Define your generation here. Generation What
كيف تُقتَل الضحية مرتين؟
 
 

مطلع ديسمبر الماضي راح 16 شابًا ضحية حريق عمدي في أحد الملاهي الليلية بالقاهرة، تحدث الكثيرون وقتها عن “سوء خاتمتهم”، وعن الأفعال “الشاذة” التي تحدث في الملاهي الليلية، بما لم يترك مساحة للتحدث عن مسئولية وزارات: السياحة والصحة والداخلية في التأكد من معايير الأمان في تلك الأماكن المرخصة سياحيًا، ولا في تأخر سيارات الإطفاء والإسعاف في إنقاذ قتلى هذا الحادث. قبل شهر من هذا الحريق، أسفرت سلسلة هجمات إرهابية في العاصمة الفرنسية باريس عن مقتل العشرات، وهو الحادث الذي شهد تضامنًا واسعًا حول العالم، وبرغم أن الحادث لم يستهدف سوي مدنيين، ووجود مصريين بين الضحايا، لكن هذا التضامن أثار في مصر حملات هجوم مضادة على المتضامنين مع الضحايا الفرنسيين، تمحورت حول التنديد بتجاهلهم لقضايا أخرى.

دائمًا ما تثير حوادث العنف الكبرى جدلًا ونقاشات حولها، ولكن خلال السنوات الماضية كان هذا الجدل يدور في مصر حول أحقية الضحايا في التعاطف والتضامن، ومسئولية الضحية في ما حدث لها، سواء كان الحادث ناتج عن عنف الدولة المباشر أو إهمالها. تبريرات كثيرة للعنف وجدل ونقاشات تفرغ الأحداث من جوهرها وتغلق الباب أمام أقرباء الضحايا أو المواطنين العاديين للحزن أو الغضب أو حتى المطالبة بالمحاسبة والتحقيق في مسؤولية المتسببين عن تلك الأفعال، وفي وسط هذا الجدل تضيع حقوق الضحايا فيقتلون مجددا.

ولا يقتصر الأمر على الحوادث الجماعية، فحملات التضامن مع خالد سعيد، الشاب الذي قتله أفراد من الداخلية في الإسكندرية في 2010، ووجهت بحملات مضادة اعتمدت على رواية الشرطة عن أنه مات بسبب محاولته ابتلاع لفافة مخدرات، وعلى الرغم من إثبات كذب هذه الرواية، وما كان لما جرى مع خالد من أثر في ما شهدته مصر خلال السنوات الخمس الماضية، إلا أن محاولات تشويه صورته -بعد كل هذه السنوات- تستمر، ربما بهدف أكبر، هو أن ينسحب هذا التشويه على كل من تأثروا بما أسفر عنه التضامن معه، وهو ما يتكرر في حالات أخرى منذ ذلك الوقت، وربما من قبلها.

****

يوم الثامن من فبراير 2015، ذهب محمد صلاح (20 عامًا) -طالب في السنة الثالثة بالقسم الإنجليزي في كلية التجارة- إلى ستاد الدفاع الجوي لتشجيع فريقه في مباراة كرة القدم بين فريقي الزمالك وإنبي في إطار بطولة الدوري العام، لكنه لم يعد إلى أسرته نهائيًا، هو وحوالي 20 آخرين من الجماهير. وفقا لشهادات الناجين فإن قوات الشرطة أطلقت قنابل الغاز المسيل للدموع، ومنعت المشجعين من دخول الاستاد، فمات أشخاص إثر الاختناق والدهس، خاصة بعد استحداث ممر حديدي ضيق لعبور المشجعين، سمي فيما بعد بـ “ممر الموت”، حيث استحال على الشباب الهروب من التدافع والغاز داخل ذلك الممر. وفي حين استمرت المباراة في داخل الاستاد، انتهت حياة شباب وأحلامهم ومستقبلهم.. وتوقفت حياة أسرهم.

