Define your generation here. Generation What
رغم رفض مجلس النواب.. معركة “الخدمة المدنية” مستمرة
 
 

جاءت جلسة مجلس النواب المنعقدة يوم اﻷربعاء، 20 يناير، مختلفة تمامًا عن الجلسات السابقة التي شهدها المجلس عبر خمسة عشر يومًا من بدئه في مراجعة القوانين التي أصدرها الرئيس عبدالفتاح السيسي، خلال الفترة التي جمع فيها بين رئاسة السلطة التنفيذية والتشريع.

ففي هذه الجلسة؛ ناقش المجلس قانون الخدمة المدنية المثير للجدل؛ وانتهى لرفض مشروع القانون بعد جلسة عاصفة استمرت لما يقرب من 4 ساعات، أصبح بعدها ” الخدمة المدنية”؛ هو القانون الوحيد الذي تم رفضه من بين أكثر من 340 قانون راجعها المجلس. وجاء رفض القانون في الجلسة العامة، بعد رفض تام للنص نفسه من لجنة القوى العاملة بالمجلس، التي أعلنت بإجماع أعضائها على رفض مشروع القانون قبل جلسة التصويت العامة بعدة أيام، ورفعت توصيتها للمجلس برفضه.

عقب رفض اللجنة؛ تصاعد الجدل حول القانون، وحاولت الحكومة بشتى الطرق إقناع النواب بضرورة تمريره. وأعلن وزير التخطيط أشرف العربي قبل أيام من جلسة التصويت، أن رفض القانون “يشكل عودة لنقطة الصفر، ورسالة سلبية للعالم الخارجي والمنظمات الدولية، لن تحتملها مصر”. وصرح مصدر حكومي مجهول لعدة صحف بشكل متزامن: أن رفض القانون سيتبعه إلزام الحكومة برد مبلغ 17 مليار جنيه. وعلى الرغم من التحذيرات الحكومية، إلا أن المجلس صوت على رفض القانون.

في تقريرها عن جلسة التصويت على القانون، تحكي جريدة الشروق في تقريرها “قصة 240 دقيقة أطاحت بقانون الخدمة المدنية“: أن وزير الشؤون القانونية ومجلس النواب مجدي العجاتي، حذر النواب من أن الدولة لن تتمكن من دفع مرتبات الموظفين إذا تم رفض القانون. وانضم النائب المعين، رئيس مجلس القضاء الأعلى الأسبق، سرى صيام لصف المؤيدين لتمرير القانون بقوله: “إن عدم موافقة مجلسكم الموقر على القرار بقانون سيترتب عليه إخلال بتكافؤ الفرص”.

وأضاف التقرير أنه: “فى نهاية المطاف، اضطر رئيس المجلس إلى بدء التصويت، وانتهى إلى قرار برفض المجلس للقانون بعد رفض 332 عضوًا له، وموافقة 150 آخرين، وامتناع سبعة نواب عن التصويت.

وعلى الرغم من رفض القانون، إلا أن كل اﻷطراف تتفق على أن هناك ضرورة حقيقية ﻹصلاح الجهاز اﻹداري للدولة، وهو ما يعني إعادة صياغة وتعديل القانون، وليس رفضه إجمالًا، والعودة للعمل بقانون 47 لسنة 1987 المعروف بقانون العاملين المدنيين بالدولة.

يرى رضا البلتاجي، عضو مجلس النواب عن حزب المصريين اﻷحرار لدائرة حلوان، أن القانون كان يمثل خطوة جيدة على طريق اﻹصلاح. وأضاف البلتاجي لمدى مصر أن الجهاز اﻹداري يمتلئ بالمشاكل، وهو ما يجعل علاجها صعبًا ومؤلمًا في بعض اﻷحيان، لكنه ضروري. مبينًا أنه موظف حكومي باﻷساس؛ وطالما عانى من مشاكل عديدة أثناء عمله بجهاز الدولة.

يقول الصحفي الاقتصادي وائل جمال إن تعيينات الموظفين في الجهاز الحكومي، كانت تتم غالبًا في شكل هبات تقدمها الحكومة لقطاع من مواطنيها، دون أن تكون هناك حاجة حقيقية لتوظيفهم في الجهاز الحكومي.

