Define your generation here. Generation What
حيثيات إلغاء “حظر النشر”: مقدمة لحق تداول المعلومات.. ولكن
 
 

“نقطة ضوء صغيرة لامعة في آخر النفق المظلم”، هكذا يمكن وصف حيثيات حكم محكمة القضاء الإداري، أمس الثلاثاء، بإلغاء قرار النائب العام السابق هشام بركات بحظر النظر في القضية رقم 654 لسنة 2014 حصر أمن الدولة عليا، المعروفة إعلاميًا بقضية “تزوير الانتخابات الرئاسية” لعام 2012، والتي فاز فيها الرئيس الأسبق محمد مرسي.

وكان النائب العام السابق هشام بركات، قد قرر في 14 أكتوبر 2014 حظر النشر في القضية، وأصدر خطابًا موجهًا لرئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون والقائم بأعمال وزير الإعلام، يخطره فيه بحظر النشر في القضية، التي تبحث تزوير الانتخابات الرئاسية لصالح الرئيس الأسبق محمد مرسي، وذلك بعد أن نشرت صحيفة المصري اليوم إشارة لملحق كان مقررًا نشره في اليوم التالي بعنوان “غدا بالمستندات والوثائق تزوير انتخابات الرئاسة 2012”.

وقالت حيثيات حكم القضاء الإداري إن “الأخبار والمعلومات التي تخص الشأن العام تعتبر من أدوات تشكيل الرأي العام، وأن للمواطنين ولوسائل الإعلام الحق في اللجوء لمصادر المعلومات الصحيحة للحصول عليها وتداولها ونقلها”.

وأضافت الحيثيات أن “محتوى الإعلام يؤثر في الرأي العام، فإذا كانت مادة الإعلام صحيحة وصادقة في أخبارها ومعلوماتها أدرك الرأي العام حقيقة ما يجري إدراكًا سليمًا، أما إذا حُرمت وسائل الإعلام من المعلومات والأخبار الصحيحة فإن ذلك ينعكس سلباً على الرأي العام.. كل مساحة تخلو في وسائل الإعلام من المعلومات والحقائق تمتلئ بالأكاذيب والأضاليل، وكل خصم من العلم الصحيح بالحقائق يؤدي إلى زيادة الجهل والانتقاص من الوعي العام، ويؤدي إلى عدم مصداقية وسائل الإعلام ويصرف الناس عن متابعة الشأن العام، كما يجرد وسائل الإعلام من تأثيرها الإيجابي في الدفاع عن حقوق وحريات المواطنين وتبني قضاياهم”.

واستطردت المحكمة قائلة إن “العلم بحقيقة ما جرى في الانتخابات الرئاسية التي أجريت عام 2012، يهم جموع الشعب المصري (..) فإن لم يثبت شيء مما أثير من اتهامات بتزوير تلك الانتخابات، برأت ساحة من دارت حولهم الشبهات وطويت تلك الصفحة، وإن وجدت أدلة على وقوع تزوير وجب إحالة المتهم للمحاكمة لعقابه”.

وختمت المحكمة في حيثيات حكمها “قرار النيابة العامة الصادر بحظر النشر في تلك القضية، خالف القانون، نظراً لأن النيابة العامة لم تجر أية تحقيقات بشأن هذه القضية، ومن ثم يعد قرارها تدخلاً غير جائز دون تكليف من قاضي التحقيق المنتدب (..) ومن ثم فإن قرار النائب العام يكون قد اغتصب اختصاص قاضي التحقيق المنتدب، بالمخالفة للدستور، ويتعين القضاء بإلغائه، مع ما يترتب عليه من آثار أخصها أحقية وسائل الإعلام في نشر أخبار عن التحقيق الذي يجريه قاضي التحقيقات”.

وحملت حيثيات الحكم تأييدا للعديد من الانتقادات التي وردت في آراء المعارضين لقرارات حظر النشر المتكررة، وإن كانت جميعها تركزت على حق تداول المعلومات، وضرورة التزام الجهات المختصة بالإفصاح عن البيانات والمعلومات الرسمية.

