Define your generation here. Generation What
مازن معروف: فلسطيني – لبناني.. وبينهما آيسلندي
 
 

يتلمّس الصحفي والشاعر الفلسطيني مازن معروف، المقيم بين لبنان وأيسلندا، دروباً سردية مغايرة في مجموعته القصصية الأولى “نُكات للمسلَّحين” (دار الكوكب، رياض الريّس – 2015) ولكنه لا يفعل ذلك بذهنية سوداوية بل بروح الطفل، بما تحمله من رغبة في استكشاف عفوي للأشياء من حوله، حتى لو كان ذلك في خضم أجواء الحرب وبين المسلَّحين.

ولد مازن عام 1978 في بيروت وحصل على بكالوريوس في الكيمياء من الجامعة اللبنانية. صدر له ديوان “كأن حزننا خبز” (دار الفارابي 2000)، وديوان “الكاميرا لا تلتقط العصافير” (دار الأنوار 2004)، (دار الجمل 2011)، وديوان “ملاك على حبل غسيل” (دار الكوكب، رياض الريس- 2012).

بعض عناوين أعماله العربية

بعض عناوين أعماله العربية

وبالإضافة لأعماله الشعرية، ترجم مازن أعمالاً أدبية كـ “الثعلب الأزرق” لشون (2013 – دار الساقي) و”يدا أبي” لمايرون أولبرغ (2012 – مشروع كلمة أبو ظبي) بجانب ترجمته لمختارات شعرية وقصصية مختلفة، كما يكتب في النقد الأدبي والمسرحي لصحف ومجلات مختلفة في العالم العربي وأوروبا.

تُرجِمت قصائد مختلفة من أشعاره إلى الفرنسية والإنجليزية والسويدية والألمانية والصينية والأوردو والملاوية، كما تُرجِم ديوان “ملاك على حبل غسيل” إلى الفرنسية وصدر عن دار نشر “لا منديه” (باريس 2013)

من عناوين أعماله المترجمة

من عناوين أعماله المترجمة

أسأله لماذا القصة الآن، خاصة بعد أن قطع شوطاً ليس بقليل في الكتابة الصحفية بجانب الكتابة الشعرية، فيخبرني أن السؤال يبدو صعباً. فهو لا يظن أن هناك تعارضاً بين الكتابة الصحفية وكتابة الشعر والقصة. إنها أشكال كتابية يمكن أن تكون ظاهرياً منعزلة عن بعضها البعض، لكن كل شكل منها يحتمل وجود جينات من الأشكال الأخرى فيه.

يضيف: “قد تكون الإجابة الأسهل على سؤالك هي أنني لا أعرف لماذا أكتب القصة. وربما أنا غير مهتم بمعرفة هذا الدافع. لأنني متى عرفتُه ستصبح علاقتي بالقصة علاقة ميكانيكية. وليس وارداً عندي الآن هدم هذه العلاقة الجديدة نسبياً بيني وبين القصة. سأعطيك الإجابة فقط عندما أقرر التخلي عن هذه العلاقة.”

يسكت قليلاً ثم يضيف وكأنه يحاول أن يصف طيفاً يمر به في الحال: “لكن سؤالك يجعلني أفكر في الجزء الذي نعيش فيه من العالم. نحن بلا شك نعيش داخل جثة. وإلى الآن ليس معروفاً من الذي يأكل الآخر ويقتات عليه، نحن أم هي. كل ما حولنا متعفن. وهذا ينطبق على علاقتنا بالأدب أيضاً. إنها علاقة لا تزال محدودة نسبياً. وكل هذا الكلام عن ريادتنا وامتيازنا غير دقيق برأيي. يتوقع منك البعض في العالم العربي أن تظل تكتب الشعر فقط أو المقالة الصحفية؛ لأنها تلك هي الصورة المعهودة عنك. يعتبرون انتقالك إلى نوع كتابي آخر اعتداء عليهم. إنه ليس اعتداء بل إرباك. في هذا الجزء من العالم حيث نعيش، تتربص بنا ثقافة الأبواب المغلقة.”

