Define your generation here. Generation What

وصفة لتجديد دم مصر

اتفقنا فى مقال الأسبوع الماضى مع الراحل العظيم جمال حمدان على أن مصر فى حاجة ماسة إلى فصد الدم الفاسد من جسدها العليل، ليتجدد هذا الجسد بدم صحي، إن كنا نريد أن نتجنب “انفجاراً لا يرج مصر وحدها، وإنما يرج العالم كله من حولها”، بألفاظ جمال حمدان نفسه، وفى السطور التالية نحاول تقديم وصفة شاملة لكيفية تجديد دم مصر، وكما ينبغى أن يقال فى مثل هذه الاجتهادات، فهى مجرد اجتهاد شخصى قد يصيب، وهذا ما أطمح إليه، وقد يخطئ، وهذا ما أتمنى ألا يكون، أما إن حدث فأتمنى ألا يكون الخطأ شاملاً لكل عناصر الوصفة.

قبل البدء فى تركيب الدواء، قف تمهل قليلاً -أيها القارئ- وتذكر معى أصل الداء الذى سمم دم مصر: إنه ببساطة الاستمرارية السياسية التى أفسدت ما جاءت به الحضارة الحديثة من متغيرات إيجابية فى شخصية مصر القومية، وبتعبير آخر من تعبيرات جمال حمدان نفسه، استمرار الطغيان الفرعونى، بعد أن زالت جميع مبرراته.

وكانت مصر قد قطعت نسبياً مع الطغيان الفرعونى منذ أوائل القرن العشرين، وحتى منتصفه تقريباً، بنجاح متفاوت من فترة لأخرى، ومن حكومة لأخرى، ولم يكن سبب هذه القطيعة أريحية الحاكم سواء كان والياً أو خديوياً أو سلطاناً أو ملكاً، ولكن السبب أن تلك الحقبة هى التى كُرست فيها السلطة السياسية لثلاث قوى متناظرة وشبه متوازنة، هى قوة القصر الشرعية، وقوة الحركة الشعبية، وقوة الاحتلال البريطانى الفعلية، وكان المندوب السامى البريطانى فى ثلاثينيات القرن الماضى، السير مايلز لامبسون (اللورد كليرن فيما بعد)، هو من شخّص هذه الحالة فى تعبير دقيق جداً، بقوله إن الحكم فى مصر يشبه كرسياً له ثلاث قوائم.

لكن ضباط يوليو 1952 أعادوا تأسيس الطغيان الفرعونى، مع الاعتراف بنبل دوافعهم فى البداية على الأقل، ومع الاعتراف أيضاً بإنجازاتهم الإيجابية فى مجالات الحراك الاجتماعى، وبدء التصنيع الكثيف، وانهاء التبعية الأجنبية (فى البداية أيضاً)، ودور مصر تحت قيادة جمال عبد الناصر فى إنهاء عصر الإمبراطوريات الاستعمارية فى العالم العربى وفى أفريقيا، وفى قيادة العالم الثالث وقتها، ومع ذلك فقد اعترفوا بينهم وبين أنفسهم (على الأقل) بفشل مشروعهم فى نهاية المطاف.

حكى لى صديقي الدكتور توفيق أكليمندوس، أستاذ التاريخ المصرى المعاصر بالجامعات الفرنسية، والذي كان موضوع رسالته للدكتوراه هو تنظيم الضباط الأحرار، أن السيد زكريا محيي الدين، وكان من أكفأ وأخلص وأنزه ضباط يوليو، قال له فى المقابلة الوحيدة (والنادرة) معه مفسراً استعادة الطغيان الفرعونى: “كان لدينا مشروع، فأردنا أن نلمّ الدنيا من أجل انجازه”، وكان محيي الدين يقصد بـ”الدنيا” الفوضى السياسية والاجتماعية التى سادت فى مصر بعد الحرب العالمية الثانية، وحتى قيام حركة يوليو 1952.

يضيف كاتب هذه السطور إلى شهادة الدكتور أكليمندوس نقلاً عن السيد زكريا محيي الدين، أن زكريا نفسه اعترف بفشل مشروع يوليو، وذلك تبريراً لرفضه إلحاح الرئيس جمال عبد الناصر عليه لسحب استقالته من منصب نائب رئيس الجمهورية عام 1968، فقد كان زكريا يرى أن كل شئ ضاع، وأن مشروع الضباط الأحرار فشل بهزيمة 1967، ولم يعد هناك أمل، وكان عبد الناصر يرى أن الأمل كبير فى إزالة آثار العدوان، وبعدها ينسحبون جميعاً، ويستعاد النظام الديمقراطى بعد فترة انتقالية.

