Define your generation here. Generation What

حروب الحرم الجامعي

إذا سألوك عن الطلاب.. قل لهم لقد كفروا بكم.

***

في انتخابات اتحاد طلاب مصر التي أجريت في عهد الإخوان، قام طلاب الجماعة بتحطيم صناديق الاقتراع حين بدا أنها ستأتي بمن لا يوالي الجماعة، وفي عهد السيسي قام وزراء النظام بحل الاتحاد المنتخب الذي بدا أنه غير موال للدولة. يقال إن النظام يفتقد لحزب سياسي يدعمه، ولكن الحقيقة أنه ما من حاجة لحزب، والدولة نفسها بكل أجهزتها أصبحت أكبر داعم له. لم يكن قرار حل اتحاد طلاب مصر الذي فاز برئاسته عبد الله أنور، رئيس اتحاد طلاب جامعة القاهرة، وإعادة الانتخابات مفاجأة على الإطلاق؛ فهذه آخر خطوات الحرب على الطلاب التي تشنها الدولة بالتوازي مع حربها على الإرهاب، في زمن يتساوى فيه حامل القلم مع حامل الكلاشينكوف في نظر من يحكمون.

هناك حرب ضروس الآن تدور رحاها داخل أروقة الجامعة، من نظام يؤمن بضرورة فرض السيطرة على الحرم، الذي يعد من أهم مساحات الفضاء العام، لعدم إعطاء الفرصة لظهور أية حركة احتجاجية بين الشباب الحر ذي العقلية النقدية. فتلك الفئة العمرية تصعب رشوتها بسبوبة، أو تعشيمها بأحد مقاعد التعيين بالبرلمان. هؤلاء الطلاب يُقمعون يوميًا بدءًا من مرورهم بجانب المدرعات المتراصة أمام الحرم كضباع شرسة جاهزة للانقضاض في أي وقت، وعبورهم أسوار الجامعة بعد الوقوف في طوابير طويلة منتظرين التحقق من هوياتهم من قبل رجال أمن غلاظ الطبع مفتولي العضلات، حتى دخولهم قاعات المحاضرات الخاضعة لأشد أنواع الرقابة الذاتية، بكل ما تحمله من تناقض لحرية التفكير والتعبير اللازمين للبحث والإبداع، تحت أعين المخبرين الحائمين كالذباب في كل جانب. لم تتوقف محاولات تدجين الطلاب وإخصاء حراكهم من قبل الحكومات المتعاقبة التي أحكمت قبضتها خلال عقود طويلة منذ إنشاء أولى الجامعات المصرية عام 1908 حتى عام 2011، حين انتفض الطلاب لطرد الحرس الجامعي وإلغاء التدخل الأمني في تعيين القيادات الجامعية عن طريق إقرار انتخابات ديموقراطية بدلًا من ذلك، وكانوا عازمين مثلما وصف الأبنودي، على القبض على القبضة، وتقديم الكف.

شهدت مصر في العامين التاليين لثورة يناير موجة من أقوى موجات الحراك الطلابي في تاريخها منذ السبعينيات، موجة ناهضت تجارية التعليم واستطاعت انتزاع حق انتخاب القيادات الجامعية، وطردت الحرس الجامعي من داخل الحرم، وأعادت إحياء اتحاد طلاب مصر بعد وقفه لأكثر من ثلاثين عامًا. هذا المد الثوري أعقبه جزر بعد الثلاثين من يونيه، حين رأى النظام العسكري أن المظاهرات الجامعية تناقض صورة الاصطفاف الوطني الشامل وراء قياداته التي تروج لها حناجره الإعلامية، وأن بإمكانها تشجيع مظاهر احتجاجية أخرى أخطر خارج الجامعة، بتأثير يشبه تأثير قطع الدومينو المتساقطة. ولذلك، بدأت الحرب على الطلاب مبكرًا بعد اشتعال الاحتجاجات في الجامعات المصرية التي لم تكن جميعها تنادي بعودة مرسي، ولم يكن كل المشاركين فيها من طلاب الإخوان -كما يروج الإعلام الذي حاول شيطنتها قدر الإمكان، بل شهدت الاحتجاجات مشاركة مجموعات متنوعة انتفضت ضد القتل والبطش، فردت السلطة بمزيد من القمع وسفك الدماء. حاربت الدولة الطلاب بشدة باستخدام سلاحين فتاكين لديها وحدها الحق الحصري في استخدامهما، وهما العنف وإصدار القوانين.

