Define your generation here. Generation What

حبة تحت اللسان: تاريخ الوهم الكروي من مذبحة بورسعيد لشبراخيت

“العثور على الحقيقة في الولايات المتحدة أمر صعب، ولكن في مصر هو أمر مستحيل”.

الأمريكي بوب برادلي، المدير الفني السابق للمنتخب المصري في حوار أجري معه في ربيع عام 2015.

***

بدا صانع الأفلام الألماني هارون فاروقي منتشياً وهو يعلق على انقطاع البث عن التلفزيون الروماني أثناء خطبة نيكولاو شاويشكو ضمن فيلمه الوثائقي “مقاطع فيديو من ثورة” قبل ربع قرن بالتمام والكمال. كان يعلم أن مهمة فيلمه هي العثور على مقاطع الفيديو البديلة التي قامت بتغطية دقائق انقطاع البث الرسمي، وهي الدقائق التي قيل إنها نقلت شعوراً للشعب الروماني في ذلك اليوم من ديسمبر 1989، بأن انتفاضة حقيقية قامت ضد الرئيس الروماني الأبدي، وبأن الاحتجاجات التي بدأت سابقاً في بلدة تيميشوارا انتقلت إلى بوخارست، تماشياً مع الانتفاضات الشعبية المماثلة في بقية الشرق الأوروبي. حتى رغم عودة البث مجدداً، فقد بدا أن المزاج العام في بلد بأكمله قد تغير بلا رجعة.

المفارقة الأكبر في يوم بورسعيد 2012، أن الارسال لم ينقطع إطلاقاً. كارثة على الهواء مباشرة، استمرت لحين انطفاء أنوار المسرح نفسه، من بعدها تغير المزاج العام في مصر أيضاً، اتُخذ القرار الجماعي بأخذ “حبة تحت اللسان”، تخفف من قسوة غياب رواية رسمية بالمعنى الحقيقي للكلمة طيلة أربع سنوات لاحقة، حبة تخفف حدة التناقضات التي نقلتها روايات الشهود من الطرفين، هيئة الدفاع والنيابة، والتي لم تتفق في أحيان كثيرة على أبسط الحقائق (الرجاء سماع تصريحات المحامي صفوت عبد الحميد من هيئة الدفاع)، منها كون واقعة القتل حدثت من الأصل. حالة إرهاق فكري من مطاردة رواية رسمية، غائبة بشكل متعمد، في رهان على أن سيولة الأحداث ستضع ما حدث قبل بورسعيد أو ما بعدها في خانة “الحقائق الميئوس منها”، حالة إرهاق فكري جاءت مناسبة تماماً لواقعة الدفاع الجوي، والتي رغم وجود شهادات مصورة لها، إلا أن القرار الواعي بترحيلها إلى خانة “الميئوس منها” يبدو منطقياً، ونهاية طبيعية لتلك المهمة الحالمة بالحصول على “رواية رسمية” يمكنها أن تصبح نقطة انطلاق لفتح ملفات أخرى. بدلاً من ذلك أضحت تلك الخانة الجديدة وسيلة أنيقة لدفن القضية، في رهان صريح على حالة النسيان بالقصور الذاتي التي تمتعت بها الذاكرة الجمعية المصرية خلال السنوات الأخيرة.

يمكن للحبة تحت اللسان أن تحول ما هو مروع إلى مجرد حدث آخر ضمن سلسة “ما بعد 25 يناير”،  يمكنك الشعور معها بالحزن، أو بالأسى، لكنها تتوقف عند حد المشاعر، دون الالتفات لما تصنعه “الحبة” في تحول الواقعة تدريجياً إلى “صدام بين ألتراس النادي الأهلى المناهضين لحكم مبارك، وبين ألتراس النادي المصري المؤيدين لنظام مبارك”، طبقاً لتوصيف الصحفي الإسباني آيتور لاجوناس في حواره مع الأمريكي بوب برادلي – المدير الفني للمنتخب المصري- آنذاك، وهو نفس الميكانيزم الذي تكرر مع عشرات الوقائع التي صاحبت ثورة يناير وما بعدها، إزاء حالة العجز عن إيجاد وسيلة لـ”تقصي جاد للحقائق”. بدلاً من ذلك توجد حالة الاستمتاع بالغرق في عشرات الروايات المتناثرة التي تتبخر سريعاً دون التوقف عندها (حتى هذه اللحظة لا يتوقف أحد إزاء السبب وراء إقامة مباراة المصري والأهلى في موعدها، بعد أسبوعين فقط من اقتراب نفس الملعب من كارثة مماثلة في مباراة المصري والاتحاد)، ولكن يبدو هذا مستحيلاً وسط استحالة الحصول على تتابع زمني “رسمي” متفق عليه ليوم 2 فبراير 2012.

