Define your generation here. Generation What

التدبير والتفجير فى ثورة يناير

فى سياق الجهد الضاري -ولكن العبثى- لنفى صفة الثورة عن مشهد يناير 2011، أو لتسفيه القائلين بثورية المشهد، ظهرت مؤخرًا مقولة جديدة تقرر صراحة، أو تغمز من طرف خفي، بأن كل شئ كان مدبرًا من أجهزة بعينها فى الدولة، للخلاص من حسنى مبارك، ومن مشروع التوريث بضربة واحدة.

ويستدل أصحاب هذه المقولة على صحة ما يذهبون اليه بأن ذلك تكرر فى مشهد 30 يونيو 2013، للخلاص من حكم الإخوان المسلمين، ولكن الفارق هو أن اعترافات متناثرة من الأطراف المدبرة لـ 30 يونيو ظهرت هنا وفى الخارج، أما أطراف تدبير يناير فلا يزالون متكتمين بسبب أن الصراع فيها كان بين أطراف من الدولة، هى الآن فى حاجة إلى بعضها البعض، وهى الآن تشعر بأنه ليس من حق “الغرباء” عنهم -أى مجمل الشعب والقوى السياسية- الاطلاع على أسرارهم .

لكن هؤلاء جميعًا، أى المؤمنين بالتدبير فى يناير وفى يونيو معًا، ينسون البديهية القائلة بأنك تستطيع أن تشعل فتيل القنبلة من بعيد، لكن لن يحدث الانفجار إلا إذا كانت هناك فى نهاية الطرف الثانى من الفتيل شحنة قابلة للانفجار.. وهذا بالضبط ما حدث فى كلٍ من يناير 2011، ويونيو 2013.

المعنى أننا لا ننفى، بل ونعترف بأنه كان هناك تدبير من نوع ما شاركت فيه أجهزة من الدولة العميقة فى الحدثين، ولكن ما كان لهذا التدبير أن ينجح فى حالة يناير لولا اشتداد السخط وشموله على حسنى مبارك وفشل وفساد نظامه، ولولا الرفض الفطرى لدى عموم المصريين لمشروع توريث الحكم لنجل الرئيس، وسنعود إلى هذه النقطة توًا، وكذلك ما كان للتدبير أن ينجح فى يونيو 2013 لولا اشتداد السخط وشموله على حكم الإخوان، الذى ضاعف منه الشعور بالمفاجأة من ضحالتهم، وانعدام الخبرات لديهم، والخديعة فيهم.

بعض الذين يكادون يقتلون أنفسهم صراخًا لنفى صفة الثورة عن مشهد يناير 2011 يقولون إن القوات المسلحة ما كانت من الأصل لتقبل توريث الرئاسة لجمال مبارك، ومن ثم فلم تكن لتسمح به، وهذا صحيح، أو هو حق يراد به باطل، ولكن الصحيح والحق الذى لا يراد به باطل، هو أن القوات المسلحة كانت ترفض مشروع التوريث، وتشعر بأن الشعب كله يرفضه، وأن هذا الرفض الشعبى سوف ينفجر فى وقت قريب، وأن عليها أن تكون مستعدة، وتحدد موقفها، واختارت أن الموقف المتسق مع رؤيتها، وهو مساندة الرفض الشعبى للتوريث.

وبالمناسبة فهذه لم تعد أسرار منذ شهر أبريل عام 2011، فقد نشر الأهرام فى ذلك االشهر فى عرضه لسياق لقاء بين أعضاء من المجلس الأعلى للقوات المسلحة وقتها وبعض رموز ثورة يناير من السياسين، وحضر اللقاء بعض الكتاب وكان بينهم المرحوم الأستاذ سلامة أحمد سلامة، والمرحوم الأستاذ لبيب السباعى أن القوات المسلحة كانت تتوقع شيئا، وأنها تأهبت له، وعليه فلم يكن من السهل على القوات المسلحة عزل مبارك، ووأد مشروع التوريث، لولا الاستناد إلى هذا الموقف الشعبى شبه الاجماعى، والذى وصفناه بأنه “فطرى”، الرافض توريث البلد لذلك الفتى المغرور، وإلا فإنه كان عليها القيام بانقلاب عسكرى صريح، بما يخالف التراث المجيد للجيش المصرى، الذى ينفى عنه صفة أنه جيش انقلابى.

