجة علشان أكدب، وأفتخر بدوري اللي قدمته وأنتظر من عند الله الجزاء على جنس عملي وتعويضي خيرًا”.

اعلان