“الحبة تحت اللسان” قامت بدورها على مدار السنوات الأربع الماضية على نحو تدريجي، والأمر لا يتعلق فقط بمستوى كرة القدم المصرية، ولكنه يتعلق فعلياً بالتعاطي مع أحد أهم عناصر المزاج العام للمصريين، إنه الانتقال من فداحة الأمر في بورسعيد إلى “شبراخيت مرتضى منصور” – رئيس الزمالك-  والتي على حسب قوله تعد مسرحاً مهماً لصنع الأعمال وتحضير العفاريت ضد فريقه في مواجهاته أمام الأهلي، انتقال على نحو درامي، لا يعد من قبيل الصدفة، في ظل إطلالة متكررة لرئيس الزمالك الذي يحمل نسخته الخاصة مما حدث في مصر في السنوات الأخيرة، في عملية استنزاف بطيئة لطاقات مرهَقة بالفعل، في صدامات تأخذ طابعاً هزلياً، ولكنها تسير نحو بقاء منصور رئيساً للزمالك، نجاحه في مجلس الشعب بقدر كبير من الأصوات، ثم ترأسه لواحدة من اللجان الفرعية بالمجلس، في الوقت الذي دخلت فيه كارثة الدفاع الجوي ثلاجة “الحقائق الميئوس منها” .

حالة الانتقال من بورسعيد إلى شبراخيت هي حالة اختيارية من العيش في الوهم نسبياً، بين تصديق أن هناك مسابقة دوري، جدولاً، لاعبين يتنافسون أسبوعياً، ثلاث نقاط مصيرية في كل مباراة، صعوداً وهبوطاً، عقوبات وغرامات، لجنة مسابقات، تقارير حكام، حقوق مباريات تمتلكها شركة بريزينتشن، راديو ينقل المباريات لسائقي تاكسي يشعرون بملل قارص، مقاه تضع المباريات كخلفية تصاحب ضجيجها اليومي المعتاد، مؤتمرات صحفية للمدربين عقب المباريات. هناك شيء يشبه الشيء، ليس من المهم أن تكون الأمور أفضل أو أسوأ، الأهم أن الماكينة تبدو وكأنها تدور، عالم من خيال الظل يتحرك خلف الستار، في قرار طوعي بأن تكون الأصابع والأيادي المتحركة أفيالاً وأرانب بالفعل.

الرغبة في الإبقاء على “البيزنيس” الخاص بالنشاط كانت أكبر من طرح الأسئلة الحقيقية التي فجرتها قضية بورسعيد، لتنتصر إرادة تسويق منتج متهالك على الرغبة في فهم الأهمية التاريخية لكرة القدم بالنسبة للمصريين. يمكنك رؤية وجه مدحت شلبي بطلاً لإعلانات شوارع القاهرة، بكامل مكياجه، بوجه جاد، ينتقل من قناة تلفزيونية لأخرى بسيركه المنتقل، ضمن إطار “رزق” الاستوديوهات التحليلية، حيث يتجاوز عدد “المحللين” في أي مباراة عدد أهداف تلك المباراة، إعادة للعبات “مثيرة للجدل”، ثم فقرة التحكيم. كل ذلك يشبه علبة هدايا معدة بعناية، أنيقة، شريطها حريري، ورقها بلون الزبدة، معطرة، مكتوب عليها من الخارج بحروف لاتينية، ولكن العلبة فعلياً فارغة.

حالة خواء تتماهي فيها ما تُسمى بـ”الصحافة الرياضية المصرية” مع عناوين مثل “خمسة مفاتيح تكتيكية استخدمها جاريدو”، “10 أخطاء فنية وقع فيها بيسيرو”، “وقوف رمضان صبحي على الكرة”، “تسليم درع الدوري للزمالك برفقة عامل نظافة”، “مرض مالك إيفونا”، “صفقة الأهلي الجديدة”، ما يقرب من 100 خبر عن شيكابالا لاعب الزمالك في موسم لم يلعب فيه دقيقة، “أصابع عبد الظاهر”، “أموال أبو تريكة”، “زيزو بـ100 راجل لوقوفه أمام مرتضى”، “زيزو خانع لاعتذاره للقوات المسلحة بسبب هتافات الألتراس”. كل هذا الوهم الإعلامي يحدث في ظل وقوع مجلس إدارة أكبر ناديين في القارة في أزمات إدارية خانقة وملفات مؤجلة، بين شرعية وجود أحدهما، وصدام الآخر مع ألتراس جماهيره بالغة التأثير.