وتنص المادة 68 من الدستور المصري الحالي على أن “المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة، حق تكفله الدولة لكل مواطن، وتلتزم الدولة بتوفيرها وإتاحتها للمواطنين بشفافية، وينظم القانون ضوابط الحصول عليها وإتاحتها وسريتها، وقواعد إيداعها وحفظها، والتظلم من رفض إعطائها، كما يحدد عقوبة حجب المعلومات أو إعطاء معلومات مغلوطة عمدًا.

وعلى الرغم من ذلك، أثارت الحيثيات جدلًا آخر حول تفاصيل أدق، وهو جدل بدأه الزميل محمد بصل، رئيس القسم القضائي في جريدة “الشروق”، والذي أشار إلى أن واحدة من النقاط التي بني عليها الحكم الأخير لم تكن متوافقة مع الواقع.

إذ ارتكزت الحيثيات على أن قاضي التحقيق لم يصدر قرارًا بحظر النشر، وعليه فإن قرار النائب العام قد “اغتصب حق قاضي التحقيق المنتدب”. لكن بصل قال إن “قاضي التحقيق الأسبق المنتدب للقضية كان قد أصدر قرارًا بحظر النشر في أواخر 2013، وبناءً على ذلك القرار تم التقدم ببلاغات ضد عدد من الصحفيين لخرقهم القرار، وبالفعل تم التحقيق مع عدد من الإعلاميين منهم أنا والأستاذ عماد الدين حسين رئيس تحرير الشروق”.

كما أشار بصل إلى أن قاضي التحقيق الأسبق عادل إدريس صرح مرارًا في وسائل الاعلام بضرورة الالتزام بقرار حظر النشر، وكان ذلك في النصف الأول من 2014، أي قبل صدور قرار النائب العام (أكتوبر 2014).

وهو ما يعني أن حكم “القضاء الإداري” قد يكون مبنيًا على افتراض غير صحيح.

لكن هذا لم يخف الاحتفاء بالحكم خاصة في أوساط العاملين بالإعلام، على أساس أنه مقدمة يبنى عليها في قرارات الحظر الأخرى، بالذات بسبب أثرها الجسيم على دور الصحافة التقليدي.

وقال وكيل نقابة الصحفيين خالد البلشي لـ”مدى مصر” إن “هذا الحكم يشكل أهمية كبرى، ويعد دعوة حقيقية لإصدار قانون بحرية تداول المعلومات”.

كان وزير التخطيط أشرف العربي، قد قال في أكتوبر من العام الماضي إنه سيتم عرض قانون حرية تداول المعلومات على البرلمان  المقبل (الحالي)، ضمن حزمة المشروعات والقوانين التي ستعرض عليه، منوهًا أن الحكومة أعدت عددًا من المسودات للقانون.

فيما قال نقيب الصحفيين يحيى قلاش، في تصريحات سابقة لـ “المصري اليوم” إن الانتهاء من قانون تداول المعلومات وإقراره لن يحل أزمة غياب المعلومات الخاصة بالأمن القومي، لأنه هناك فرق بين تداول المعلومات وبين تنوع مصادر المعلومات، حيث أن هناك جهة تنفيذية أصبحت هي المنوطة بتحديد ما يتم نشره من عدمه. مضيفًا أن هذا الأمر ليس له علاقة بحق الحصول على المعلومات، ولكن هناك خطراً يحدق بمهنة الصحافة يتمثل في حظر النشر إلا بأمر من المصدر.

واستكمل البلشي حديثه لـ “مدى مصر” واصفًا حكم القضاء الإداري بأنه “يعيد الاعتبار لأهمية وجود المعلومة الرسمية من مصادرها الطبيعية ويشير إلى خطورة غيابها، كما أنه ينسحب على كافة قرارات حظر النشر، التي بات واضحًا أنها لا تخدم سير التحقيقات في شيء”.

