Define your generation here. Generation What
بعد محاولة منع “خلود صابر” من استكمال منحتها.. انتقادات جامعية وحقوقية لتدخلات الأمن في الحريات الأكاديمية
 
 

لطالما حارب المجتمع الأكاديمي في مصر التدخلات الأمنية في الحياة الأكاديمية منذ فترة حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، وربما قبل ذلك، والمجتمع الأكاديمي في مصر يحارب التدخلات الأمنية في الحياة الأكاديمية، حيث انتقد الكثيرون قبضة الأنظمة المتعاقبة على الحريات الأكاديمية، وهي الانتقادات التي زادت في الفترة التي تلت رحيل الأسبق محمد مرسي عن سدة الحكم في 2013.

وربما تكون حالة الدكتورة خلود صابر، الأستاذ المساعد في كلية الآداب بجامعة القاهرة مثالًا حيًا على هذه التدخلات.

حصلت صابر -المعروفة بنشاطها الكبير في مجال الحريات الأكاديمية والطلابية ودعمها لمطالب استقلال الجامعة- على منحة لدراسة الدكتوراة بجامعة لوفين الكاثوليكية ببلجيكا في أكتوبر 2015. وبعد حصولها على الأوراق اللازمة لإجازة دراسية، فوجئت “صابر” في ديسمبر 2015 بخطاب من كلية الآداب يخطرها بضرورة قطع إجازتها والعودة إلى مصر لتسلم عملها بجامعة القاهرة.

طبقًا للخطاب المرسل لصابر، والذي حصل “مدى مصر” على نسخة منه، فإن ما يسمى بـ “إدارة الاستطلاع والمعلومات” التابعة لوزارة التعليم العالي هي الجهة وراء هذا القرار، فيما لا تتوفر أي معلومات عن آلية عمل هذه الإدارة.

في اتصال هاتفي من بلجيكا، قالت صابر لمدى مصر إن هذه الإدارة تابعة لما كان سابقًا “مكتب الأمن” التابع لوزارة الداخلية، مضيفة: “أيًا كانت هذه الإدارة لا يحق لأي جهة إلغاء سفري والمنحة التي حصلت عليها وإجباري على العودة لمصر”.

طبقا للقانون 112 لسنة 1959 المنظم لشئون البعثات والإجازات الدراسية في مادتيه السادسة عشر والسابعة عشر: “ينشأ فى كل وزارة وكذلك فى كل جامعة لجنة الإجازات تشكل بقرار من الوزير المختص أو من مدير الجامعة ويكون من اختصاصها النظر فى الطلبات التى يتقدم بها الموظفون للحصول على إجازات دراسية بمرتب أو بدون مرتب وفقا للقواعد المقررة. وتحدد مدة الإجازة الدراسية سواء أكانت بمرتب أو بغير مرتب ولا يجوز مدها إلا بعد أخذ رأى مكتب البعثات المشرف على العضو ورأى الأستاذ المشرف والجهة المانحة للإجازة وموافقة اللجنة التنفيذية فى الإقليم”. ولا يشير القانون في أيٍ من مواده إلى إدارة الإستطلاع والمعلومات، التي يبقى دورها مثيرًا للجدل.

من جهتها، تؤكد “صابر” أنها لا تنوي العودة إلى مصر، وأنها ستستمر في دراستها بالخارج، خاصة أن الجامعة البلجيكية هي التي تمول منحتها، فيما عدا تذاكر السفر التي دفعت جامعة القاهرة قيمتها.

ورغم أن الدكتور جابر نصار، رئيس جامعة القاهرة، لم يكن متاحًا للرد، إلا أنه قال منذ أيام، في حوار مع برنامج مانشيت على قناة Ontv، إن الأمن لا يتدخل في الشئون الأكاديمية. وأكد أن: “جامعة القاهرة تحمي الحريات الأكاديمية ولا تسمح بأي تدخلات أمنية، لكن الأمن مؤسسة وطنية، والجامعة مؤسسة وطنية وكلاهما يتبادل المعلومات. أتحدى أي شخص يدعى عكس ذلك”.

وهو عكس ما يراه الدكتور هاني الحسيني، الأستاذ بكلية العلوم جامعة القاهرة، وعضو حركة 9 مارس لاستقلال الجامعات، والذي يقول إن علاقة إدارة الاستطلاع والمعلومات بالأمن هي حقيقة مؤكدة وليس مجرد كلامًا مرسلًا. مضيفًا أن الأساتذة الذين يرغبون في السفر للخارج لدواعٍ أكاديمية يتوجب عليهم ملء استمارة بيانات تتسلمها هذه الإدارة، “وهي نفس الاستمارة التي اعتدنا تقديمها لمكتب الأمن بالجامعة قبل ذلك”.

وكان للحرس الجامعي تواجدًا رسميًا تحت حكم مبارك، حيث قامت حركة 9 مارس في عام 2005 بتنظيم أول مظاهرة ضد تواجد قوات الأمن داخل الجامعات. وفي 2010 اقتنصت الحركة حكمًا نهائيًا من المحكمة الإدارية العليا بحظر تواجد الحرس الجامعي، وهو الحكم الذي لم يتم تطبيقه إلا بعد الإطاحة بمبارك في 2011.

من جهتها، تقول الدكتورة ليلى سويف، الأستاذ بكلية العلوم جامعة القاهرة، إن إدارة الاستطلاع والمعلومات لم تحل بديلا لمكتب الأمن، “بل هي مكتب الأمن ذاته، كل ما حدث هو إعادة تسمية المكتب ليس إلا”.