وأشار جمال، في حديثه لمدى مصر، إلى ما لاحظه الباحث الاقتصادي الراحل سامر سليمان، أستاذ الاقتصاد بالجامعة اﻷمريكية في كتابه “النظام القوي والدولة الضعيفة”، الذي ورد فيه أن معدل التعيينات الحكومية لموظفين جدد كانت تتزايد على الدوام مع اقتراب موعد إجراء أية انتخابات. ويضرب جمال مثلًا بما قيل عن أن كمال الجنزوري قام بتعيين ما يقرب من 750 ألف موظف مع نهاية السنة المالية 2011-2012 أثناء إنهائه مهام حكومته (رواية متواترة).

ويتفق دكتور عمرو عادلي، الباحث بمعهد كارنيجي، مع وائل جمال فيما يتعلق بتخبط سياسة الحكومة للتوظيف. يقول عادلي: إن الجهاز الحكومي كان يعمل بشكل انتقائي لضمان حد أدنى من الرفاه لقطاع من المواطنين؛ من خلال خلق وظائف وهمية في اﻷساس، أو ضعيفة اﻹنتاجية، لكنها توفر دخلًا لفئات اجتماعية مهمشة وضعيفة الفرصة في سوق العمل، كالسيدات أصحاب التعليم العالي والمتوسط، وقطاعات الشباب التي لا تجد عملًا آخر.

يوضح جمال أن إصلاح الجهاز اﻹداري للدولة مطلوب، لكن هناك أحد طريقين ﻹجراء هذه اﻹصلاحات: الطريق اﻷول مبني على تصور توزيع أكثر عدالة للدخل، ودور أكبر للدولة في القطاعات الخدمية. بينما يعتمد الطريق الثاني على أن تتخلى الدولة عن أي دور لها وتترك كل مساحات النشاط الاقتصادي للقطاع الخاص.

ويضيف جمال أن خطط البنك الدولي المتعلقة باﻹصلاح الاقتصادي في مصر تعتمد بشكل أساسي على الطريق الثاني.

كان البنك الدولي قد أصدر تقريرًا مفصلًا عن برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي يشترطه للموافقة على إقراض مصر مليار دولار. وتضمن البرنامج خفض الأجور والرواتب الحكومية -التي بلغت قيمتها 8.2% من الناتج المحلي الإجمالي في 2015- إلى 7.5% بحلول 2018.

يوضح عمرو عادلي أن الضغوط في اتجاه تقليص الأجور لا تقتصر على الجهات الدولية المانحة للقروض؛ وإنما تمتد إلى قناعة داخلية بضرورة إجراءات، تراها الدولة لازمة ﻹعادة إطلاق النمو الاقتصادي في مصر، وجذب المزيد من الاستثمارات.

لكن التوجه الحكومي اصطدم بالقاعدة العريضة للموظفين الذين قرروا رفض القانون. يرى هيثم الحريري، عضو مجلس النواب وعضو لجنة القوى العاملة، أن الموظفين “نجحوا بامتياز في الضغط على النواب والحكومة والرأي العام برفضهم للقانون”. وأضاف الحريري لمدى مصر: أن تصريحات وزير التخطيط حول عجز 17 مليار جنيه بسبب رفض القانون، يعني أن “القانون الجديد كان يقتطع بالفعل من رواتب الموظفين على عكس ما ادعت الحكومة”.

كانت قطاعات عديدة من الموظفين قد أعلنت رفضها طوال شهور لقانون الخدمة المدنية. وقال عدد من النقابات المهنية والعمالية في بيان أعقب صدور القانون بقرار من رئيس الجمهورية، إن “القانون يتضمن سلبيات خطيرة ستؤثر في حقوق العاملين في الدولة فيما بعد”. كما أعلن موظفو عدد من القطاعات بوزارة المالية رفضهم للقانون، وتظاهر عدد آخر منهم احتجاجًا عليه.