حين رأت السيدة سلوى إبراهيم توفيق صورة محمد، ابنها الوحيد، على شاشة التليفزيون ضمن ضحايا الأحداث لم تصدق عينيها، خرجت لتجد جيرانها على الباب يحاولون تهدئتها، حتى جاءها الخبر أنه في المشرحة.

سمعت سلوي تعليقات كثيرة، تقول عنها: “أنا كنت باسمع كلام وأنا ماشية في الشارع، ناس بتقول الداخلية، وناس بتقول الأولتراس، وناس بتقول مش عارفة مين، بس أنا مستنية حكم رب العالمين والقضاء”. لا تريد السيدة سلوي استباق التحقيقات، فهي تخاف أن تظلم أحدًا، وإن كانت ترى أن إنشاء الممر كان خطئًا من مرتضي منصور، رئيس نادي الزمالك. تقول إن الظلم ليس أمرًا هينًا، وأن المذنب سيعاقب، هي تعلم جيدًا حجم الظلم في تعليقات البعض، فلا تريد أن تكون مثلهم. تبكي الأم وتقول: “ابني أنا مربياه وعارفاه كويس، هو كان معاه تذكرة، وراح يحضر الماتش رجعلي على ضهره، بس ربنا جابلي أمانة واستردها، وأنا مستنية حكمه”. لا تعرف سلوى شيئًا عن مسار القضية الآن، فالمرة الوحيدة التي حاولت حضور جلسة المحكمة مُنعت وباقي الأُسر من الدخول.

وما زالت القضية أمام المحكمة في انتظار إصدار حكم بحق المتهمين، وبعضهم من أفراد “أولتراس وايت نايتس”، والذين اتهمتهم النيابة بتلقي تمويل من الإخوان المسلمين بهدف بث الرعب بين المواطنين لإلغاء النشاط الرياضي قبل المؤتمر الاقتصادي الذي استضافته مصر في مارس الماضي، ولم يدخل ضمن المتهمين أي أفراد من الداخلية المصرية أو منظمي المباراة.

تقول السيدة سلوى: “بعد الحادثة في واحد بعتلي إن ابني هو اللي أنقذ حياته، وبعدها ناس كتير بعتتلي إن ابني مات وهو بينقذ حياة ناس تانية، ابني محترم وما عملش حاجة”.

“المشكلة أن التضامن في مصر هو تضامن مشروط، وهو أمر قديم، يعني أن أتضامن فقط مع من هو مثلي، أما الدولة فلا تتضامن إلا في الحوادث التي “تزودها” سياسيًا، هذا بالإضافة إلي أننا لا يوجد لدينا ثقافة حقوق إنسان”، هكذا يفسر المحامي الحقوقي مالك عدلي حملات تشويه ولوم الضحايا في مصر، مضيفًا إلى ما سبق الأداء الإعلامي الذي يصفه بأنه في أحط مراحله، وأنه المسئول عن نشر التخلف وجر المواطن إلى مهاترات تبعده عن أصل الأمور والحقوق وتسطحها.

فيما تقول د. عايدة سيف الدولة -الطبيبة النفسية بمركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب- إن الدولة لمنع أي تعاطف مع الضحية، ترسل رسالة أن الشخص الذي قتل بسبب التعذيب أو الإهمال كان متهمًا بالسرقة أو غيره؛ لإظهاره كما وأنه يستحق، لأننا مجتمع لا يرفض التعذيب أو القتل.