يخبرني بنبرة صوت تبدو محبطة أن المشهد الأدبي يشبه في جزء منه مقطعاً من الغابة، حيث أفراس النهر والتماسيح والأسود مجتمعة حول نهر. إن كنت حماراً وحشياً مخططاً، فإن الجميع سيبادر إلى نهش لحمك، مع أنك أتيت لا لتعتدي على منطقة هذا أو ذاك وإنما لتشرب الماء فقط. أظن أننا عندما نُقبِل من الشعر إلى الرواية أو القصة يُنظر إلينا باديء الأمر كأننا حمير وحشية أو كأننا معتدون. التسمية تصح في حالة واحدة فقط، عندما يقرر شاعر سيء أن يصبح قاصاً سيئاً.

ثم يكمل بالنبرة نفسها تقريباً مع تقطيبة جبين تدل في شيء منها على استجلاب الماضي: “عندما كنت أكتب القصيدة، أو النص الشعري، أو سمه ما شئت، كنت أغيب عن الوعي، أقصد وعيي بما يحيط بي. وما أن أخرج من القصيدة، حتى يكون أول ما يلفتني هو أنني كتبت نصاً فيه تركيبة حكائية، قصصية. لا أعلم إذا كانت قصائدي تدل على شيء، لكنها على الأقل بدت كإشارات مرور تقول لي إنني قد أكتب القصة يوماً ما.”

كان هذا الكلام منذ أكثر من عشر سنوات. لكن مازن انتظر. لم يجبر نفسه على كتابة القصة إلا بعدما وجد أن المرحلة الشعرية انتهت بطريقة ما. “أو قل جُمّدتْ أو تأجلتْ لوقت محدد.”

***

من القصة الأولى “نُكات للمسلَّحين”، وحتى نهاية صفحات مجموعته القصصية (135 صفحة) يبرز حضور العالم بتفاصيله الصغيرة في غالبية القصص من خلال عينيّ الطفل وسط أجواء الحرب. أعطت هذه الزاوية لمازن “خفة” إيجابية في الحكيّ، ليست مثل تلك التي حدثنا عنها كونديرا مع كائنه الذي لا تُحتمل خفته بل خفة الخيال الطفولي التي تكسر بديهيات الخوف والقلق التي يعيشها الناس في أجواء الحرب.

أستعيد التساؤلات المُلِحة وأحاول أن أعرف كيف بدأ الأمر مع الكتابة الصحافية.

يبتسم نصف ابتسامة. يسند رأسه على يده ويخبرني عن ذكريات عمله في الكيمياء والفيزياء: “كان لدي تلميذ كسول جداً. كان يقول لي إنه يريد أن يصبح كاتباً، مع أنه كان أيضاً كسولاً في اللغة العربية والإنجليزية. اجتمعت بوالدته ذات يوم في المدرسة، وحاولت إقناعها أن ابنها ليس ميؤوساً منه وأنه يريد أن يصبح كاتباً وأن هذا شيء جيد، إلا أن الأم رأت أن ما أقوله مستحيل، وأن ابنها سيظل فاشلاً في حياته. وعند نهاية السنة قدمت استقالتي وقررت التفرغ للكتابة. قلت للتلميذ (أنا أيضاً مثلك، لطالما أردت أن أكون كاتباً. بلغ هذا لوالدتك) وهذا ما حصل.”

أبتسم بدوري، فالحكاية فانتازية في أحد جوانبها، ولكن متى كان الواقع بعيداً عن الفانتازيا؟ يلفت انتباهي تعدد اهتمامات معروف، فبجانب الكتابة، يُترجم مختارات شعرية وأشكالاً أدبية متنوعة. أسأله عن تأثير ذلك في مشروعه الأدبي، فيأتي رده سريعاً مباغتاً بأنها كلها نشاطات لا تنفصل عن بعضها بعضاً. عليك أن تُفرِغ بعضاً من نفسك هنا، لتعيد ملئها بشيء من هناك. الأدب يشبه نهراً كبيراً، نهراً عظيماً، تطفو فيه اللآلئ الملونة والأوساخ جنباً إلى جنب، القناني الفارغة والجيف وصناديق الألعاب وتعاويذ السحر والفاكهة الطازجة. وأنت عندما تقرر الاتصال بالأدب، فأنت مضطر للسباحة في هذا النهر. سيكون عليك رمي نفسك، وتتركها تلامس كل شيء، تدع جلدك يصاب بالحساسية ويمرض، ثم يفيق مكتسباً تقرحاً ومناعة معينة.