قد يجادل أحد من هواة الجدل العقيم -وما أكثرهم- بأن الخروج فى 25 يناير 2011، كان من الأصل مدبرًا، لإعلان هذا الرفض الشعبى، والرد بسيط هو أنه لو لم يكن هناك استعداد شعبى للخروج، لما حدث، وإن حدث لما تجاوب معه بهذه السرعة عموم المصريين، إلا أصحاب المصالح والمطامع والمخاوف والعقول الرثة، بمعنى أخر فليست النائحة كالثكلى.. أى أنك تستطيع أن تؤجر ندابة لكى تبكى عزيزًا عليك، ولكن حزنها المأجور لن يدوم أكثر من ساعات “توظيفها بالأجر”، أما الثكلى نفسها فإن حزنها غير المأجور يستمر حتى يفعل الزمن فعله.

حين لم يكن لمصر جيش قوى يرفض التوريث، فإن فطرة المصريين هى التى أحبطته فى مناسبتين بالغتى الدلالة، الأولى حين توفى مصطفى كامل، وترشح لخلافته فى زعامة الحزب الوطنى أخوه على فهمى كامل منافسًا لمحمد فريد، وكان على فهمى يحظى بمساندة الخديوى عباس حلمى الثانى الذى كان يكره محمد فريد، وكان يعتبر الحزب الوطنى قوة حليفة مهمة لمسند الخديوية أو للسلطة الشرعية كما كانت تسمى وقتها فى مواجهة السلطة الفعلية (أى سلطة الاحتلال البريطانى)، وفى يوم انتخاب خليفة مصطفى كامل رابط الخديوى فى عربته بصحبة أحمد شوقى (أمير الشعراء) أمام مقر الحزب، لكي يضغط على أعضاء الهيئة االقيادية لانتخاب مرشحه على فهمى، ولكن الذى حدث هو انتخاب محمد فريد بما يشبه الاجماع، رفضًا لمنطق التوريث، ورفضًا لمنطق الإملاء من جانب السلطة.

تكررت السابقة عقب وفاة سعد زغلول عام 1927، فقد طرح بقوة اسم ابن أخته فتح الله بركات باشا لخلافته، وكان الجناح اليميني (أو المعتدل) فى الحزب بتأييد من القصر الملكى يفضلون بركات، ولكن الزعامة ذهبت الى الوريث بالسياسة وليس الوريث بالدم، مصطفى النحاس باشا، الذى كان سكرتيرًا عاما للحزب، والذى انتمى إلى جناح سعد باشا “المتشدد” فى الوفد.

فى تلكما المناسبتين أسقط المصريون التوريث دون جيش، والدرس هنا هو أن دور الجيش فى يناير 2011 -وهو دور مقدر ونعتز به- كان كما يقال بلغة القانون -كاشفا وليس مقررا.. أى أنه لم يصنع الإرادة الشعبية برفض مخطط التوريث، وما سبقه وما صاحبه، وما كان سيتبعه من فساد، ومهانة، ومسخ لتاريخ مصر الحديث، ولكنه استجاب لهذه الإرادة، أو توحد معها فى أحسن الأحوال.

ولمزيد من توضيح فكرتنا التى لا ترفض وجود تدبير من نوع ما فى شهرى يناير 2011، ويونيو 2013، ولكنها ترفض أن يستنتج من ذلك أن المشهدين مصطنعين، وأن لا ثورة هناك أو هنا، دعونا نتذكر كيف نشبت ثورة 1919 فى مصر، وكيف نشبت الثورات الكبرى فى العالم، وسوف نرى أن التجاوب الشعبى الكاسح هو ما حول التدبير الى ثورة.

