Define your generation here. Generation What
الخطبة الموحدة.. بين غضب الأئمة ومحاولات السيطرة السياسية
 
 

​أثارت وزارة الأوقاف حالة من الجدل الواسع في الفترة الأخيرة، خاصة قبيل حلول الذكرى الخامسة لذكرى ثورة الخامس والعشرين من يناير، وذلك بسبب موقفها الداعي بتجريم النزول للتظاهر في ذكرى الثورة، والذي استغلت خطبة الجمعة للترويج له، وهو ما أثار استهجان كثيرين، أتى على رأسهم أئمة المساجد أنفسهم.

اتبعت وزارة الأوقاف إرثا متراكما منذ حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، الذي كثرت في عهده فتاوى تحريم الخروج على الحاكم، إما من خلال قنوات النظام الرسمية الممثلة في الوزارة نفسها ودار الافتاء ومشيخة الأزهر، أو من خلال الدعاة السلفيين الذين ضمن لهم نظام مبارك انتشارًا، محسوبًا، على المنابر في شتى أرجاء البلاد.

وبعد عزل مبارك، لم يتغير الوضع كثيرًا، حيث تحولت منابر المساجد لساحات للعراك السياسي في فترة حكم المجلس العسكري، حيث لم يقتصر الأمر فقط على تحريم الخروج على الحكام، بل امتد ليشمل تكفير أصحاب الأفكار السياسية المخالفة مثل العلمانيين والليبراليين، خاصة عبر المنابر التي سيطرت عليها جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين، وهو الأمر الذي استمر وبلغ مداه إبان حكم الرئيس الإسلامي الأسبق محمد مرسي.

وعقب عزل مرسي في عام 2013، كانت وزارة الأوقاف أحد الأدوات الرئيسية في صراع نظام ما بعد 30 يونيو مع جماعة الإخوان المسلمين، حيث عمدت الوزارة، بقيادة الوزير محمد مختار جمعة -وهو أحد القلائل ممن استمروا في كرسي الوزارة منذ عزل مرسي حتى الآن، إلى السيطرة على المجال الديني في مصر كمحاولة لتقليم أظافر الجماعة بنزع أحد أهم أسلحتها، ألا وهو الدعوة الدينية.

وبدأت حرب المنابر حينما أعلن جمعة في سبتمبر 2013 عن تسريح قرابة الخمسين ألف إمام من العاملين بنظام المكافأة، وهو ما أرجعه الوزير وقتها لمحاولة “منع تسخير المنابر للترويج لمواقف سياسية”، هذا بالإضافة إلى منع صلاة الجمعة في الزوايا والمساجد التي تقل مساحتها عن ثمانين مترًا بالإضافة إلى السماح لأئمة الأوقاف فقط بالخطابة يوم الجمعة، تبعًا للقرار بقانون الخاص بتنظيم الخطابة، الذي أصدره الرئيس المؤقت عدلي منصور قبيل تركه منصبه، كما اتبعت الوزارة معاييرًا متشددة لضمان عدم تسرب المنتمين للإخوان للمنابر مرة أخرى.

وربما كان آخرها محاولة الوزير نهاية الشهر الماضي إجبار “خطباء المكافأة” على توقيع إقرار يفيد بعدم انتمائهم لأيٍ من جماعات الإسلام السياسي كشرط لتجديد تصاريح الخطابة الخاصة بهم، وهو الإقرار الذي رفض معظم هؤلاء الخطباء التوقيع عليه معتبرينه “غير قانوني”، قبل أن يتراجع الوزير عنه جراء ضغط الخطباء.

إلا أن قرار الوزارة في 2013 بتوحيد موضوع خطبة الجمعة على مستوى الجمهورية كان من أهم الخطوات التي تم اتخاذها في سبيل فرض السيطرة. في ذلك الحين، قال جمعة في مؤتمر صحفي إن الخطبة الموحدة لا تهدف إلى فرض قيود أخرى على الحريات الدينية، ولكنها محاولة لإبعاد الجوامع عن الصراعات السياسية والحزبية.

وأضاف أن تلك الخطوة تأتي في سياق جهود الوزارة من أجل “تجديد” الخطاب الديني، وأن القرار سيساعد الأئمة كي يوجهوا خطبتهم إلى احتياجات المصلين، وبدوره سيصبح الخطاب الديني أكثر ارتباطاً باهتمامات الناس وشئونهم اليومية. وقال جمعة: “بهذا ستصبح الخطبة طريقة لتطوير وتوحيد الأمة بدلاً من أن تكون مصدراً للتشرذم الذي يسببه الحديث في السياسة”.