يعتدل في جلسته وهو لا يتوقف عن الاسترسال وكأنه لا يريد أن يسمح لحبل أفكاره بالانقطاع: “في الوقت نفسه، فإنك ستكون واقفاً على الضفة تلاحق جثتك لتنتشلها في نقطة معينة وتقوم بفتحها والنظر إلى داخلها لترى الدم الجديد الذي تكوّن فيها. عندما أترجم يتدفق بداخلي دمٌ جديدٌ وكذلك عندما أكتب. الكتاب الجيد يشعرني كم أنا ناقص.”  

ليست فقط أجواء الحرب هي ما نراها كثيراً باستخفاف مضحك أثناء تجولنا بين مسلحين مازن ونكاتهم، فهناك أيضاً ذلك الطفل الذي ينتقل من قصة لأخرى في المجموعة ودائماً ما يُورِّط أسرته، خاصة أبيه، في الكثير من المتاعب. تبدو علاقة الطفل السارد بالأب مختلفة عن علاقته ببقية أسرته. لا يمكن تجاهل الإشارات المتكررة التي يتحدث فيها طفل عن علاقته بأبيه أو خيالاته نحوه والتي تحضر فيها الفانتازيا بشكل ملفت.

***

سافر مازن منذ سنوات قليلة (2011) في منحة كتابة إلى العاصمة الأيسلندية ريكيافيك. أيسلندا جزيرة صغيرة في مساحتها وعدد سكانها. ليست بلداً أوروبياً مألوفاً لنا كعرب. ترك مازن بيروت وعمله فيها منطلقاً في رحلة أقرب لثنائية استكشاف المجهول والمغامرة المحسوبة. أسأله عن انطباعاته عن تلك الجزيرة البعيدة والصعوبات التي واجهها في بداية العيش هناك وأكثر ما لفت نظره، سلباً أو إيجاباً.

تتحرك يده في الهواء محاولاً شرح المفارقة لي: “تخيل عندما تظن أنك آت من ثقافة عربية عريقة وصاخبة، لغة ذات تاريخ كبير يتكلمها مئات الملايين من البشر، ثم تهبط على جزيرة صغيرة، لا يتعدى سكانها الثلاثمائة ألف نسمة، وتجد أن فيها كاتباً حاصلاً على نوبل للآداب، وموسيقيين عالميين، أكثر شهرة من أي موسيقي عربي نعرفه، وأن فيها أكبر عدد من المكتبات عطفاً على عدد السكان في كل أوروبا، وأنك تقابل سائق التاكسي والسمكري والنجار والنادل وتجد أنهم في مكان آخر كتّاباً أو سينمائيين أو موسيقيين أو فنانين ولديهم أسلوبهم واجتهاداتهم، ثم تذهب إلى المقهى لتكتشف في اليوم التالي أن مجموعة الندلاء التي تعمل فيه ما هي إلا أشهر فرقة موسيقية شبابية في آيسلندا كلها، وأن صورتهم تتصدر الصفحات الأولى في الصحف. ثم تعرف أن عمدة العاصمة هو (يون غنار) الممثل الكوميدي والكاتب المؤثّر الذي يحظى بشهرة لافتة في أوروبا وأميركا وأن عدداً من النواب في البرلمان هم مغنّو روك في إحدى الحانات ليلاً، ثم تتعرف إلى مجموعة ويكيليكس، وتعلم أن الآيسلنديين يشعرون بالعار لأن حكومتهم شاركت في حلف الناتو خلال الحرب على العراق، علماً بأن آيسلندا لم تُرسل إلا جندياً واحداً ولم يكن محارباً بل عُيِّن ناطقاً رسمياً. ثم تأتي الانتخابات، وتكتشف أن أحد الأحزاب وضع على قائمة برنامجه السياسي بند (تحرير فلسطين)، بمعنى السعي لمساعدة الفلسطينيين في تحصيل حقوقهم كاملة. ومنذ شهرين، أعلن أحد عشر ألف آيسلندي استعداده لاستقبال عائلة لاجئة من سوريا، وهم يدركون أن الحكومة لو وافقت على هذا، فسيزيد عدد السكان بنسبة 10-15 بالمائة تقريباً، وستكون آيسلندا أمام اختبار هو الأول من نوعه اجتماعياً وثقافياً. ناهيك عن صورة المرأة في المجتمع الآيسلندي ومكانتها وحضورها المتحرر من كل اعتبارات الجمال السخيفة عندنا. ثم أن لديهم واحدًا من أهم المهرجانات الأدبية في العالم، يحدث مرة كل عامين، وقد دُعي إليه عدد من الكتاب مثل ساراماجو، ترانسترومر، هيرتا موللر، بول أوستر، وألكسيفيتش التي حازت نوبل هذه السنة وكان لي شرف أن أقرأ معها عندما كنا مدعويْن إلى هذا المهرجان عام 2013. اهتمامهم بالثقافة نابع من كون آيسلندا جزيرة، أي أنها غير محاطة بأي جيران، عدا الحيتان والأسماك والرياح الباردة. وهو ما يدفعهم إلى الحفاظ على تراثهم اللغوي والثقافي، وهم اليوم منفتحون على ثقافات العالم ولغاته أيضاً. لا عجب مثلاً أن تجد بعضاً من كتب نجيب محفوظ في مكتبات آيسلندية. لقد عشت طبعاً بعض الصعوبات، منها ما هو شخصي أو عاطفي، ومنها ما هو متعلق بأن تكون وحيداً على جزيرة قطبية. لكني كتبت (نكات للمسلحين) هناك. وهذا أمر أعتز به كثيراً.”

مازن يقرأ مقتطفات من أعماله

مازن يقرأ مقتطفات من أعماله

***

في مجموعته القصصية، يستحضر مازن روح الطفل في الكثير من الأحيان، بل إنها قد تكون حاضرة غريزياً إلى حد بعيد. أخبره بهذا وأصمت منتظراً منه إكمال خيط أفكاري.

لا يخيب ظني، يقول: “لا أعلم حقاً. يفتنني عالم الطفل النقي والساذج، لا أتحدث عن الأطفال الذين نحاول كراشدين تدجينهم ليصبحوا نسخاً غير طريفة عنا، ثم نسجل تصرفاتهم في فيديو، لا لشيء إلا لنؤكد لأنفسنا بأننا غير مرضى وأننا على صواب. وكأننا نجحنا في تدريب حيوان ما على التصرف مثلنا. إننا نؤسس لطفل ذكي وجذاب لكننا لا نؤسس لطفل يكون “إنسانياً”. نربي وحوشاً في بيوتنا، وحوشاً صغيرة ستقتلنا في أول فرصة. في قصصي، قد أتحدث عن هؤلاء، لكني أتحدث أكثر عن الطفل الذي يقرأ العالم على سجيته، يُفكِكه إلى أسئلة وعلامات تعجب، إلى مجموعة من العلاقات البسيطة والعميقة. الأطفال الذين عايشتهم، هم الأطفال الذين أكتبهم اليوم. لقد كنت واحداً منهم في نهاية الأمر. شخصياتهم وذاكراتهم تركزت في الحروب. ولا أظن أن هذا النمط من الأطفال تغير كثيراً في يومنا هذا. الأدب في النهاية، لا يخضع للشروط الزمنية والظرفية، الأدب يمكنه أن يختار بنفسه ظرفه، زمنه، طريقة عيشه، ونوع عدالته.”

لا يتوقف مازن في مجموعته عند سقف ما واضح، بل يأخذ غالبية قصصه إلى الفانتازيا انطلاقاً من واقع يبدو في الأول وكأنه يعاني من رتابة الحرب وليس به جديد. هنا تلوح لنا خيالات الشاعر داخل القاص، لغته الرشيقة، وجودة الحكيّ في قدرته على جعل الكتابة مشهدية.

يتخلى في بعض الأحيان عن هذه التيمة لصالح استثناءات يبدو فيها السارد شاباً أحياناً كما في “بسكويت”، أو طفلاً بدون أب في أحيان أخرى كما في “سينما”، أو زوجاً كما كان الحال في “أكواريم”، أو في قصته “خوان وأوسا” والتي كان بطلها ثوراً نتتبع حياته بتكثيف ذكي حتى نعرف علاقته بصاحبه. ولكن هذه التنويعات لم تكن نشازاً ولم تُفقد المجموعة تناغمها، بل جاءت في صالح كسر أي رتابة مُحتملة.