إنه فبراير نفسه، ولكن في العام التالي للمذبحة، عندما بدا المنتخب الوطني تجسيداً لحالة الانكسار التي تعصف في صمت بكل المهتمين بكرة القدم في مصر، لاعبو المنتخب يغادرون ملعب فيسينتي كالديرون بالعاصمة الإسبانية مدريد، عقب مباراتهم الودية أمام تشيلي، يرحلون في صمت دون تحية جماهيرهم، النظرات شاردة، كل شخص يحمل معداته في حالة حداد مستترة، كفريق كرة مدرسي، تم تجميعه بالكاد، لأداء 90 دقيقة قبل عودتهم إلى منازلهم، حالة انكسار لم تتعاف منها كرة القدم المصرية في حقيقة الأمر (وأكدها عبد الله السعيد لاعب الأهلي في تصريح له قبل أيام)، ولم يستفق منها جيل قديم من مشجعي كرة القدم المصرية طيلة العقود الخمسة الماضية، وجيل جديد بدأ رحلة اهتمامه بكارثة مروعة، ما بين خروج ستاد القاهرة، كأيقونة مهمة في نشاط كرة القدم المصري، من المشهد، وبين حالة الصعلكة التي يعيشها فريق الأهلى في البحث عن ملعب بشكل أسبوعي.

بات اختيار تناول “الحبة تحت اللسان” ضرورياً للتعامل مع عبثية المشهد الحالي، ومهماً لفهم المزاج العام للمصريين، فالأمر يتعلق بالنشاط الجمعي الأكثر أهمية لقطاع كبير منهم، وتحديداً في العقود الأربعة الماضية، الشيء البراق الوحيد وسط رمادية الثمانينات، أثناء رغبة سلطة مبارك في عشريته الأولى، لاختطافه في رداء قومي مرتبط بعملية شحن معنوي مستمرة، ثم في عشرية ثانية بدت مستوعبة للعب دور لرأس المال في تدويره (دوري كليك) في نهاية التسعينات، مع الاحتفاظ بدفة التماهي مع الرأي العام الغاضب، إقالة الجوهري في ديسمبر 1990 بتهمة إهدار مال عام، إعادته بقرار جمهوري بعد أقل من عام، إقالته مجدداً على خلفية الخسارة بخماسية من السعودية في 1999. التماهي يميناً ويساراً مع جيل مختلف في الألفية، ما بين أناقة كأس أمم أفريقيا 2006، وما قد يعتبر أكبر عملية شحن عنصري خلال أزمة الجزائر 2009، في توقيت كان مدحت شلبي على سبيل المثال وبقية الجوقة المعادية للألتراس ينادون فيه على تلك المجموعات نفسها لخدمة الوطن في غزوة أم درمان للتأهل إلى كأس العالم آنذاك.

واحد من أكثر المصطحات المثيرة للقلق في القاموس المصري خلال السنوات الأخيرة، هي تلك المصطلحات التي تسعى على نحو قهري لتلخيص المشهد، “جاب من الآخر”، “الخلاصة”، “الزتونة”، “مات الكلام”، خاصة في ظل مئات التلخيصات التي حفلت بها الساحة الفكرية المصرية خلال السنوات الخمس الماضية، بدلاً من طرح المزيد من الأسئلة، في سياق يتعامل فيه الجميع بخفة مع رئيس نادٍ يبدو وكأنه يحمل وثائقه الخاصة بخصوص التلاعب بنتائج مباريات، وبخصوص تعيين الحكام، وفي أحيان أخرى بخصوص تعاطي بعض الفرق للمنشطات، وهي الأسئلة التي تعامل معها الجميع بخفة، رغم خطورتها البالغة، والتي ربما لم تثر حفيظة بيزنيس الاستوديوهات التحليلية طويلاً، والتي ترى أنه من الأفضل دفنها سريعاً. ولا تخرج وثائق وملفات رئيس الزمالك من نفس السياق، الذي يغلف كل قضية بورسعيد، وهو السياق الذي يعلم فيه الجميع أن طرفاً ما يمتلك معلومات حاسمة، ولكن لن يُكشف عنها في الوقت الحالي، وهي الحالة التي يمكن تطبيقها مع الواقع السياسي المصري على نحو قريب.

