Define your generation here. Generation What

العسكري الغلبان: شهادة شخصية

بعد تقديم شادي حسين وأحمد مالك أوقية ذكرية علي شكل بلالين لـ”العساكر الغلابة” المضطلعين بحماية ميدان التحرير من المتظاهرين، في الذكري الخامسة لثورة يناير الشهيرة بـ”عيد الشرطة”، قامت الدنيا و لم تقعد، وانغمس المجتمع الافتراضي في نقاش شرس حول ما إذا كان ما فعلاه نوعاً من أنواع المقاومة أم مجرد قلة أدب، وانقسمت الأراء بين متعاطفين مع العساكر ومتضامنين مع “الكوندوم”. وبعد مرور أسبوعين على الواقعة، مع عدم القبض على أحدهما حتى الآن، وبما أن آفة حارتنا النسيان، اختفت الواقعة من دائرة الاهتمام مع ظهور موضوعات أخرى مثل مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، والقبض على إسلام جاويش، وثمن سجادة الرئيس. لا يهدف هذا المقال للدفاع عن شادي ومالك، ولا للدفاع عن العساكر، فقد قيل كل ما يمكن أن يقال في هاتين النقطتين، وإنما هو شهادة شخصية عن أحوال هؤلاء العساكر الذين عاشرتهم لمدة تقارب العشرين عاماً، عل وعسى أن تسهم تلك الشهادة في معرفة أسباب “غُلبِهم”، وتوضح لماذا يجب أن نعمل بقوة لرفع هذا “الغُلب”.

وُلدت لضابط شرطة برتبة عميد في إدارة المرور، وجعلني حظي، ولأسباب لم يكن لي يد فيها، أنتمي إلى أحد الفئات القليلة الآمنة في مصر قبل الثورة. مميزات أبناء الضباط عديدة، ومنها إمكانية السير بدون رخص، إمكانية الإفلات من دفع المخالفات البسيطة، السير آمناً في دولة أمناء الشرطة دون الخوف من “قلم” طائش أو حرز مدسوس، بالإضافة إلى العسكري.

يفترض للعسكري غير الحامل لمؤهل أن يخدم مصر لمدة ثلاث سنوات هي مدة تجنيده، ولكن الأمر ينتهي به خادماً للضابط وزوجته وأولاده، فالضابط يصبح هو نفسه “مصر” بالنسبة للعسكري، والعسكري يصبح إحدى المزايا الوظيفية للضابط، مثله مثل التأمين الصحي وبدل الانتقال لأقرانه الموظفين في القطاع الخاص. وبما أن العسكري يخدم البلد، فلا يوجد سقف لما يجب عليه تقديمه لخدمتها. فالعسكري “بتاعنا”، كما كنا نسميه، كان يعمل حارساً وسائقاً وخادماً ومراسلاً ومساعداً وعامل صيانة وسكرتيراً وعامل بوفيه ومرافق أطفال لوالدي ولكافة أفراد الأسرة، ليلاً ونهاراً. فمنذ صحوه في السادسة صباحاً ليوصل أبي إلى العمل، ويوصلني أنا وإخوتي إلى المدرسة، لا يستريح حتى نومه بعد منتصف الليل في أغلب الأيام، فيومه موزع على شراء طلبات المنزل وإيصالها، ومساعدة أبي في العمل، وإصلاح ما يجب إصلاحه، والقيام بمشاوير لا حصر لها، إلخ. هذا العمل الذي لا ينتهي، ولا يعلمه ولا يغني عنه شيئاً، لم يمنع أبي من التمتع بسمعة طيبة للغاية بين العساكر، فهو لم يكن يوماً باطشاً متجبراً مثل الكثير من زملائه، ولم يكن يهين العساكر جسدياً أو لفظياً، ولذلك كانوا يحبونه ويتمنون الانتقال للعمل في خدمته. أضف لهذا، أنه كان يعطي للعساكر طعاماً ساخناً مما نأكل، وهو أبسط الحقوق الإنسانية المكفولة حتى للعبيد، وكان هذا سر شعبيته! هذا هو قمة طموح المجند، وهذا هو قمة الغُلب. العسكري يتمنى فقط عدم إيذائه، ووجبة ساخنة، أما بالنسبة للعمل غير الآدمي فالكل يهون من أجل مصر! لم أفكر كثيراً من قبل في مدى صحة هذه العبارة، فقد ولدت ونحن عندنا عساكر. لا بد إذن أن حيازتهم حق مكتسب.

