Define your generation here. Generation What

الواقي الذكري وأزمة مدارسهم الأخلاقية

منذ أسبوع قام رئيس مجلس النواب بطرد نائب شاب من الجلسة، وأعقب الطردَ بقوله: “إن النواب هنا فى المجلس بناءً على مادة في الدستور وإن عليهم التعلم من خبرات السادة النواب الأكبر سنّاً”، كان النائب يبدي اعتراضه على قانونٍ ما، وهو الأمر الذي جرى انتخابه ليفعله بالأساس، لكن رئيس المجلس قرر أنه عليه التعلم مِن الأكبر سنّاً! وكان هناك خبر آخر عن النائب الذى ضُبط وهو يحاول الغش في امتحانات للتعليم المفتوح، ذلك النائب كان أكبر سنّاً!

التيمة السائدة التي يفكك بها مؤيدو النظام ثورة 25 يناير، أنها ذلك الحدث الذي تسبب في انفلات عيار الشباب، وأن الأزمة أزمة أخلاق، كما كررها قبل ذلك كل عَرَّابي النظام الأخلاقيين، مثل عمرو خالد، ومحمد صبحي، وغيرهم ممن يؤمنون بأن “الأدب فضلوه على العلم”، وتلك الجملة قد تحققت حرفيّاً أثناء انتشار مشروع “الكفتة”، حيث خرج الخبير الاستراتيجي حمدي بخيت ليلوم الشباب على أسلوب الانتقاد ومؤكداً على أن عبد العاطي: “معملش جرييييمة”.

وشخصياً، أستطيع أن أؤكد أن مدرستى لم يوجد بها أدب أو علم .ففي مدرستي الثانوية كان هناك مدرس للفيزياء لا أتذكر اسمه الحقيقي، لكننا كنا نطلق عليه اسم: “شخرم”. لم نعرف قط ما معنى “شخرم”، لكن ذلك الأستاذ كان دائماً ما يطلق علينا لفظ “شخرم”، “يا شخرم مِنَّكْ لِيهْ”. والحقيقة أن شخرم كان نموذجاً فريداً، فكان دائماً ما يتحدث بالسلب عن باقى أساتذة الفيزياء فى المدرسة، مخصِّصّاً كل الكراهية لأستاذ يُدعى مخلص، مذكراً إيانا بأنه “مسيحي كُفْتِس”. كان أستاذ شخرم في نفس الوقت يتحدث عن رغباته الجنسية تجاه إحدى مدرسات المدرسة كلما مرت أمام الفصل. ورغم كل هذا كان أستاذ شخرم لا يأنف من تذكيرنا بأننا جيل “قليل الرِّباية” وبأننا لم نرَ الأيام الطيبة التي ترعرع فيها، لكي يصل إلى هذا المستوى من الأخلاق الحميدة.

بجوار أستاذ شخرم كان لدينا مدرس لمادة الحاسب الآلي، ومادة الحاسب الآلي في المدارس الحكومية هي المادة التي يعاني مدرسوها مأساة حقيقية، لأنهم مضطرون لأن يشرحوا كيفية استعمال الكمبيوتر عن طريق الدرس الشفوي، بما أن المدرسة كلها لا تحتوي سوى على سبعة أجهزة، بينما كان هناك في فصلي وحده 81 طالباً. وفى إحدى تلك المرات القليلة التى ذهبنا فيها إلى معمل الحاسب الآلي كنا نجد دائماً مدرساً للغة الفرنسية يطالع شاشة كمبيوتر بينما يتصبب العرق على وجهه، ولم يكن من الصعب على مجموعة مراهقين أن يفطنوا إلى ما كان يفعله المدرس، وفي مرة من المرات قام أحدهم بنزع كابل السماعات من الحاسب الذي يستخدمه ذلك المدرس لتصدح الغرفة بأصوات مألوفة لمن هم فى سننا بفضل الإنترنت، لم نُعاقب في ذلك اليوم على اعتبار أن الجميع سيخرج خاسراً من تلك الغرفة.

لكن أكثر مدرسينا غرابة كان مدرس اللغة العربية (أ.س.) الذي كان يدرس لنا مادة الدين الإسلامي. كان هذا المدرس يشرح لنا على حسب علاقته مع زوجته، ففي الأيام السعيدة يأتي ويشرح بكل اجتهاد، وفي الأيام “إللي مش ولا بد”، كان يأتي ويقول: “متحترمش واحدة ست علشان فيه واحد راجل زيك بيركبها فى آخر الليل”. نفس المدرس كان معارضاً شديداً لتدريس مادة الثقافة الجنسية والتي كان يراها: “ستخرب أخلاق الشباب”. أستاذ (أ.س.) كان يلقي خطبة الجمعة في جامع قريب من المدرسة وكثيراً ما كنا نتبادل نوادره أثناء الخطبة، كان دائماً ما يدعو على اليهود والنصارى أثناء الخطبة، وفي اليوم التالي يذهب إلى مدرستنا ليتعامل مع الطلاب المسيحيين الذين يدعو بهلاكهم.

أغلب من امتلكوا سلطة أخلاقية علينا، كانوا يقومون بأفعال يعاقب عليها القانون، فشخرم كان يتحرش بمدرسة زميلة أمامنا فى مكان العمل، ومدرس الفرنسية كان يشاهد أفلاماً جنسية فى ظل وجود مراهقين تحت السن القانونية أمامه، ومدرس اللغة العربية (أ. س.) كان يعلمنا احتقار المرأة وأصحاب الديانات الأخرى. وكذلك فكل من صدموا فيديو الواقي الذكري هم نفس الفئة التي تصفق للتعذيب والقتل داخل أماكن الاحتجاز.

 ثار الجميع على شادي أبو زيد وأحمد مالك، اللذين لم يقدما شيئاً أكثر من مجرد نكتة، لأن هذا أسهل من مواجهة الأزمات الحقيقية، والتي لا تتطلب في نظرهم أكثر من وجود قوات من الأمن بكثافة فى ميدان التحرير، مع إغلاق محطة المترو الرئيسية في القاهرة. صور البعض شادي وكأنه لا يحترم شهداء الشرطة الذين ماتوا فى سيناء على يد داعش، رغم أن الحرب ضد داعش تجري في سيناء، وليست في ميدان التحرير، وليست ضد الواقي الذكري بالتأكيد. لكن الأسهل دائماً أن نحارب “واقياً ذكرياً”، بغض النظر عن أن الدولة نفسها كانت تروج للواقي الذكري وحبوب منع الحمل وتنظيم الأسرة في العموم منذ سنوات، ولكن مع بداية 2016، اهتمت الدولة بمعركة حول واق ذكري، متناسية خطابها هي نفسها عن تنظيم الأسرة وعن أزمات حقيقية تتعلق بمياه النيل وبقدرتها على تلبية الاحتياجات الغذائية للسكان.

لكن كل هذا غير مهم، فأهم شيء كما يقول الأستاذ شخرم هو الأخلاق.

اعلان
 
 
عمرو إسماعيل