وينشر موقع وزارة الأوقاف نص الخطبة أسبوعيًا قبل يومين على الأقل من موعد إلقائها.

ورغم أن وزير الأوقاف في أكثر من مناسبة أكد على الخطباء بعدم التحدث في السياسة على المنابر، إلا أن خطب الجمعة في الفترة الأخيرة قد تثبت عكس ذلك.

ففي يوم الجمعة 8 يناير كان موضوع الخطبة هو “الاصطفاف لبناء الوطن والمحافظة عليه مطلب شرعي وواجب وطني” بينما ركزت خطبة الجمعة التي تلتها، في 15 يناير، على “نعمة الأمن والأمان”. وفي الخطبتين، اتخذت الوزارة موقفًا سياسيًا واضحا ضد دعوات النزول المزعومة يوم 25 يناير. وهو ما يتفق تمامًا مع التصريحات الصحفية للوزير الذي رأى أن الداعين للتظاهر في 25 يناير “راغبون في عدم الاستقرار”.

كانت الوزارة قد ختمت خطبة الجمعة 8 يناير بـ “الإشارة الهامة إلى البيان الذي أصدرته دار الافتاء المصرية والذي يؤكد أن دعوات التظاهر في 25 يناير جريمة كاملة، وتوريط للمصريين في العنف والارهاب لصالح الأعداء، وهو أمر محرم شرعا”.

الانتقادات الواسعة لخطاب الوزارة لم تقتصر فقط على التقارير الصحفية واستنكار رواد مواقع التواصل الاجتماعي، بل إنها شملت، ربما بشكل أكثر قوة، أئمة مساجد الأوقاف أنفسهم.

على رأس هؤلاء كانت نقابة الدعاة المستقلة، التي دومًا ما واجهت اتهامات من الوزارة بانتماء مؤسسيها لجماعة الإخوان المسلمين. إذ قال نقيبها، الشيخ محمد عثمان البسطويسي، في تصريحات لـ “المصري اليوم” في أوائل يناير الجاري إن الخطبة الموحدة أصبحت مثل “الطبيخ البايت” لأنها تفقد الأئمة مصداقيتهم أمام الجماهير. وحاول “مدى مصر” التواصل مع البسطويسي إلا أنه اعتذر؛ معللًا ذلك بقراره الابتعاد عن التصريحات الصحفية لسبب غير معلوم.

فيما حاور “مدى مصر” العديد من أئمة مساجد الأوقاف المعتمدين، والذين أجمعوا بشكل كلي، باختلاف انتمائاتهم السياسية، بما في ذلك الداعمين للنظام، على رفضهم لنظام الخطبة الموحدة، وبخاصة تلك الخطب التي تحمل مواقفا سياسية واضحة.

من بين هؤلاء قال أحد الأئمة، الذي تحفظ على ذكر اسمه، إن تسعين بالمئة من الأئمة رفضوا الالتزام بالخطبة الموحدة في الأسابيع الماضية؛ نظرًا لتكرار الجمل السياسية الواردة فيها، مضيفًا: “كانت الخطبة الموحدة موضوعًا مثيرًا للجدل منذ بدء العمل بها في 2013، ولكن تفاقم الخلاف بسبب النكهة السياسية الواضحة في الفترة الأخيرة”. واستكمل: “رفعنا اعتراضاتنا للوزارة وللجهات الأمنية أيضًا، وفوجئنا أنه حتى الأمن لم يكن راضيًا عن محتوى الخطبة، لما قد يثيره ذلك من لغط وجدل وغضب متزايد ضد الدولة بين جموع المصلين. لم تعد الجماهير تحتمل السماع للسياسة داخل المساجد”.

يقول الإمام، الذي نشط ضد تسييس الخطاب الديني إبان حكم جماعة الإخوان المسلمين، إن الوزارة اسمتعت لانتقادات الأئمة، وبرز ذلك بشكل واضح في موضوع خطبة الجمعة يوم 22 يناير والتي كان موضوعها “دعوة الأنبياء والرسل للإصلاح في ضوء القرآن الكريم”، وهي الخطبة التي ألقاها وزير الأوقاف نفسه في ذلك اليوم داخل مسجد أكاديمية الشرطة بالتجمع الأول.

واختتم الإمام الذي تحدث مع “مدى مصر” حديثه قائلًا: “رفضنا توظيف المنابر لخدمة السياسة في عهد الإخوان، ولن نسمح بذلك الآن مهما كانت انتمائاتنا”.