فى حالة ثورة 1919 المصرية، كان كل المصريين من أمراء وعلماء وساسة وعامة يتساءلون عن مصير البلاد، بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى، وكان الأمير عمر طوسون هو صاحب فكرة تشكيل وفد يطالب المندوب السامى البريطانى بانهاء الحماية على مصر، ولكنه رفض رئاسة الوفد بنفسه، واقترح هو (أو غيره) إسناد الرئاسة إلى سعد زغلول بما أنه رجل مصرى صميم وذو شعبية، ومكانة، وبصفته الوكيل المنتخب للجمعية التشريعية وقتها، وحدث ما حدث من حركة توقيع التوكيلات الشعبية، حين رفض المندوب السامى الاعتراف بشرعية تمثيل الوفد للمصريين، ثم حدث ما حدث من اندلاع الثورة فى عموم القطر عقب نفى زعماء الوفد إلى مالطة، فهل ينفى عن سعد زغلول صفة الزعامة للثورة الوطنية الكبرى فى تاريخ مصر، أنه لم يكن هو الذى فكر فى الذهاب للمندوب السامى، وهل ينفى عن ثورة 1919 صفة الثورة أن الشرارة الأولى، (أو فتيل التفجير)، كان من صنع بضعة رجال ذوى مناصب رسمية جلسوا (فى قصورهم الفخمة) يشكلون وفدًا يذهب لممثل دولة الحماية ليطالب بالاستقلال.

بالعكس، إن الذى أعطاها صفة الثورة هو انفجار الجماهير بالتجاوب التلقائى مع هذا “التدبير”، تمامًا مثلما حدث فى يناير 2011، فلو كان الأمر فيها مجرد تدبير لكانت انقلابًا عسكريًا أو غير عسكرى، ولكن الذى أعطى يناير صفة الثورة هو انفجار الجماهير بالتجاوب التلقائى مع هذا التدبير، وهو انفجار كانت كل أسبابه موجودة و تتراكم فوق بعضها يوما وراء يوم، وتزودها التحركات الشعبية بمزيد من المواد المتفجرة منذ عام 2005 على الأقل حين ظهرت حركة كفاية لأول مرة.

ما حدث فى الثورات الكبرى فى تاريخ العالم لا يختلف كثيرا، ولن نفيض فيه، فالثورة الأمريكية بدأت بثورة عمال بوسطن على ضرائب الشاى، وإلقاء حمولة السفينة البريطانية فى البحر، والثورة الفرنسية بدأت برفض ممثلى الطبقات الشعبية فى مجلس طبقات الأمة أوامر الملك بفض جلسات المجلس، والثورة الروسية بدأت بحادثة وفاة الآلاف فى منحدر وهم ينتظرون نصيبهم من القمح فى وقت المجاعة أمام زحف خيول الحرس القيصرى لمنع الجموع من الاستيلاء عنوة على شحنة القمح.

وكل هذه حوادث بسيطة حدث ويحدث وسيحدث مثلها فى كل بلاد العالم، ولكنها لاتؤدى بذاتها إلى الثورة لولا وجود مخزون كافٍ من الغضب والتوق إلى نظام أفضل لدى عموم المواطنين، وفى عموم الوطن.

مرة أخرى إلى من يجهدون أنفسهم عبثا لنفى صفة الثورة عن يناير بالقول بتدبيرها من قبل أجهزة من دولة مبارك نفسها، بعد أن أجدبت مقولة إنها مؤامرة أجنبية، نقول إن الانفجار لا يحدث لمجرد أن هناك فتيلا أشعل، ولكنه يحدث لأنه توجد قنبلة فى الطرف الآخر من الفتيل.

ومع ذلك فيجب ألا يخفى على أحد الهدف الخفى من كل هذا الهراء حول المؤامرة أو التدبير، فى ثورة يناير، وهو تسفيه مطالبها الكبرى، أى التحديث والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، ومن ثم الوقوف بسقف طموحاتها عند حد خلع مبارك، وإحباط التوريث.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد