Define your generation here. Generation What

في ذكرى “يناير”: تدوينة: خمس سنوات كفر وإيمان

خمس سنوات مرت. تغير الكثير، حتى أن الأمراض النفسية باتت متأصلة، وأصبح بإمكاني القول إنها تحولت إلى ميول شخصية، أو عُقد قديمة، أو أمور تأتي وتذهب حسب الظروف.

السؤال عن معنى الذكرى الخامسة صعب. ذكرى الانتصار على نظام تحلل بفعل الزمن وجاءت موجة ثورية، فقط، لتزيله كالأبنية الآيلة إلى السقوط.

ذكرى انتصار تأتي في وسط الهزيمة بكل دلالاتها الفجة. وسط هوس الدولة بالإرهاب، لا الذي تواجهه إنما الذي تصنعه. سواء ذلك الكامن في فعل القوى الأمنية وهي تداهم المنازل وتعتقل الناس وتفتش خصوصياتهم الدقيقة، دون حسيب ولا رقيب. أو هذا الذي تصنعه بسد كل منافذ الهواء الممكنة لدى شباب جرّب رؤية الجنة، وانتزعته الدولة منها إلى صميم جهنم، فلم يجد أمامه إلا السلاح بديلا عن الممارسة الجماعية.

لكن يبقى أن 25 يناير، الراسخة في الواقع، لن تتبخر مفاعيلها في الهواء وستبقى مرسومة على هيبة الدولة، التي حطمتها يوما ما هيبة المواطن. وسيبقى أيضا الكثير من علامات الكفر والإيمان.

الكفر على المستوى الشخصي، كإنسان أو صحفي أو ناشط سياسي ماركسي.

الكفر بتعبير “التحرر الذاتي للطبقة العاملة”. التي بقيت عند حدود الاحتجاج على مطلب يخص عشرات من المواطنين، ولهم كل الحق في ذلك، لكن القول بأن الطبقة العاملة هي التي حسمت مسألة سقوط النظام، عندما كانت حدودها في ضيق “خرم الإبرة” أمر حزين لدرجة الكوميديا.

الإيمان بأن مجموعات شبابية، على الأغلب محصورين في تحيزات الطبقة الوسطى، قد يتعدوا الوعي المفترض لمن يدّعي التحيز للفقراء، وربما قد يكونوا أكثر جذرية منهم.

الكفر بأن “النفاق الاجتماعي” قد يُحسب تكتيكًا سياسيًا. الكفر بأن علينا إخفاء تحيزاتنا عن الناس حتى يتقبلوا أفكارنا. فعلينا أن نخفي موقفنا من المثليين أو الخطاب الديني، حتى الوسطي الجميل منه، عن الناس ليصدقوا أننا لسنا كفرة مأجورين وأن لدينا حقوقًا مشتركة نريد انتزاعها سويًا، وليس بالوكالة.

الكفر بأن المجموعات السياسية الضيقة أعلى وأقدر من المجموعات الشبابية غير المنظمة، غير المركزية، غير المأدلجة. والإيمان أيضا أن كل مظاهرة أو وقفة، حتى لو لم تتعدى العشرات كان لها أثرًا هامًا ونصيبًا معتبرًا من ثورة الناس. كل وقفة في العشرة سنوات السابقة للثورة كانت مقدمة لها.

الإيمان أنها ثورة 28 يناير وليس 25. الإيمان أن الهيبة محفوظة للناس وليس لجهاز إداري يسمى دولة. الإيمان أن الشرطة والشعب ليسوا إيد واحدة. الإيمان أن “مصر أولًا” تعني العمال والطلبة وحملة الماجستير وسائقي النقل العام وكل المتهمين بالمصالح الفئوية. الإيمان أن “الآخرين” يريدون مصلحة الكباري والشوارع على حساب مصلحة الناس. الإيمان أن “شعار مصر فوق الجميع” طالما أنها فوق المصريين أنفسهم، فهو مجرد كلام فارغ.

يناير جعلتني أشعر بالكفر بالصحافة. أن الاستثناء هو من يسعى لتوثيق ونقد الواقع، أما القاعدة فهي مجرد علاقات عامة.

يناير جعلتني أكفر بالرموز. حتى الأب الروحي، العم المبتسم، الأشيب إمام الثوار وأبوهم، قد يتحول طواعية لخادم السلطة، بالمجان ودون مقابل مادي أو معنوي.

يناير جعلتني أؤمن أن مثقف السلطة ليس بالضرورة يسعى لسلطة أو مال. قد يضع نفسه بوقًا للسلطة دون مقابل، مجرد أوهام شيخوخة أن الديكتاتور القديم عاد، لمجرد أن العائد يرتدي نفس البدلة، أو لأن خلافه مع آخرين أعماه عن جرائم باتت يوميات عادية.

أهم ما في الأمر، يناير قالت لي إنه لا بد أن نعطي للوقت وقته. الناس يريدون بناء خبرتهم، يريدون التأثر بخطاب مبارك الأول حتى يثوروا على الخطاب الثاني. يريدون الهتاف باسم الجيش ليرددوا “يسقط حكم العسكر”. والتعاطف مع “بتوع ربنا” الذين عانوا من القمع حتى يرددوا “احلق دقنك بيّن عارك”. يريدون تصديق الآداء المسرحي العاطفي الركيك، يتعلقون بأمل هم اصطنعوه، حتى يمارس الوقت طبيعته في المرور، ليصلوا إلى النتيجة بتجربتهم وخبرتهم لا بتوقعاتنا.

اعلان