شخصياً، أحب حين نُشَغِّل المكيِّف. فنحن لا نفعل ذلك إلا في المناسبات. حينها تراني لبستُ بيجامتي القطنية ولها قبعة، ورحت ألاكم في الهواء كما لو أنني ألاكم رافعة عملاقة. لقد استوحيتُ ذلك من البطل روكي في الفيلم. وهو أيضاً ما فعلتُه في جثة خالي. رحتُ ألكمه. فقط في أسفل قدميه. وعلى ما يبدو فإن اللكمات دفشت الدم من قدميه إلى قلبه فاستيقظ. هذا أعمق تحليل توصلت إليه، لكني لم أبُح به لأحد. هل تريدونني أن أقول لماما إنني لاكمتُ قدميَّ خالي الميت؟ حتى خالي لم يعرف أني لكمته. أول ما أفاق، وكان ذلك صباح الخميس، حكَّ قدمه وأخرج شوكة منها. قال إن الشوكة ظلّت تؤلم روحه فلم يستطع أن يموت بسلام.”، قصة “ماتادور”.

يظهر هنا مزيج خفة الحكيّ، السخرية، العفوية والفانتازيا أيضاً. هذه هي الأجواء التي تتشبع بها المجموعة مع نهايات ملفتة لقصصها، حرص فيها مازن على أن تكون مفاتيح لرسوخ القصص في ذهن القاريء.

***

عندما نتحدث عن مشاريعه المقبلة، يخبرني أنه يعمل حالياً على كتابين. أحدهما مجموعة قصصية، أما الآخر فسيفصح عنه لاحقاً. كما يُترجم روايتين للأطفال من الأدب الآيسلندي. من المتوقع أن تصدر جميعها عام 2016.

لكنني أبتعد قليلاً عن ذلك كله. يلِّح عليّ سؤال الهوية وفي الخلفية تأتيني هواجس تخصّ إدوارد سعيد وحديثه في سيرته الذاتية “خارج المكان”؛ كيف يشعر مازن معروف تجاه هويته كفلسطيني، وُلد وعاش في بيروت ومن ثم انتقل منذ سنوات قليلة لآيسلندا، كيف يجد ذلك كله، أو بمعنى أصح كيف يتعامل معه، وما أثره على التكوين الداخلي له ككاتب وشخص؟

يصمت قليلاً وكأنه يحاول تفكيك السؤال إلى عناصره الأولية قبل أن يخبرني أنه سُئِل عن هذا الموضوع من قبل وأجاب. إلا أنه كلما يُطرح عليّه من جديد يشعر كأنه أمامه للمرة الأولى.

يُكمل: “أظن أنني غير مقتنع بأية إجابة قدمتها عن هذا السؤال من قبل. وهذا لأنني لم أتوصل إلى حسم المسألة بيني وبين نفسي. عندما نعيش في شرقٍ كل هوياته متطرفة، فإنه لن يكون يسيراً أن يشعر المرء بأنه يحمل هويتين. هذا يعني هويتين متطرفتين.

قضية فلسطين بالنسبة لأي فلسطيني تشبه أن يختار لك والداك اسمك، وديانتك، وتاريخ ميلادك أحياناً. تصبح القضية ممرك إلى كل القضايا الإنسانية الأخرى. أما إذا سألتني عن التفاصيل، فسأقول لك بصراحة إن لي ذاكرة لبنانية. الأمر غريب، لأنني، وأنا أقول لك هذا، أتذكر أن البيئة اللبنانية التي شكلت ذاكرتي طالما عملت على تذكيري بأنني فلسطيني وأن المكان ليس لي. هناك في داخلي اشتباك دائم بين هاتين الهويتين، اللبنانية والفلسطينية، بعيداً عن هرطقات القومية والعروبة والواجب. الهويات تتصادم أيضاً، يومياً، عبر سلوكيات عنصرية ومشاعر بالفوقية والدونية. نحن شعوب متعصبة بطبيعتها، عاطفية ودموية، وجاهزة للقتل باسم الدين أو الشرف أو الهوية أو القضية. ربما جاءت جنسيتي الآيسلندية لتقف حائلاً بين المتطرف الفلسطيني فيّ والمتطرف اللبناني. لا أعرف. ربما ما زال الوقت مبكراً لمعرفة الإجابة.”

مازن

مازن

اعلان
 
 
محمود حسني