أنعم الله على والدي بالتقاعد قبل الثورة مباشرة، ولم يبتليه بمحنة خلع الميري والهرولة في الشوارع كما حدث لكثير من زملائه. منذ ولادتي، وحتى هذه اللحظة، كان العسكري مرافقاً دائماً للأسرة، يرافقنا في السفر والفسح والمصايف، ولم أفكر للحظة أن هذا من أبشع أنواع القهر النفسي له، أن يرى الفارق الهائل بين معيشته ومعيشتنا، ويدرك مدى فحش التباين الطبقي في مصر. كان أبي يردد دائماً أن العساكر محظوظون لأنهم يتعلمون الكثير خلال فترة تجنيدهم، وأن فور انتهائها “أكيد ربنا هيكرمهم آخر كرم باللي اتعلموه”. حين كنت أتفلسف صغيراً محاولاً إطالة الحديث، وأسأله عما تعلموه تحديداً، كان يقول بكل فخر إن العسكري يتعلم القيادة خلال فترة تجنيده، مما يؤهله للعمل كسائق بعد انتهائها، وإنه لولا تجنيده، ما كان اكتسب تلك المهارة، التي ستفتح له أبواب الرزق بعد ثلاث سنوات عجاف. ثلاث سنوات من أجل رخصة قيادة؟ لم تبد لي صفقة عادلة، ولكنها صفقة العسكري الوحيدة.

عبيد للضباط، يعملون بالسخرة دون مقابل مادي في أعمال لا تضيف لهم كأفراد، ولا تساهم في تنمية بلدهم، ولا في تدريبهم على كيفية التصرف في حالة الحرب، ودون الحق في مكان أدمي للنوم والأكل والإقامة، كان هذا واقع العساكر الذين عاشرتهم وانتفعت بثمرة جهدهم لعشرين عاماً، أنا وعائلتي، دون أن نشعر للحظة باستغلالهم، أو بأننا ساهمنا في معاناتهم لعقدين من الزمن.

بالعودة إلي شادي ومالك، وبدلاً من الانغماس في مناقشات بيزنطية حول إذا كان ما فعلاه خطأ أم صواباً، كان يجب أن يثير هذا سؤالاً مشروعاً، وهو “لماذا عساكرنا غلابة”. السبب الأول في الغُلب بالطبع هو الضباط، وهو ما يجهله معظمهم. فبدلاً من معاملة العساكر باحترام يجري تحميلهم بأعباء غير آدمية، ويُحرمون من السكن والطعام الآدمي، مما يؤدي لإصابة العديد منهم بالجرب وسوء التغذية. نظرة واحدة للعساكر، وهم داخل عربات الأمن المركزي المكتظة بهم كالسردين، كفيلة بإيضاح القصد دون الإسهاب في الشرح.

الدليل على نفاق الضباط وازدواجية معاييرهم، وهو مستوحى أيضاً من تجربة شخصية، أن أحد أقاربي، وهو ضابط في الأمن المركزي، جلب عساكر كتيبته بأكملها، لمساعدة الأسرة في نقل العفش، أثناء الانتقال لمنزل آخر، مقابل علبة كشري لوكس لكل منهم، وحين رأى قريبي هذا فيديو شادي ومالك ثار وانتفض لأجل كرامة العساكر الأبرياء المطحونين دون أدنى اهتمام بمن تسبب في طحنهم من الأساس! المشكلة هنا ليست في تناقض المبادئ، فالميزان نفسه أصبح مختلاً.  

