Define your generation here. Generation What

“بعد أن سيطرنا على أجسادهم…”

تحذير: هذا المقال ليس مناسباً لجميع الأعمار أو للقارئ غير القادر على تحمل وصف أو صور بها مشاهد وحشية وغير إنسانية.

في ظل عشوائية الظلم والبطش، يخيل للبعض أنهم يتعاملون مع أغبياء لا يدركون ما يصنعون، أو متوحشين فقدوا الإنسانية ليفتحوا على المواطنين، النشطاء وغيرهم، بطشهم الذي لا يميز ولا يرحم. وإن كنت أتفق على توصيفهم بالوحشية، فإنني لا أتفق على كون الأمر عبثياً، أو أن البطش يجري بغرض البطش. “القوة” في “المدرسة الدويتشية”، نسبةً لكارل دويتش وهو أحد أعمدة العلوم السياسية، هي “عملة” تستخدم “لتحقيق الأهداف” وليست غاية في نفسها. أما “البطش والاستخدام المفرط للقوة” فعلاقتهما بالقوة والسلطة كعلاقة احتياطي الذهب بالنقود في المنهج الاقتصادي، فكلما فقدت القوة والسلطة تأثيرهما، كان على النظام استدعاء احتياطي الذهب لهذه الحالة، وهو البطش واستخدام العنف.

السيطرة السياسية علم من علوم السياسة، ومن المهم معرفة أن بعض نظريات السيطرة السياسية يعود مصدرها إلى منظرين عسكريين مثل كارل فون كلاوسفيتز (1780 – 1831) على سبيل المثال، والذي تدرس أعماله في كل الكليات العسكرية حول العالم.

***

يروي لنا البروفيسور تيموثي ميتشل في رائعته، “استعمار مصر”، ما قاله أحد الضباط الفرنسيين والمنظرين العسكريين أثناء الاحتلال الفرنسي للجزائر الشقيق: “لإنشاء سلطة سياسية حقيقية على السكان الأصليين (تحت سيطرة الاحتلال)، كتب الضابط الفرنسي، هناك طريقتان (يجب اتباعهما): الأولى هي القمع والبطش والثانية هي الإرشاد والتعليم. الثانية يتم تنفيذها على المدى الطويل ويركز فيها على (السيطرة على) العقل، أما الأول فيستهدف الجسد، ويجب أن يأتي أولا (ليمهد الطريق للثاني)”.

بكلمات بسيطة شرح لنا الضابط الفرنسي المستعمر قواعد نظرية السيطرة السياسية على أي شعب. وبالطبع ندرك الآن أن قواعد اللعبة منذ أيام الاحتلال والاستعمار مازالت قائمة إلى اليوم، فالتاريخ هو مفتاح المستقبل إذا تجاوزنا دوره كمصدر للتفاخر أو لنوستالجيا بائسة. ولهذا علينا أن نستدعي مشهداً مؤلماً من التاريخ المصري لنفهم ما يحدث لنا الآن.

***

في 1882، سقطت مصر في يد الاستعمار البريطاني وأصبح حاكمها الفعلي لورداً يتبع الحكومة في لندن، وأشهر هؤلاء بالنسبة للمصريين هو اللورد كرومر (1841 – 1917). يحكي كرومر أن الإنجليز اتبعوا الأساليب التالية ليحققوا سيطرة سياسية حقيقة على مصر استمرت حوالي 72 عاماً: في البداية طبقت إنجلترا الأحكام العرفية على مصر لتبدأ في وضع نظام حقيقي لها بداخل البلاد، كما يروي لنا كرومر نفسه. نظام مبني على الخوف والرعب. تم ترويع القرى والأقاليم بهجمات عسكرية منظمة تحت شعار “محاربة المقاومة الشعبية”. جرى تدريب وتوسيع رقعة البوليس السري ليشعر السكان بأن كل حركة وكل همسة مراقبة، وأن كل شيء معلوم. أنشئت مكاتب معلومات حول مصر لإدراج أسماء الجميع، ومعلومات عنهم، وكان من لا يتبع هذه التعليمات يلقى عقاباً شديداً، مثل أحد شيوخ البلد الوطنيين الذي تعرض لمحاكمة عسكرية، لعدم إدراجه 400 شاب في كشوف الدولة وقتها. جُند الشباب إجبارياً بالمؤسسة العسكرية ووُضعوا تحت رقابة صارمة، وكان التجنيد نفسه أحد وسائل المراقبة. واستُخدم هؤلاء الفتية في فرض السيطرة على أهالي القرى والمستضعفين، والتجسس عليهم ومعرفة معلومات عنهم. كل الأنظمة في المدرسة الدويتشية عبارة عن شبكة معلومات. انتظام تداول المعلومات داخل النظام وقدرة النظام على التحكم والتلاعب بها هو ما يجعل النظام السائد الديكتاتوري نظاماً، وأي اضطراب في هذا التحكم المعلوماتي قد ينتج عنه اضطراب أو ثورة تشعل فتيل التغيير.

اعتمد الاحتلال أيضاً على سياسة ملء السجون. يروي لنا البروفيسور ميتشل أن السجون في بداية الاحتلال امتلأت “أربعة أضعاف قدرتها على الاستيعاب”، مما تسبب بكل تأكيد في مأساة إنسانية لمن هم داخلها، وترويع لمن هم خارجها.

***

بالإضافة إلى كل هذا، شاعت بين المصريين وقتها قصص مروعة عن التعذيب الذي يملأ السجون، من ضرب واعتداءات. يقول البروفسيور ميتشل إن أنواع التعذيب وقت الاحتلال تنوعت، فالضحايا المصريون كانوا يُعلقون، على سبيل المثال، من رقابهم عبر “ياقات حديدية” كي يعترفوا على أنفسهم بتهم لم يرتكبوها، و”الياقات الحديدية” هي إحدى أدوات التعذيب التي كانت تستخدم ضد الُمستَعبَدين من أهلنا الأفارقة في أمريكا والبلدان الأفريقية تحت الاستعمار. ومن الطرق الشائعة وقتها أيضاً للتعذيب حرق أجساد الضحايا بالمسامير الحديدية الملتهبة شبه المنصهرة، وللاحتلال طرق عديدة في التعذيب واحداث الصدمات النفسية.

هكذا سقطت مصر ضحية لاحتلال عنيف ودموي دام أكثر من 70 عام، ندرك جميعاً أنه أورثنا أناساً يتغنون بأيام الاحتلال وحلاوة الاحتلال، بل وأناساً يكرهون أنفسهم ويحبون المستعمر الذي أدرك قواعد اللعبة وحركها لمصلحته، وأناساً يتساءلون، وما العيب في هذا؟ ولذلك عندما ننظر لهؤلاء البؤساء بيننا الذين يتغنون اليوم بالدولة القمعية، فلا ينبغي أن نتفاجأ على الإطلاق. فالضابط الفرنسي أخبرنا أنه بعد أن نسيطر على أجسادهم، يجب أن نسيطر على عقولهم. ولعلنا في المقال القادم نشرح أكثر كيف استمرت أدوات الاحتلال والسيطرة السياسية في الدولة المصرية بعد الاستعمار.

دمتم أحراراً.

 

اعلان
 
 
أحمد أبو حسين