وفيما يمكن اعتباره حافزا لدفع الأئمة للالتزام بموضوع الخطبة الموحدة، أعلن مجلس الوزراء في نوفمبر من العام الماضي قرارا بصرف 1000 جنيه بدل شهري للأئمة والمعينين بالأوقاف من الملتزمين بتعليمات الوزارة فيما يخص الخطابة. ونص قرار مجلس الوزراء على حرمان كل من يتوقف عن الخطابة بتركه منبر مسجده بدون إذن كتابي، أو من بدل موضوع الخطبة، أو من لم يلتزم بالزي الأزهري أثناء الخطابة، أو تجاوز الوقت المحدد للخطبة.

الخطيب محمد بدر، يعمل بأحد مساجد الأوقاف بجسر السويس، إلا أنه شرح لـ “مدى مصر” أنه لا يتبع وزارة الأوقاف، حيث يكوِّن الأهالي مجلس إدارة للمسجد، ويستعينون به أثناء صلاة الجمعة بشكل دوري. يقول بدر إنه لا يلتزم عادة بموضوع الخطبة الموحدة، بل يختار الموضوعات بما يتناسب مع ظروف المكان الذي يعيش فيه. ويقول: “الناس زهقت من السياسة، فهم يشاهدونها يوميًا في التلفاز، إنما داخل المسجد في صلاة الجمعة، ينحصر دوري في إعطائهم جرعة إيمانية وقلبية بعيدًا عن ضجيج السياسة. أنا شخص قيادي فوق المنبر، كيف للقيادي أن يتلقى أوامرًا فوقية عما يجب أو لا يجب أن يقال، ما يحكمني هو الكتاب والسنة فقط”.

ويقول بدر أيضًا إن الوزارة تهتم بالمساجد الكبرى في صلاة الجمعة، وتعمل على ضمان التزام الأئمة فيها بموضوع الخطبة، “بالطبع للوزارة عيونها بباقي المساجد للتأكد أن الموضوعات لا تخرج عن السياق، إلا أنني التزم بشكل خاص بعدم الحديث في السياسة، فهي الأمر الذي لم يعد يحتمله جمهور المصلين”.

كما حاول “مدى مصر” التواصل مع الشيخ محمد عبد الرازق رئيس القطاع الديني في الوزارة لكنه لم يكن متاحًا للرد. كان عبد الرازق قد أكد، في حوار له بجريدة اليوم السابع قبل ذكرى الثورة، أن “مساجدنا تحت السيطرة في 25 يناير”. وأضاف: “تم التنبيه على جميع الأئمة بضرورة التواجد فى مساجدهم بالإضافة إلى نوبات حراسة طوال الـ24 ساعة بين عمال المساجد، وتم تشكيل غرفة عمليات بجميع مديريات الأوقاف على مستوى المحافظات بالجمهورية سوف تتصل بشكل دائم بالغرفة المركزية التى ستكون فى وزارة الأوقاف تحت رئاسة الدكتور مختار جمعة وزير الأوقاف، وأن هناك تعاونا مع قطاع الأمن بوزارة الداخلية فى تأمين المساجد بكافة المحافظات”.

عبد الغني الهندي، الخبير في شئون الأزهر والأوقاف وعضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، يقول إن قرار توحيد الخطبة كان له ظروفه في بدايته، حيث كانت الدولة في صدام مع جماعة الإخوان المسلمين التي سيطرت على الخطاب الديني بشكل كبير إبان حكم مرسي، ومع عزل الإخوان وغياب أي خطة دعوية واضحة للوزارة آنذاك، ظهرت الخطبة الموحدة كحل مؤقت مناسب.

ويضيف: “كان من المفترض أن يستمر الأمر لستة أشهر ريثما تكون الوزارة قد أعدت خطة دعوية بأهدافها من الخطاب الديني وتكون قد دربت الأئمة على هذه الخطة، إلا أن هذا لم يحدث واستمر الوضع كما هو عليه، وغابت ثقافة البحث والتقييم عن الوزارة وهنا يكمن أساس المشكلة”.

ويضيف الهندي أن توجيه الخطاب الديني من قبل الوزارة لم يعد أمرًا فعالًا، وأصبح يؤدي إلى نتائج عكسية، خاصة مع المواقف السياسية الواضحة التي عبرت عنها الخطب في الفترة الأخيرة.

ويقول مفسرًا: “لقد تغير المجتمع بشكل جذري ولم يعد يتقبل منطق التوجيه، فلكل محافظة وقرية وحي ظروفهم الخاصة التي يجب أن يراعيها الإمام في خطبه. حتى لو أراد الإمام الحديث في السياسة، فلا يمكن أن يتناول الموضوعات السياسية كما تتناولها الصحف، فربما تكون إشارة للعدل هي أفضل طريقة للحديث عن الظلم”.

اعلان
 
 
مي شمس الدين