السبب الثاني هو النظام، وهو المستغل الأكبر لجهلهم. فمنذ إنشاء جهاز الأمن المركزي عام 1968، عقب انتفاضة الشعب ضد المحاكمات الهزلية لقادة سلاح الطيران بعد النكسة، والذي كان الهدف منه حماية النظام من العدو الداخلي عن طريق فض أي تجمع، وقمع أي تمرد، ومن أجل ضمان قيام العساكر بدورهم كعصا غليظة فوق رؤوس العباد، جرى العمل على اختيار أقل الشباب حظاً في التعليم، ممن يسهل توجيههم للعمل في هذا القطاع، عن طريق إصدار قانون الخدمة العسكرية الذي ينص على قضاء العسكري غير الحاصل على مؤهل، مدة تجنيده في الشرطة أو إحدى الهيئات العسكرية التابعة لها، لمدة ثلاث سنوات، على عكس زميله الحاصل على مؤهل الذي يخدم لمدة سنة واحدة في القوات المسلحة، مثلما نوّه المؤرخ خالد فهمي مؤخراً على صفحته علي الفيس بوك. عسكري الأمن المركزي يجرَد من كل مشاعره، ويُمنع منعاً باتاً من التفكير، لأنه إذا فكر قد يعصي الأوامر، وإذا أدرك أنه لا يحمي بهراوته الوطن من أعدائه، قد ينتهي به الأمر مثل “أحمد سبع الليل” في فيلم “البريء”، الذي أطلق النار على وحدته بأكملها، في النهاية الأصلية للفيلم، قبل حذفها من أجل السماح بعرضه.

من السهل إلقاء بعض المسؤولية على العساكر، لعدم تمردهم على أوضاعهم المزرية، ولكن من الصعب فعل ذلك إذا تذكرنا انتفاضة عام 1986 التي تمرد فيها العساكر بسبب إشاعة مدّ الخدمة لأربع سنوات بدلاً من ثلاثة، ولجأ النظام إلي الجيش لقمعها بعد أن استمرت لعدة أيام وقُتل فيها عشرات العساكر. يمكن الجزم بوجود العديد من الانتفاضات الصغيرة الأخرى التي لا نسمع عنها بسبب بعبع المحاكمات العسكرية والسجن الحربي، القادرين على كبت أشجع عسكري، وجعله يبتلع المر والعلقم من أجل إمضاء بقية خدمته في سلام.

كيف نقضي على هذا “الغُلب”؟

ينادي البعض بضرورة إصدار تشريعات جديدة لخفض فترة التجنيد، ويطالب الآخرون قيادات الداخلية بالتدخل لتحسين أحوال المجندين. وأنا شخصياً ضد هذا وذاك، فتحسين ظروف العبودية لا ينفي كونها عبودية، والأهم هو المطالبة بإلغائها عن طريق إلغاء التجنيد الإجباري من الأساس. هذا بالطبع حلم بعيد المنال، لأن العمالة الرخيصة الممثلة في العساكر هي قوام إمبراطورية الجيش الاقتصادية، وهي أيضاً أهم المزايا الممنوحة لضباط الداخلية، ولكن المطالبة بهذا علنياً وبوضوح قد تدفع السلطة، مع مرور الوقت وكثير من النضال، إلى تقديم تنازلات ثمينة قد تجعل من الحلم حقيقة. هذا بالإضافة إلى ضرورة إصلاح هيكل أجور وزارة الداخلية لضمان عدم تفاوت الرواتب الرهيب بين القيادات وبقية الرتب، لانتشال من هم في أدنى هرم الداخلية من الفقر، وللحد، ولو نسبياً، من الرشاوى والانفلات. يجب أيضاً إعادة النظر في شروط القبول بالعمل الشرطي، وإعادة تصميم مناهج التدريب، على أن تُسند هذه المهمة إلى حقوقي مدني، عل وعسى أن يسهم هذا في إعادة تعريف فلسفة الشرطة، من كونها هيئة عسكرية مسيسة، إلى هيئة مدنية منظمة كما ينص الدستور.

انتشال العساكر من الغُلب يجب أن يكون هدفاً لجميع من يريدون وقف دائرة إعادة توليد القهر، ومع ذلك فالغُلب لا يبرر البطش، والجنود مسؤولون دينياً وأخلاقياً ومجتمعياً عن الأوامر التي ينفذونها، وسيُسألون عنها يوم لا ينفع قائد ولا وزير الداخلية شخصياً، فلولا تحملهم لمسؤولية ما يفعلونه، ما كان الله سبحانه وتعالي قرن الجنود بفرعون في العديد من آيات القرآن الكريم. فسحقاً لكل فرعون أودى بنفسه وبجنوده إلى الجحيم.

اعلان
 
 
طاهر المعتز بالله