بالنسبة للعنف فليس هناك داع لذكر ما هو بيّن، فمنذ 30 يونيه قضى 17 طالبًا نحبه داخل وخارج أسوار الجامعة، وسُجن أكثر من ألفين منهم طبقًا لإحصاءات ويكي ثورة، فلا يخفى على أحد أن دولة يونيه قررت رفع العصا لمن عصا. أما بالنسبة للقوانين فمنذ 30 يونيه استخدم النظام سلطة إصدار القوانين في ظل غياب سلطة تشريعية منتخبة لتكبيل الحركة الطلابية وإرهاب القائمين عليها. عملت هذه القوانين على إبطال كل المكاسب، التي حققتها الحركة الطلابية في الأعوام السابقة، بهدف إحكام القبضة الأمنية على الحرم من جديد. ولم يكن ممكنًا إحكام السيطرة على الحرم عن طريق ممارسة العنف ضد الطلاب فقط، فمن الضروري احتواء الأساتذة أيضًا ومنع أي حراك لهم، سواء بالتهديد أم بالترغيب. فبعد نضال سنوات طويلة من أجل إبعاد تأثير تزكيات الأمن وتقاريره على تعيين القيادات الجامعية، أصدر الرئيس قانونًا يعطيه حق تعيين رؤساء الجامعات مباشرة بعد نجاح الثورة مؤقتًا في جعل اختيارهم بالانتخاب. التعيين يجعل من التملق والانصياع الطريق الأمثل -والأوحد ربما- للترقي وصعود درجات السلم الوظيفي للأساتذة، الذين سيملأ الطلاب الساحات لو توقفوا لبرهة عن التدريس وانضموا للحراك، ولن يكون هناك مفر للسلطة حينئذ من الاستجابة إليهم والاستماع إلى مطالبهم، وهو ما لن تسمح به السلطة مهما حدث. بالإضافة إلى هذا، جرى تعديل قانون تنظيم الجامعات لإعطاء الحق لرؤساء الجامعات في رفت الطلاب المشاركين في أعمال إرهابية أو تخريبية أو ما من شأنه تعطيل العملية التعليمية، وهو حق يراد به باطل، بما أنه قد يستخدم ضد جميع من يلجؤون إلى حقهم الدستوري في الإضراب. لم تصدر كل القوانين عن رؤوس النظام، لما قد يحمله هذا من كلفة سياسية ومساءلة غير مرغوب فيها، فالعديد من القوانين أصدرها ولاة النظام الأوفياء داخل الجامعات، في صيغة قرارات فردية لا علاقة لها بالنظام. ففي جامعة القاهرة حُلت كل الأسر الطلابية التي لها علاقة بتنظيمات أو أحزاب سياسية خارج الجامعة “لمنع النشاط السياسي من إعاقة العملية التعليمية”، مثلما أوضح جابر نصار رئيس جامعة القاهرة، الذي بدأ تنفيذ قراره بإلغاء معسكر لطلاب كلية العلوم السياسية لما قد يتخلله من مناقشات سياسية! جدير بالذكر أن الانتخابات الجامعية كانت الانتخابات الوحيدة التي خسرها الإخوان خلال فترة حكمهم، ممثلة في انتخابات “اتحاد طلاب مصر” و”اتحاد طلاب الجامعات الخاصة”، مما كسر أسطورة الإسلاميين الذين لا يقهرون في الصندوق، وحطم الخوف من قدرتهم على الاستمرار في الحكم لألف عام دون طلقة واحدة ولا نقطة دم. لكن بعد رجوع النظام العسكري إلى السلطة، وهو النظام الذي يبغض المناقشة ويعشق التلقين، أصبحت السياسة الآن شرًا يجب منعه. يبدو أن الإخوان ليسوا وحدهم من صعدوا على السلم ثم “أخذوه معهم”.

آخر هذه القرارات السلطوية كان قرار حل اتحاد طلاب مصر المنتخب حديثًا، وإعادة الانتخابات بعد تعليقها لدورتين متتاليتين منذ الثلاثين من يونيه بحجة الدواعي الأمنية، وهي الحجة المستخدمة بكثرة لتعليق المستحقات الديموقراطية. جرى حل الاتحاد بعد فشل قرار منع ترشح الطلاب النشطاء في إخلاء الساحة لصالح أصوات أخرى موالية مثل صوت “طلاب مصر”. حل الاتحاد لا يعني فقط كفر ما تبقى من الطلاب، الذين ما زالوا مؤمنين أن الممارسة السياسية أفضل من حمل السلاح، بوعود الدولة بالإشراك والتمكين، ولكنه يعني أيضًا حرمان مصر من غد أفضل، أو على الأقل غد مختلف. فمن لم يتعلم ممارسة السياسة في الجامعة لن يمارسها خارجها، ومن لم ينغمس في العمل العام صغيرًا سيفضّل العيش كخلية منفردة كبيرًا، هكذا تبقى الأحزاب ضعيفة، وهكذا يبقى النظام في الحكم إلى الأبد.

بالطبع لا تمر هذه التعديات على حرية الحرم الجامعي دون مقاومة، فبعض الطلاب والأساتذة لا يزالون حجر عثرة أمام الغزو الأمني ولا يزالون راغبين في تحدي اللا مبالاة والإحباط اللذين تفشيا كالوباء في أوساط الشباب. من بين هؤلاء الطلاب من شاركوا في انتخابات اتحاد طلاب مصر وفازوا به رغم السمعة السيئة التي تمتع بها الاتحاد كمطية للسلطة، سواء تحت رئاسة أحمد عمر الذي أقام مؤتمر “نهضة مصر رؤية طلابية” لتلميع الرئيس المعزول محمد مرسي، أم تحت رئاسة محمد بدران الذي صرح بعد مقتل الطالب محمد رضا -إثر اقتحام قوات الأمن لجامعة القاهرة- بأن ما يحدث في الجامعات مخطط إخواني لإشاعة الفوضي والتخريب! فأصبح بعد ذلك فتى السيسي المدلل ورئيس حزب “مستقبل وطن”، وأصغر رئيس حزب في البرلمان.

