Define your generation here. Generation What

البيوت المحتلة

في منتصف تسعينيات القرن العشرين، كانت برلين مدينة للتناقضات.

ففي قسمها الشرقي، العاصمة السابقة لجمهورية ألمانيا الديمقراطية، التي اختفت من الوجود بعد الوحدة الألمانية في 1990، حضر تنازع مجتمعي عميق بين من يرغبون في الانفتاح غير المشروط على “الحياة وفقاً لشروط الرأسمالية واقتصاد السوق” التي جاءت بها الوحدة وبين من يريدون الإبقاء على بعض ملامح “الحياة الاشتراكية التقدمية” التي لم يعرفوا غيرها بين أربعينيات القرن العشرين ونهاية ثمانينياته. وفي قسمها الغربي، وقد شهد في 1968 انفجار الاحتجاجات الطلابية وطغت به سياسياً أفكار اليسار الألماني والأوروبي، كان النزاع بين “الهوى التقدمي” للشباب والنقابيين من عمال المصانع ومن الموظفين والأكاديميين الذين خرجوا من رحم الحركات الطلابية في الستينيات، وعمل بعضهم في الصحف والجامعات والمؤسسات الثقافية، وبين “الحياة المحافظة” لأغلبية المنتمين للطبقة الوسطى والشرائح العليا.

لم يكن التنقل بين برلين الشرقية وبرلين الغربية وحده ما يخضعني لأسر الشعور القوي بالحركة بين عوالم مختلفة منقطعة الصلة ببعضها البعض، بل كان التنقل في الغرب بين الأحياء التي يسكنها الطلاب والشباب والعمال وأحياء الطبقة الوسطى والأغنياء (وفي حي للأغنياء تقع جامعة برلين الحرة التي حصلت منها على درجة الدكتوراة، وصفة “الحرة” بها كانت تعود للتناقض الإيديولوجي بين حرية الغرب وشمولية الشرق) يخضع أيضاً لذات الشعور وبمقدار متعادل من القوة. وفي الشرق، كانت الفوارق مذهلة بين الأحياء التي اكتسحتها الرأسمالية وشرعت في إعادة تشكيلها مجتمعياً ومعمارياً، وفقاً لشروطها، وبين الأحياء التي لم يكن التوسع السريع لاقتصاد السوق قد شملها بعد.

ارتبطت إعادة التشكيل المجتمعية لأحياء شرقية، كوسط المدنية (Mitte) الذي يحتشد به عدد كبير من المباني والمواقع ذات القيمة التاريخية وجبل برنسلاو (Prenzlauer Berg) الذي اجتذب الكثير من الألمان الغربيين والأوروبيين الباحثين عن فرص للحياة في برلين الموحدة، بتهميش محدودي الدخل من الشرقيين وتوظيف مزيج من الضغوط (ارتفاع تدريجي للإيجارات السكنية، مع تحويل المساكن، من الملكية العامة وإدارة الشركات الحكومية في ألمانيا الشرقية، إلى الملكية الخاصة وإدارة الملاك) والحوافز (تعويضات للسكان المنتقلين وتسهيلات سكنية في أحياء أخرى) لدفعهم جغرافياً بعيداً عن هذه الأحياء. أما إعادة التشكيل المعمارية، فكانت تعني خليطاً من: 1- هدم بعض المباني التي كانت قد شيدت بين الأربعينيات والثمانينيات، وتشييد مبان أخرى على أنقاضها مثلت إما استعادة للمباني التاريخية التي دمرت خلال الحرب العالمية الثانية (1939-1945، ومنها خرجت برلين بما يقرب من 90% من مبانيها ومرافقها مدمرة) أو بناء لمبان تعبر عن الاتجاهات العصرية في المعمار الغربي، و 2- هدم بعض المباني وإزالتها بالكامل والإبقاء على الأمكنة خالية لأسباب جمالية أو بيئية، و 3- تحديث بعض المباني القائمة.

في سياق عمليات إعادة التشكيل المعماري لبعض أحياء برلين الشرقية، تطورت ظاهرة “البيوت المحتلة” ومجموعات “محتلي البيوت” والجمعيات المشهرة للدفاع عن مصالحهم. فدفع بعض سكان الأحياء الشرقية إلى خارجها، لكي تتحول إلى نقاط جذب للطبقة الوسطى وللشرائح الغنية القادمة من الغرب، كان يعني إخلاء الكثير من المباني السكانية تمهيداً إما لهدمها أو لتحديثها. ولم تكن المساحة الزمنية الفاصلة بين إتمام الإخلاء وبين الشروع في الهدم أو التحديث بالقصيرة، بل كانت تمتد أحياناً لسنوات. هذه الحقيقة تحديداً هي التي مكنت مزيجاً بديعاً من الناس من “احتلال” بعض المباني والإقامة بها، مزيجاً شمل بعض السكان الشرقيين الغاضبين من اضطهاد الرأسمالية لهم، وتهجيرها لهم بعيداً عن مناطق إقامتهم السابقة، وطلاباً وشباباً من الشرق والغرب في برلين وفي ألمانيا ومن مجتمعات أوروبية وغربية أخرى يبحثون عن “حياة تقدمية” متحررة من اقتصاد السوق وماديته وإيجاراته ونزعته الاستهلاكية المتصاعدة دوماً، ومجموعات من الفوضويين ذات الحضور التاريخي القديم في برلين والتي كان أفرادها في التسعينيات يصارعون للتخلص من قيود النظام العام، والحياة بعيداً عن المؤسسات الرسمية، وأسر محدودة الدخل ألمانية وأسر أجنبية لاجئة (آتية آنذاك من يوغسلافيا السابقة التي كانت تعاني حروباً أهلية متنوعة) تريد الهروب من ضغوط الغلاء، وأدباء وفنانين ورسامين وموسيقيين ومبدعين من مجالات كثيرة يختبرون ظروف “الحياة خارج السياقات الرأسمالية”، وعدداً محدوداً للغاية من طلاب وشباب أجانب قدموا برلين من مجتمعات غير أوروبية وغير غربية.