أتدرون من الذى روى هذه القصة؟

إنها الدكتورة هدى جمال عبد الناصر نفسها، وكانت تعمل فى هذا الوقت فى سكرتارية أبيها الرئيس، وهى شهادة منشورة، وليست حديثاً خاصاً على أية حال.

الشيء الوحيد الذى عبّر زكريا محيي الدين عن ندمه عليه، فى حديثه إلى الدكتور أكليمندوس، هو أنه لو كان يعلم الغيب، لما استقال عام 1968، فقد كان قد بقى عامان على وفاة جمال عبد الناصر، وإذ ذاك كان هو من سيخلفه رئيساً للجمهورية، وليس أنور السادات، وعندها كان سينفذ رؤيته فى إنهاء الطغيان الفرعونى لنظام يوليو 1952.

كيف؟ الله أعلم. وعلى أي حال، فإن قيمة شهادة زكريا محى الدين تأتى من كونه الوحيد من أعضاء مجلس قيادة الثورة الذى رفض المتاجرة بخلافاته مع جمال عبد الناصر بعد وفاة الأخير، لكن العبرة من هذه الحكاية كلها هى أن أرباب يوليو 1952 تأكدوا من فشل مشروعهم، واعترفوا بذلك، إلا أن المشروع استمر فى جوهره جاثماً على صدر مصر حتى ثورة يناير 2011، بصيغ متباينة، وانحيازات اجتماعية وسياسية متناقضة، فى أحيان كثيرة، من رئيس لآخر.

فكيف يمكن إذن تفكيك هذا النظام كمدخل لتجديد دم مصر، أو على الأقل، لفصد الدم الفاسد من جسدها، وترك الجسد ليتعافى بقواه الذاتية؟

يجب أن تبدأ هذه العملية من لحظتنا الحالية، بمبادرة لعلاج الاحتقان السياسي المتزايد، لكن ليس هذا موضوعنا، وقد قدم كثيرون مقترحات لتحقيق ذلك الغرض من أول تعديل قانون التظاهر، إلى إطلاق سراح الشباب المسجونين دون أن يرتكبوا جرائم عنف، إلى تعديل قوانين الانتخابات، والكف عن ملاحقة منظمات المجتمع المدنى. لكن الحديث هنا سيتركز على بنية النظام نفسه، سياسياً، واقتصادياً، وقضائياً، وعلى السياسات الكبرى فى المجالات المختلفة.

مشكلة نظام يوليو الكبرى، هى تصميمه لتكون كل مؤسساته معبأة حول مؤسسة الرئاسة، وخاضعة لها خضوعاً مطلقاً، إن لم يكن بالقانون، فبالعرف، بدرجة تمسخ استقلالها الوظيفى، وتجعلها مجرد أداة صماء فى أيدى الرئيس ورجاله، من مجلس الوزراء، إلى البرلمان، إلى المحاكم الخاصة (أو ما كان يسمى بـ”القاضى غير الطبيعى”)، إلى بقية المؤسسات التالية، بما فيها الجهاز المصرفى، إلخ. ومن ثم فإن جميع هذه المؤسسات تقود المجتمع كله للتعبئة حول الرئاسة وشخص الرئيس، وبالطبع، ولأن الرئيس بشري محدود القدرات البدنية والنفسية، فسيكون هناك هامش يتسع شيئاً فشيئاً  للمساعدين ولهذه المؤسسات، للتصرف بحسب رؤيتها، وشيئاً فشيئاً تتدخل الطموحات والصراعات الشخصية، والفئوية، والمؤسسية مما ينجم عنه ما خبرناه مع عبد الناصر، ومع السادات، ومع مبارك.

المطلوب إذن تفكيك هذه التعبئة قانوناً وعرفاً، ونحن أول من يسلم بأن هذه عملية يجب أن تكون متدرجة، ولا مانع من أن تكون تجريبية، ولنبدأ بالمجال السياسي:

  1. على الرئاسة ألا تئد أية محاولة جادة من البرلمان، (مهما يكن رأينا فى بعض أعضائه) لمحاسبة وزير، بما فى ذلك سحب الثقة منه، ولن تكون تلك ضربة لهيبة الرئاسة، بل على العكس، ستدعم هيبة الرئاسة، وترفع شعبية الرئيس إلى عنان السماء.