الطلاب الذين استطاعوا الفوز بالانتخابات الحالية مفجوعون لسلبهم انتصارهم المشروع ولهم كل الحق في ذلك، فقرار حل الاتحاد وإعادة الانتخابات مثير للقلق؛ فالانتخابات قد تتأثر بمكالمة من جهة سيادية لطالب هنا، أو تهديد من جهة أخرى لطالب هناك، لتسفر عن نتيجة أخرى تضمن عدم وجود أصوات معارضة في أي مناصب قيادية في الدولة، بغض النظر عن معايير الأهمية والتأثير. ولكن بالرغم من شجاعتهم ونبل قضيتهم؛ فإنهم يخوضون الآن حربهم المشروعة، واضعين نصب أعينهم أهدافًا ثانوية تعالج الأعراض ولا تقضي على المرض. فمثلًا، منذ أيام ظهر رئيس الاتحاد في حوار مع معتز عبد الفتاح، وصرح بأن هناك علامات استفهام حول حل الاتحاد، بينما يعلم ونعلم ويعلم معتز عبد الفتاح نفسه، أنه لا يوجد في مصر علامات استفهام، فالكل يعرف ماذا حدث ولماذا. هناك فقط علامات تعجب من كيفية حدوثه بهذه الفجاجة. وفي الوقت نفسه طالب بعض الطلاب الناشطين برحيل أشرف الشيحي وزير التعليم العالي، ناسين أو متناسين أن سيادة الوزير كبقية الوزراء في مصر لا يأخذ قرارًا ولا يحمل رؤية، فهو مجرد موظف ذي درجة رفيعة بموكب وحراسة، وأن المشكلة الحقيقية تكمن في عقلية الضابط الذي يرأسه.

يصارع الطلاب جاهدين لانتزاع حقهم المسلوب، ولكنهم ينغمسون في معارك فرعية ويضيعون جهدهم الثمين دون التعرض لجذور المشكلة. فبدلًا من الاعتراض على قرارات الوزارة، يجب الخروج من عباءة الوزارة وتنظيم الانتخابات بصورة مستقلة طبقًا للائحة جديدة مختلفة كليًا عن لوائح أمن الدولة، يكتبها الطلاب بأنفسهم من خلال ورش عمل مستقلة ومفتوحة داخل الجامعات بعيدًا عن تحالفات وتوازنات الغرف المغلقة. فاللائحة الحالية معيبة ومشينة ومصممة بعناية لإضعاف الاتحاد الذي يُنتخب أعضاؤه بطريقة تصاعدية؛ فالطلاب ينتخبون أعضاء اللجان، الذين ينتخبون بدورهم رؤساء اللجان، وينتخب رؤساء اللجان رؤساء اتحادات الكليات، وينتخب هؤلاء بدورهم من بينهم رؤساء اتحادات الجامعات، الذين ينتخبون أخيرًا رئيسًا لاتحاد طلاب مصر من بينهم. هذه الطريقة التصاعدية تضعف من شرعية الاتحاد، لكون رئيسه منتخبًا بعدد أصوات قليلة، دون تنظيم حملات انتخابية على مستوى الجمهورية، فينتهي به الأمر إلى أن يبقى غير معروف لمعظم الطلاب، باستثناء هؤلاء المنغمسين في الأنشطة الجامعية.

وبالتالي، فبدلًا من محاولة حث النظام على الاعتراف بالاتحاد، يجب على الطلاب العمل على نزع الشرعية عنه، فلا معنى لخوض انتخابات محددة نتائجها مسبقًا، ولا يمكن الفوز في الحرب الحالية باللعب طبقًا لقواعد أمن الدولة تحت وصاية الوزارة. فليعمل الطلاب الفائزون بانتخابات الاتحاد المنحل على تنظيم انتخابات أخرى يختار فيها الطلاب، في عموم الجمهورية، رئيس اتحاد طلاب مصر بالاقتراع المباشر دون خوف من العواقب، فالنظام الحالي بلا ظهير سياسي ولا يملك سوى قبضة أمنية باطشة وحنجرة إعلامية ناعقة، أي أنه هش ككومة قش. وفي بلد نصف سكانه أصغر من 24 عامًا، لن يستطيع أي نظام مهما بلغ جبروته تكميم أفواه الشباب إلى الأبد.

المجد لمن لا يزالون قادرين على قول لا، رغم كل ويلاتها، وكل النِعم التي قد تجلبها نَعم.

اعلان
 
 
طاهر المعتز بالله