وتشير سيف الدولة إلى أن إعادة تأهيل الأشخاص الذين يتعرضون للعنف يعتمد على حجم الدعم الذي يحصل عليه الشخص، والذي لا يزيل الحدث ولكن يضعه في حجمه. مضيفة أنه يجب أن يكون هناك رفض قاطع لتعرض أي شخص للتعذيب أو العنف أو القتل، وهذا يستدعي ألا يكون هناك نظام يستخدم مصطلحات مثل “التصفية والثأر”.  وتؤكد أن هناك أفعالًا لا يمكن العودة عنها، فالتشويه يشعر الضحية بأنه ملفوظ والإنسان هو كائن اجتماعي وعزلته مؤلمة جدًا، والحقوق تضيع بالفعل بسبب التشويه. فيما تقول إن الدعم الذي يحصل عليه شخص صاحب حق يفرق كثيرًا، وهو جزء من استرداد الحق حتى وإن لم يعد بشكل مادي.

وبشكل أوسع، ترى سيف الدولة أن تكرار الجرائم يجعل حساسية الناس تجاه الأمور أقل، فالناس لم تعد تتحدث عن العراق وسوريا على سبيل المثال، وفي المقابل إن كان هناك أشخاص لديهم ضمير وحساسية وإحساس بالمسؤولية أمام هذا الكم من الأخبار، فسيشعرون بالعجز وبالتالي سيبدأون في التبرير، “ما همّا أكيد عملوا حاجة تستاهل القتل”. وتستطرد أنه كي يتصالح المتلقي مع ضميره ويتقبل الحوادث البشعة يلجأ للتبرير، ويكون الخوف عامل هنا أيضًا، لأن المتلقي لا يمكنه تقبل فكرة أن أي شخص قد يتعرض للتعذيب مثلًا دون سبب وبالتالي يكون هو أيضًا معرض للأمر. فيكون الحل أنه لن يرتكب الأفعال التي جعلت هذا الشخص يتعرض للتعذيب على سبيل المثال.

****

كان المفترض بمها منيب أن تتواجد مع صديقها المخرج الشاب محمد رمضان وآخرين في رحلة لجبل سانت كاترين في فبراير 2014، لم تستطع مها السفر، ولم ترى محمد بعد ذلك؛ فقد مات متجمدًا هو وثلاثة آخرين فوق الجبل.

تأخرت فرق الإنقاذ في البحث عن رمضان، بعد أن وجدوا الثلاثة الآخرين، في حين كانت أسرته قد أوشكت علي الجنون لأنها لا تعلم إن كان حيًا أم ميتًا. تقول مها: “أنا ما كنتش أعرف أهله، بس روحتلهم البيت وكان في ناس كتير عندهم من أصدقاء محمد عشان مترقبين الأخبار.. أنقذوه ولا ما أنقذوهوش، وطبعًا انهيارات بالكوم وما حدش كان فاهم حاجة، كل شوية حد يقول إهمال من الدولة، الدولة مكسلة تبعت هليكوبتر ينقذ الناس، في مقابل كلام شبه: همّا إيه اللي وداهم هناك”.

حين جاءهم خبر وفاته كانت هناك رسالة واضحة من الدولة، حسبما تقول مها، أنهم هم المسئولون بسبب ذهابهم إلى هذه المنطقة بدون مرشد، وأن الدولة لم يكن لديها ما تستطيع فعله لإنقاذهم.

تقول مها إنها منذ ذلك الحين توقفت عن متابعة أي أخبار، لا عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي ولا التليفزيون، وتستطرد: “أنا بقيت عايزة أبقى تافهة، مش عايزة أركز.. مين مات؟  مين اتعذب؟ العيب في الدولة ولّا في اللي وداهم هناك، ولّا العيب فينا؟، ما بقتش عايزة أفكر ولا أسمع، كل الطرق هتودي لقهرة وكسرة نفس، دلوقتي الناس بقت منقسمة وبتتعاطف مع اللي يخصها بس، وأصلا التليفزيون ممنهج لتضييع حقوق الناس”.