ويعود الحسيني ليقول إن مسئولًا بالوزارة أكد له شخصيًا أن ثلاث نسخ من الاستمارة المقدمة للإدارة محل الجدل تقدم للمخابرات العامة، والأمن الوطني، ومجلس الأمن القومي بينما تحتفظ الوزارة بالنسخة الرابعة. ويضيف: “يبدو أن مهمة هذه الإدارة هي إرسال هذه النسخ للجهات الأمنية السابقة”.

وبينما تظل سلطات هذه الإدارة غير معروفة للعامة، فإن “صابر” تقول إن جامعة دمنهور على سبيل المثال تقول بشكل علني إن هذه الإدارة لديها هذا النوع من السلطات التي تخوِّل لها مراقبة بعض الأنشطة وإبداء الرأي الأمني في عدد من الأفراد العاملين بالجامعة والعلاقات مع الأمن.

ويوضح الموقع الرسمي لجامعة دمنهور مسئوليات ومهام إدارة الأمن في الجامعة، ومهام المسئولين المختلفين بها. ويرد في الفقرة الخاصة بمسئوليات ومهام مدير إدارة الأمن والأفراد أنه: “يقوم بإبداء الرأي في الأفراد المرشحين للسفر للخارج وفقا للتعليمات والقواعد المتعلقة بذلك بعد استطلاع الرأي الأمني عن طريق الإدارة العامة للاستطلاع والمعلومات بوزارة التعليم العالي”، وهي واحدة من المهام المكلف بها، حيث يقوم كذلك بـ: “إعداد تقرير شهري عن الرأي العام داخل الحرم الجامعي وتقديم المقترحات و الحلول اللازمة، يوجه الموظفين الموفدين فى مأموريات رسمية أو بعثات للخارج ضد محاولات العدو للحصول على معلومات منهم عن الغرض الموفدين من أجله وكذا محاولات تجنيدهم للتجسس. يراقب نشاط الخبراء الأجانب العاملين بالجامعة للتأكد من عدم تجاوزهم نطاق المهمة المكلفين بها أو وجود علاقات غير عادية بينهم وبين أحد العاملين بالجامعة”، كما يقوم أيضًا، بعد استطلاع الرأي الأمني عن طريق الإدارة العامة للاستطلاع والمعلومات بوزارة التعليم العالي بـ “إبداء الرأي في الأفراد الجدد الذين يتم تعيينهم بالجامعة وفقا للقواعد المتعلقة بذلك، وإبداء الرأي في الأفراد المرشحين للعمل بالأماكن الحساسة، ويتابع الإجراءات الخاصة بتردد العاملين على السفارات الأجنبية أو التحاقهم بالدراسة بالمعاهد والمدارس الأجنبية لتعليم اللغات أو خلافه”.  

كان عدد من المنظمات الحقوقية قد أصدر أمس، الأربعاء، بيانًا، أدانوا فيه مخاطبة جامعة القاهرة لخلود صابر لإنهاء منحتها والعودة إلى مصر، وهو ما أعتبروه قرارًا “يحمل تبعات خطيرة على الحرية الأكاديمية من حيث تأثيره سلبا على حرية البحث العلمي، كما يظهر من خلاله تعمد جامعة القاهرة لإهدار مبادىء استقلال الجامعة بالاستجابة لتدخلات من وزارة التعليم العالي، وهي جهة تنفيذية، بالمخالفة لنصوص الدستور والقوانين المصرية، وفي تجاوز واضح لكافة المواثيق والإعلانات الدولية ذات الصلة بالحرية الأكاديمية واستقلال الجامعة، وفي ظل تزايد انتهاكات الحرية اﻷكاديمية في الآونة اﻷخيرة، مثل منع الرسائل العلمية وإحالة القائمين عليها للتحقيق، واشتراط الموافقة الأمنية على سفر أعضاء هيئة التدريس للخارج، والمنع من التدريس، وإلغاء اتفاقيات علمية، ﻷسباب تتعلق بسياسة السلطة الحاكمة”

وأضاف البيان أن تأثيرات قرار الجامعة لا تتوقف عند حدود انتهاك الحرية الأكاديمية فقط “بل أنه يعد استجابة من جامعة القاهرة لتدخلات السلطة التنفيذية ممثلة في وزارة التعليم العالي وتحديدا “الإدارة العامة للاستطلاع والمعلومات”، التي تشير المعلومات المتوفرة حولها على ارتباطها بجهات أمنية، ترسل لها استمارات لأعضاء هيئة التدريس ممن يستعدون للسفر في مهام علمية، حتى تحدد هذه الجهات، ما إذا كان مسموحا لهم بالسفر أو تقرر رفض سفرهم للخارج.

قبل أن تطالب المنظمات الموقعة جامعة القاهرة بـ “إلغاء قرار إعادة المدرس المساعد خلود صابر من المنحة الدراسية فورا، ووقف كافة أشكال التدخلات الأمنية في شئون أعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة، والحفاظ على الالتزامات المتعلقة بصون استقلال الجامعة والحريات الأكاديمية، باعتبارها السبيل الوحيد للنهوض بالتعليم العالي في مصر”.

وأكد البيان أن “صابر” قد أقامت دعوى قضائية أمام المحكمة الإدارية اختصمت فيها كلًا من وزير التعليم العالي ورئيس جامعة القاهرة وعميد كلية الآداب ومدير الإدارة العامة للاستطلاع والمعلومات بوزارة التعليم العالي ومدير الإدارة العامة للعلاقات الثقافية بجامعة القاهرة، وذلك طعنًا على قرار إلغاء إجازتها الدراسية، وللمطالبة بوقف هذا القرار، مع ما يترتب على ذلك من آثار، أخصها استكمالها لإجازتها ومنحتها الدراسية.

اعلان
 
 
مي شمس الدين