لكن التظاهر لم يكن هو الطريق اﻷساسي لمواجهة القانون. يرى عادلي أن المشكلة اﻷكبر تعلقت بمقاومة موظفي الدولة لتطبيق القانون بشكل عملي، وهو ما ظهر في استثناء عدد كبير من القطاعات من تطبيق القانون عليها.

وأوضح عادلي أن هناك العديد من القرارات والقوانين التي تصطدم بالجهاز البيروقراطي، ويقوم الجهاز البيروقراطي نفسه باستيعابها وتفريغها من أهدافها من خلال الممارسات القائمة فيه بالفعل، وهو ما يؤدي إلى إعادة إنتاج نفس الوضع الخالي من الكفاءة.

وأضاف عادلي أن العاملين في الدولة يمثلون القاعدة الصلبة التي يستند إليها النظام الحاكم، وأن رفض هذا القانون جاء بسبب آثاره التوزيعية السلبية المباشرة عليهم. وهو يرى أن النظام الحاكم في مصر قائم على تحييد القاعدة العريضة لموظفي الدولة، واحتواء احتجاجات العمال التي يشكل موظفو الجهاز الإداري النسبة الغالبة منها. ولهذا، يعتقد عادلي أن الحكومة المصرية واقعة في حيرة بين ضرورة إصلاح الجهاز اﻹداري، وصعوبة مواجهة موظفيها.

ويضيف عادلي أنه ليس في استطاعة أحد التحرك ضد البيروقراطية المصرية؛ إلا إذا كان مدعوما بظهير شعبي قوي يستطيع تحمل ضغوط الجهاز البيروقراطي، يقول عادلي : “اﻹخوان كانوا تيارًا سياسيًا مدعوم بشكل شعبي، وعلى الرغم من هذا تمكنت البيروقراطية من سحقهم”.

ويتفق وائل جمال مع وجود تناقض بارز في موقف الحكومة تجاه موظفيها تجسد عند طرحها لهذا القانون. يقول الباحث والكاتب الاقتصادي: “كنت مندهش إن السيسي حط [القانون] ده على أجندته في الوقت ده”. مضيفًا أن أحد أهم أسباب فشل مرسي يرجع لرفض جهاز الدولة التعاون معه.

وتدور النقاشات بشكل أساسي حول التعديلات التي يمكن القبول بإجراءها على القانون ﻹعادة تقديمه لمجلس النواب وتمريره. وكشفت مصادر لموقع برلماني في تقرير لها أن “المشاروات الحكومية أسفرت حتى الآن عن وجود اتجاه لتعديل 10 مواد بشكل مبدئي، فى مقدمتها المواد التى أعلن المستشار مجدي العجاتي، خلال جلسة مناقشة القانون، موافقة الحكومة على تعديلها. وأبرزها المواد الأكثر إثارة للجدل، وهي المواد (26) و(27) و(28) من القرار بالقانون رقم 18 لسنه 2015. وذلك بتعديل المادة (26) بإلزام الجهات الحكومية بالرد على التظلمات فى تقارير تقييم الأداء على أن يكون الرد مسببا خلال 15 يوما، وفيما يتعلق بالمواد (27) و(28) و(29) والخاصة بتقييم أداء الموظفين سيتم تعديلها استجابة لطلبات أعضاء مجلس النواب بما يضمن الحيادية والموضوعية وعدم تسلط الرئيس على المرؤوس”.

وأكدت المصادر موافقة الحكومة على تعديل البندين رقمى (1) و(2) من المادة (59)، بما يحد من سلطة الرئيس المباشر من توقيع الجزاءات على الموظفين، واستحداث مادة تتعلق بمحو الجزاءات التأديبية أسوة بنص المادة (92) من قانون العاملين المدنيين الملغى، والصادر برقم 47 لسنة 1978.

من جانبه أكد النائب هيثم الحريري تمسكه بإجراء كل التعديلات التي اقترحتها لجنة القوى العاملة بالمجلس في مذكرة رفضها للقانون. إلا أنه أبدى تخوفه من أن تقوم الحكومة بإجراء تعديلات شكلية على القانون من أجل تمريره.

 

اعلان
 
 
محمد حمامة