تقول سيف الدولة إن الخطاب الإعلامي يؤثر في تصوير أناس بأنهم يستحقون أو أنهم ضحايا مظلومين. وتضرب المثال على ذلك قائلة: “لو ضابط برتبة عالية قتل تُنشر صورته وصورة أسرته ويتم عرضه كـ “بني ادم”، في مقابل خبر مثلًا بقتل 40 من “التكفيريين” بدون أسماء وبدون هوية، ويتم تصويرهم وكأنهم ليسوا “بني آدمين” بل إنهم كانوا “هيكفروك”. فيكونوا بالنسبة للقارئ “هم وانزاح”، هذا بالإضافة إلى أن هناك كثيرون مقتنعون أن الأعداء يجب أن يموتوا، وهذا لا يقتصر على الدولة فقط ولكن في معسكر الثوار أيضًا، المطالبات الكثيرة بالإعدام وكأننا ليست لدينا مشكلة مع الموت ولكن المشكلة فيمن يموت، هناك استهوان بالقتل.

وترى سيف الدولة أن حقوق الإنسان في مصر مرتبطة بالمصلحة، حتى الحق في الحياة هو أمر قابل للتفاوض، قد يُسلَب بسبب تهديد الشخص للدولة أو الثأر أو تحويل الديانة أو لأي سبب، في حين لا يوجد رفض قاطع مانع للموت.

كما تشير إلى أننا عظمنا الموت، وقمنا بتمجيده، مثل تمجيد الشباب الذي قُتل في الثورة، “بطلنا نقول مقتول وقلنا شهيد عشان نجمّله، مع إن كلمة مقتول تستدعي وجود قاتل وحق يعود، وهذا أمر مخيف، كما لو كانت الشهادة بتلغي فظاعة الموت”.

****

كان محمد عاطف (29 سنة) يعمل مبرمجًا للكمبيوتر في السعودية، عاد إلى مصر لتجديد إقامته في أغسطس 2013، سمع عن الاعتصام بميدان رابعة العدوية، فقرر المشاركة فيه، قبل يومين من مقتله طلب منه أخوه إبراهيم أن ينتبه على حياته، فرد عليه قائلًا: “أنا مش عايز اعتَقَل ولا اتصاب، أنا عايز رصاصة تدخل في صدري”، وهذا ما كان بالفعل، ففي يوم 14 أغسطس جاء خبر مقتله عبر الإنترنت، تاركًا زوجة وطفلة صغيرة عمرها الآن خمس سنوات. يقول شقيقه إبراهيم: “لما جالنا الخبر وروحنا المشرحة كانوا عايزينا نقول إنه انتحر وما ماتش في رابعة، وإحنا وغيرنا من الأهالي رفضنا، وعملنا محضر، بس المحضر عمره ما اتحرك حتى للنيابة”. يشير إبراهيم إلى أنه كان في موضع الاتهام طوال الوقت، مضطرًا للدفاع عن شقيقه وكونه لا يستحق القتل، وكان يرى نظرة الشماته في عيون الأهل والجيران.

يري إبراهيم أن الناس تردد ما يردده إعلام الدولة، فهؤلاء إرهابيون وكان معهم سلاح، بل كان الأقسى عليه أن يسمع “كفاية إن السيسي خلصنا منهم”، وهو يعتقد أن من يبرر القتل قد فقد إنسانيته وعقله وضميره، فهو لا يمكنه تقبل وجود شخص يختلف معه في الرأي، من ناحية أخرى ربما يكون حجم الفجيعة مرعب فيدفع الأشخاص لإنكار الحادث وتبريره. يؤكد إبراهيم أنه “لو كانت الناس تضامنت واعترفت وقتها أن رابعة مجزرة، ما كانش حق محمد وغيره راح، وما كنتش هاحس إن دمه راح هَدَر”.