في منتصف تسعينيات القرن العشرين، اشتد الصراع بين محتلي البيوت وبين إدارات الأحياء في برلين الشرقية والملاك الجدد للمباني والذين كان يريدون التخلص من المحتلين ولم يتقبلوا بقائهم حتى تبدأ عمليات الهدم أو التحديث. كانت إدارات الأحياء تقطع بين الحين والآخر خدمات المياه والكهرباء عن البيوت المحتلة، ويضع الملاك الجدد رافعات هندسية للهدم وللتحديث على الأسوار الخارجية والداخلية للمباني. أما المحتلون، وكانت لدى بعضهم خبرات سابقة في احتلال المباني في برلين الغربية (خلال السبعينيات والثمانينيات، كان بعض طلاب وشباب اليسار والحركات السلمية الرافضة للحروب يحتلون مباني سكنية، إما لاستدعاء انتباه الرأي العام لقضاياهم، أو بحثاً عن حياة بديلة متحررة جزئياً من قيود المادة والمال)، فقد اعتمدوا على التنظيم الذاتي لحل معضلات المياه والكهرباء والتدفئة (وكانت الأخيرة تصدر عن أفران الفحم القديمة التي كانت مباني الشرق مجهزة بها)، واعتمدوا أيضاً على تضامن عريض بين أوساط مجتمع الطلاب والشباب ومن الصحافة اليسارية واسعة الانتشار في برلين.

تدريجياً، أصبح الصراع بين محتلي البيوت وبين إدارات الأحياء والملاك الجدد ظاهرة اعتيادية في برلين الشرقية خلال التسعينيات. بل تحول الأمر إلى ما يشبه مواجهة مستمرة من أجل السيطرة على الشارع وعلى الفضاء العام بين باحثين عن الحرية وبين قوى السلطة والسوق. وإزاء سلطة إدارات الأحياء والملاك، أُشهرت جمعيات للدفاع عن حقوق محتلي البيوت، استناداً إلى مواد دستورية وقانونية تتعلق بالحق في الحياة وفي تكافؤ الفرص. كان ينتج عن تخلص الأحياء من بعض محتلي البيوت انتقالهم إلى بيوت أخرى لاحتلالها، وكان إعلان عدد صغير من الملاك موافقتهم على بقاء المحتلين، حتى تبدأ عمليات الهدم أو التحديث، مقدمة لاحتفاء الصحافة اليسارية وحركات الخضر بهم وبإنسانيتهم.

وبالنسبة لطلاب وشباب المدينة، فقد كانت البيوت المحتلة أماكن لحياة مختلفة يستطيعون الاقتراب منها، سواء بالتواجد في المقاهي والمطاعم التي أقامها المحتلون، أو بالمشاركة في الأنشطة الفنية والثقافية العديدة التي كانت تنظم بها ذاتياً – وقد ترددتُ لعامين كاملين على منتدى لقراءة إبداعات أدباء الرومانسية الألمانية، كان يقع في بيت من البيوت المحتلة في برلين الشرقية، ولم تغب عن ذاكرتي أبداً طاقات الحرية والإيجابية المبهرة التي كان البيت يطلقها باتجاه كل من يأتيه. وبالنسبة لمجتمع المدينة الأوسع، كانت البيوت المحتلة، إما ظاهرة إنسانية تدلل على تسامح البرلينيين وتنوعهم، أو شراً لا بد من التخلص منه لكي تجتاح الرأسمالية كافة جنبات المدينة الموحدة، وتسيطر نخب السلطة والسوق على فضائها العام.

اليوم، وبعد مرور عقدين كاملين على منتصف التسعينيات، انزوت ظاهرة البيوت المحتلة، واختفت تجمعات محتلي البيوت وجمعياتهم، وغابت التحقيقات الصحفية التي كانت توثق لوقائع الصراع بينهم وبين إدارات الأحياء والملاك. في برلين أيضاً، نجحت الرأسمالية في فرض شروطها على المدينة واجتاحتها كما اجتاحت كافة مناطق ألمانيا الشرقية الأخرى. غير أن مقاومة مجموعات الباحثين عن حياة مختلفة والحالمين بها والمضطرين إليها، شكلت على الأقل بعضاً من وعي المكان وذاكرته، وصبغت وعي بعض سكان المدينة والمترددين عليها، سواء من المتعاطفين مع اليسار والأفكار الفوضوية، أو من المقتنعين بحضور فرص أكبر للحرية مع ليبرالية اجتماعية واقتصاد سوق مسؤول.

اعلان
 
 
عمرو حمزاوي