وشهد العام 2015 عددًا كبيرًا من قرارات حظر النشر، بدأت بقرارات النائب العام المستشار هشام بركات بحظر النشر في قضية اختطاف النقيب أيمن محمد إبراهيم الدسوقي، الضابط بمصلحة أمن الموانئ في شمال سيناء، والذي نشرت جماعة أنصار بيت المقدس بعد ذلك فيديو يظهر عمليتي اختطافه وقتله. بعدها توالت قرارات حظر النشر التي أصدرها بركات: في قضية مقتل الناشطة شيماء الصباغ، وتحقيقات قضية أنصار بيت المقدس، ومقتل المحامي كريم حمدي على يد ضباط في قسم المطرية، وقضية اتهام ضباط شرطة ومستشارين بالإتجار في الآثار (كان متهمًا فيها مدير نيابة بمدينة نصر وشقيقه المستشار بنيابة النقض وسبعة ضباط بوزارة الداخلية)، وكان آخر قرار حظر نشر أصدره بركات قبل اغتيال خاص بقضية تلقي نشطاء سياسيين ومنظمات حقوقية وأحزاب تمويلات من جهات ودول أجنبية. فيما أصدر القائم بأعمال النائب العام، المستشار على عمران، قرارًا بحظر النشر في واقعة اغتيال المستشار هشام بركات النائب العام، وفي قضية اتهام رئيس محكمة جنح مستأنف مدينة نصر في طلب رشوة جنسية، وقضية رشوة وزير الزراعة، وحادث مقتل فوج سياحي مكسيك في الواحات، وعدد آخر غيرها.

فيما أضاف البلشي قائلًا: “دعنا نعود لأصل المسألة. الأمر يتعلق بأحقية تقديم المعلومة من مصدرها الطبيعي. لماذا سيلجأ الصحفي لفكرة المصدر المجهل لو أن المصدر الرسمي يقوم بدوره وواجبه في تقديم المعلومة الرسمية؟”.

ويبدو أن الحيثيات ستثير جدلا أوسع حول الدوافع التي تقف وراء حظر النشر بالأساس، ويضيف البلشي في هذا السياق: “الأمر أيضًا متصل بفكرة مصداقية الصحافة وكيفية تأثير النشر الصحفي على مسار القضايا التي لا تزال قيد التحقيق. على سبيل المثال أمر النائب العام الأسبق بحظر النشر في قضية مقتل شيماء الصباغ.. أتصور أن القرار كان يفسح الفرصة لما كان يستهدف الابتعاد عنه. القرار يقول إن الاخبار المتداولة جميعها كاذبة، ثم يقرر منع نشر أي أخبار عن القضية. أي أنه أغلق الباب أمام نشر الأخبار التي يرى أنها صادقة، وترك المجال فقط أمام الأخبار المنشورة أصلًا والتي يدّعي أنها كاذبة”.

وأضاف البلشي: “أتصور أن النيابة لو كانت أعلنت المعلومات عن القضية، بوصفها هي الجهة المنوط بها ذلك، لما كان هناك فرصة لنقل الأخبار عن مصدر مطلع أو مصدر رفض ذكره، وحينها تكون المحاسبة عن نشر الأخبار الكاذبة مفهومة”.

وبرغم صدور مثل هذا الحكم، بمثل هذه الحيثيات، إلا أن النائب العام المستشار نبيل صادق أصدر منذ قليل قرارًا بحظر النشر في قضية تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات عن حجم الفساد في الدولة، وهو القرار الذي بدا غريبًا بعض الشيئ، لكونه أول إشارة لوجود تحقيق تجريه النيابة أو أي جهة قضائية أخرى في تلك القضية، التي كان التحقيق فيها مقتصرًا على لجنة تقصي حقائق تشكلت بتوجيه من الرئيس عبد الفتاح السيسي، وانتهت إلى تقرير كان عليها -بحسب بيان الرئاسة بإعلان تشكيلها- أن تسلمه للرئاسة وأن تعلنه أيضًا للرأي العام، وهو ما جرى بالفعل، وتمت إحالة التقرير من الرئاسة للبرلمان لاتخاذ الإجراءات اللازمة.

وجاء قرار النائب العام ، الذي يعد أول قراراته بحظر النشر منذ توليه منصبه في سبتمبر الماضي، بمثابة رد عملي سريع على ما أتت به حيثيات حكم “القضاء الإداري” أمس، وهو الرد الذي يثير الكثير من علامات الاستفهام حول مدى اهتمام الجهات الرسمية المختلفة في مصر بالانتصار للشفافية والحق في المعرفة.

اعلان