القدرة على تسويق القضية هي أمر فارق، كما يقول مالك عدلي، الذي يشير إلي أن قضية خالد سعيد تم تسويقها بنجاح في حين أن قضايا أخرى لم تستدعي تضامن الرأي العام، وهذا أيضًا يعود للجمهور المستهدف تضامنه وموقف الدولة من هذا الجمهور، فالمواطن طلعت شبيب الذي قُتل نتيجة التعذيب في الأقصر، حققت النيابة في قضيته بعد أربعة أيام رغم التضامن القوي معه، بينما حققت النيابة في اليوم التالي لقتل قطط النادي الأهلي. وهو ما يراه عدلي إزدواجية في شروط التضامن لدي الراسل والمستقبل، معتبرًا أنه أمر سياسي لا يقوم به العاملون في منظمات المجتمع المدني، الذين يحاولون ترسيخ المبدأ، فيدافعون عن الإخوان المسلمين أو أي مظلوم  لترسيخ مبدأ الحق في المحاكمة العادلة، معتبرًا أن هذا هو سبب خلافهم مع الدولة.

ويظهر عدلي هذه الأمر بقوله: “لما اتكلمنا عن المحامي كريم حمدي، الذي قتل في قسم شرطة المطرية باعتباره محامي، وتجاهلنا أنه من التيار الإسلامي، نجحنا في حبس الضباط المسئولين، لأننا لما بنكسر التضامن المشروط بنفرض ضغط على الدولة”.

كما يرى عدلي أن جمهور حقوق الإنسان بعد الثورة هو جمهور الطبقة الوسطي، والذي يلجأ في بعض الأحيان لإشعار الآخرين بالخطر القريب منهم لكسب دعمهم، لكنه يعتقد أن المشكلة في ذلك أنه استثارة لخوف الناس وليس لإنسانيتهم أو لدولة القانون أو المبادئ العامة لحقوق الإنسان. لكن في المقابل فالدولة هي الأخري لها جمهور، بحسب عدلي، فدولاب الدولة يعمل به ستة ملايين شخص، هم بأسرهم في الأغلب مؤمنون بسياسات الدولة وأداءاتها طالمًا كانت بعيدة عن مصالحهم المباشرة.

ولكن يبدو أن الأمر انعكس أيضًا على المدافعين عن حقوق الإنسان، يقول عدلي: “إحنا كمان بقي عندنا سلوك سيكوباتي في الدفاع عن الضحية، فإحنا بندافع عن المعتقل محمود محمد عشان سنه صغير مش عشان محبوس بسبب تيشيرت وطن بلا تعذيب ومحبوس تعسفي بلا تهم، وبندافع عن المعتقل أحمد سعيد عشان طبيب مش عشان حقوقه، وأحمد عبد الرحمن معتقل قضية الشوري عشان شهم ودافع عن البنات مش عشان مظلوم واتمسك على خلفية قانون جائر وهو قانون التظاهر.. طيب لو واحد صايع؟”. ويرجع عدلي هذا الأمر إلى أن الظلم لم يعد مبررًا للتعاطف.

وبالعودة لوجهات النظر المختلفة مع المتضامنين مع الضحايا، يقول عدلي إن ما نقوم به هو “الاسترحام” على الضحايا وليس تضامنًا، فالتضامن وفق ما يقول يستوجب أفعالًا معينة غير متاحة لأن المجال العام مغلق. ويشرح: “الوضع أصبح معقدًا لدرجة أن تضامنك مع صديق شخصي يستدعي ردود أفعال مثل “اشمعنى تضامنتوا مع فلان وما تضامنتوش مع باقي الناس” أو “أصل الناس ما بتتكلمش غير عن اللي بيحصل في القاهرة بس لكن الصعيد لأ”، والمشكلة في ذلك من وجهة نظره أن الناس تتعامل مع المجتمع المدني باعتباره منبرًا إعلاميا ومصدرًا للمعلومات، وهو في الحقيقة قد يعمل على قضايا لكنها لا تحظي بانتشار إعلامي أو دعم من الرأي العام، فيظن الناس أن الحقوقيون يتغافلون عن قضايا الأطراف مثلًا، هذا بالإضافة إلي تضييق الدولة على مساحة العمل لمنظمات المجتمع المدني، ومحاولاتها المستمرة لشن حملات مضادة في المجال الإلكتروني الذي يعتبر خارج نطاق سيطرتهم بعكس المنابر الإعلامية الرسمية، فيطلقون اللجان الإلكترونية للتشويه والهجوم الشخصي على الأفراد.