منطق “الملخص” متوائم مع ثقافة استهلاك جديدة متماشية مع حركة الميديا الرياضية العالمية، ثقافة “ملخص اللمسات”. عوضاً عن مشاهدة الـ90 دقيقة، يمكنك إصدار الأحكام النهائية من خلال 3 دقائق للاعب ما تم تجميعها على نحو مبتور السياق، منطق إزالة ما نعتقد أنه ممل أو رتيب، تماماً مثل الأسئلة المملة الرتيبة التي تتعلق بمستقبل روابط الألتراس (حتى لو صدر قرار بعودة الجماهير للملاعب)، حزمة أسئلة لا يبدو أن الإجابة عنها محل اهتمام كبير، حتى من جانب الألتراس أنفسهم، والذين يتحتم عليهم آجلاً أو عاجلاً الإجابة عنها مثلما تفعل بقية روابط الألتراس في مناطق كثيرة من العالم، وتحديداً فما يتعلق بالمحاور الستة: مستقبل علاقتهم مع الجهاز الشرطي، علاقتهم مع إدارة ناديهم، فريقهم ولاعبيهم، الجماهير العادية لفرقهم، الاتحاد الوطني للعبة، جماهير الفرق الأخرى. هل هي علاقة تجميد أم تصعيد أم تهدئة، أم صدام؟ وهي كلها أسئلة مشروعة في ظل علاقة متغيرة وديناميكية مع عالم يحيط بهم، مع نتائج تأتي سلباً أو إيجاباً تعيشها حتى أكثر الروابط راديكالية في إيطاليا والأرجنتين على سبيل المثال، ولكنها ليست علاقة يسودها الجمود أو الغموض كما يريد البعض تصويرها.

حالة الإيهام الاختياري، التي يعيشها محيط كرة القدم المصرية، تتناقض بشكل حقيقي مع واقع آخر متمثل في تحقيق شطحات عابرة لم تأخذ حقها على الاطلاق من التأمل، ما بين فوز الأهلى بلقب قاري أفريقي بدون نشاط كروي إطلاقاً وفي نفس سنة المذبحة، في واقعة إهمال مماثلة لظاهرة فوز الإسماعيلي بنفس اللقب عام 1970، أو تأهل المنتخب الأوليمبي المصري لربع نهائي المسابقة الأوليمبية 2012، للمرة الأولى منذ 30 عاماً، أو تواجد أنضج مجموعة من المحترفين المصريين على الإطلاق معاً خارج مصر، ما بين صلاح والنني وكوكا والمحمدي (أول مصري يخوص نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي على الإطلاق)، وهو تناقض يبدو متسقاً تماماً في رياضات أخرى بعيداً عن كرة القدم، مع إنجاز إيهاب السيد الذي أضحى وصيفاً لبطل العالم في رمي الرمح العام الماضي في بكين، أو أحمد أبو القاسم حامل فضية أوليمبية في سلاح الشيش في لندن 2012 ، أو فريدة عثمان خامسة على العالم في سباق 50 متر فراشة في في مدينة كازان الروسية.

الحبة تحت اللسان تسهل كثيراً من التعامل مع حالة انكسار “ما بعد بورسعيد”. وحدهم من أمثال المحامي صفوت عبد الحميد، وهو محامي المتهمين في القضية، من لديهم قدرة ما على فهم ملخص العبث المصري، دورة حياة ذلك العبث، تماماً كما ظهر في برنامج خاص قدمته قناة دريم التلفزيونية، على مكتبه، وسط إضاءة بوليسية خافتة، نظارته تتدلى من وجهه، يتحدث ببطء شديد وبصوت درامي عميق عن أن “الحقيقة ستستغرق سنوات وسنوات قبل أن يتم الكشف عنها، وأنه لن يعلم أحد  مدى أهمية الأسماء المتورطة في الواقعة إلا بعد مرور وقت طويل”.

وحتى يحين الميعاد فإن مفعول الحبة مستمر.

 
اعلان