****

“جاتلي رسايل شماتة من ناس ما أعرفهاش، ناس بتقولي: انت وهي خطر على مصر وعايزين تبوظوا البلد، وناس تانية اتهمتني إني متهاون في الدم وإني لازم آخد حقي بدراعي”، يقول أسامة السحلي، زوج الناشطة السياسية شيماء الصباغ.

كانت الصباغ وزملائها من أعضاء حزب التحالف الشعبي قد توجهوا في يوم 24 يناير 2015، قبل الذكرى الرابعة للثورة المصرية بيومين، في مسيرة بالزهور لإحياء ذكري الثورة، لتتلقى رصاصة قاتلة على يد أحد ضباط الداخلية، تودي بحياتها، لتترك خلفها زوجًا وطفلًا صغيرًا يعانيان ليس فقط من خسارتها، بل أيضًا في مواجهة حملات تشويه ولوم لواحدة من ضحايا عنف الدولة تجاه مواطنيها.

يستطرد السحلي أن أول ما سمع من تعليقات جاءت من الأسرة، مثل: “ما يمكن الإخوان اللي قتلوها، أو يمكن حد من زمايلها”، وقال أحدهم: “هي اللي غلطانة عشان سابت ابنها ونزلت تتظاهر”.

يستغرب السحلي من ذلك قائلًا: “وكأن الخرطوش كتب علينا، هم لم ينظروا لما فعلته الدولة بل رأوا أن ابنتهم هي المخطئة”. المحزن والموجع في الأمر بالنسبة له أن مثل هذه التعليقات انتهت بالقطيعة بينه وبين بعض أفراد أسرته وأسرتها. فيما تعامل هو بسخرية مع تصريحات مثل “إنها رفيعة”، ومع إلقاء القبض على زملائها باعتبارهم متهمين بقتلها، ولكن ذلك لم ينفي الأثر النفسي السيئ لبحث الأشخاص القريبين والبعيدين عن مخرج للشرطة حتى قبل انتهاء التحقيقات رغم وضوح الأمر منذ البداية، ولم ينفي أيضا الأثر السلبي على سير العدالة.

رغم إنسانية بعض الغرباء ودعمهم له إلا أن أسامة قرر أن ينعزل؛ لأن استمراره في الاستماع لمثل هذه التبريرات كان قاسٍ جدا، يقول: “الناس كانت بتشتمني لأن فجيعتي هزت صورة السيسي”.

في النهاية  يري أسامه نفسه محظوظًا، فالضابط “ياسين صلاح” الذي قتل شيماء، في السجن الآن، وحكم عليه مؤخرًا، في الاستئناف، بالسجن 15 عامًا، في حين أن محمد الجندي وشباب كثيرين راحوا ضحية عنف الداخلية ولم يعاقب أحد، حسبما يقول، ويضيف أن الأمر ربما يعود إلى أن الرأي العام في النهاية كان بصف الضحية رغم محاولات التشويه، وهذا أرعبهم وجعلهم يقيلون الوزير ويحركون القضية.

يقول السحلي: “الناس بتوع: إيه اللي وداها هناك، والناس اللي خايفة على مصالحها، والشئون المعنوية بتاعة الدولة ما عرفتش تعمل حاجة؛ لأن من الأول كان في صور وفيديوهات واضحة للجريمة، لو ده ما كانش موجود كان حق شيماء هيروح زيها زي اللي بيموتوا من يناير لحد النهارده والرأي العام يحولها من مجني عليها لجاني”.

اعلان
 
 
هدير المهدوي