  2. لماذا لا نبدأ تجربة انتخاب المسؤولين التنفيذين فى الحكم المحلى بدءاً من رئيس الحى أو القرية، انتقالاً إلى رئيس المدينة، فإلى المحافظ، مع إعطاء المجالس المحلية حق السؤال والاستجواب، وسحب الثقة من هؤلاء المسؤولين، إذا لزم الأمر.

وكما قلنا فلا مانع من التدرج والتجريب، نبدأ بانتخاب رؤساء الأحياء والقرى، وبعد عامين يُنتخب رئيس المدينة، وبعد عامين آخرين ينتخب المحافظ. كذلك فلنبدأ بمحافظة حضرية أو اثنتين، مثل القاهرة أو الإسكندرية، ثم تنتقل التجربة إلى محافظات القناة، ومنها إلى شرق الدلتا، وهكذا، وفق جدول زمنى معلن فى قانون انتقالى يصدر لهذا الغرض، على أن يشمل القانون جدولاً زمنياً أيضاً لتوفير الموارد المالية للوحدات المحلية من المنبع، بمعنى الفصل بين الضريبة المحلية، والضريبة المركزية، وكذلك الرسوم والتمغات، إلخ.

وبالطبع يجب أن نصل فى نهاية المطاف إلى إخضاع جميع الأجهزة فى المحافظة إلى سلطة المحافظ المنتخب، وخاصة جهاز الشرطة، باستثناء جهاز الأمن الوطنى بالطبع، لأن دوره “قومى”، كذلك يجب ألا تشمل سلطة المحافظات الإشراف على القضاء، إلا فى القضايا المدنية التى تقل قيمة موضوع النزاع فيها عن مبلغ معين، وكذلك قضايا الجنح، وقضايا الأسرة.

أشفق شخصياً على كل رئيس مصري أن يكون مشغولاً -كما يحدث حالياً- بالقضايا الاستراتيجية الكبرى، عالمياً وإقليمياً ومحلياً، ويكون مسؤولاً عن إخفاق أو إهمال أو فساد محافظ أو رئيس حىٍ، لأن الأول معين بقرار منه، والثانى معين بقرار من رئيس مجلس وزرائه. ثم إذا كان رئيس الجمهورية يأتى بالانتخاب، فلماذا لا نأتى بالحكام الصغار بالانتخاب أيضاً؟

لا خلاف أنه إذا نجحت التجربة، بشرط توافر النيات الحسنة، والرغبة فى إنجاحها، فإنها ستؤدى فى مدى عشرين سنة إلى نتائج إيجابية لا يمكن حصرها، كما لا يمكن بالطبع حصر المتواليات التى ستترتب على هذه النتائج.

وما العمل فى الاقتصاد؟

ببساطة يجب أن نبدأ بوضع جدول زمنى معلن فى قانون لتصفية الصناديق الخاصة التى تلقى عبئاً ثقيلاً على الميزانية والسوق، وتشكل اقتصاداً موازياً، وتفتح أبواب الفساد بعيداً عن أية رقابة أو محاسبة.

  • علينا تأسيس صندوق خاص، من طراز مختلف، أى صندوق استثمارى يكتتب فيه المواطنون لإعادة تشغيل مصانع القطاع العام المتوقفة أو المتعثرة، ولنبدأ بشركات الغزل والنسيج فى المحلة الكبرى وكفر الدوار، وبشركات حلوان كالحديد والصلب وغيرها.

ولكن بشرط علنية كل شئ، وتكوين جمعية عمومية من كل المكتتبين تنتخب مجلس الإدارة (وتجدد له، وتحاسبه، وتغيره) على أن توزع القوة التصويتية حسب قيمة الاكتتاب، وأن ينظم القانون مشاركة هذا الصندوق فى إدارة تلك المصانع، وهذا يختلف تماماً عن حيلة الصكوك الشعبية، التى كان رجال جمال مبارك يداعبون بها خيال الفقراء، وحاول الإخوان المسلمون إحياءها.

  • لا مفر من إخراج الجهاز المصرفى من قبضة السياسة، بحيث لا يدار الائتمان وفق أهواء أصحاب النفوذ السياسى ومصالحهم، وهنا أيضاً تظهر فكرة الجدول الزمنى لتحويل البنوك العامة إلى شركات مساهمة مصرية، مع احتفاظ الدولة بنسبة لا تقل عن 49% من الأسهم، ولنبدأ من البنك الأصغر وصولاً إلى الأكبر فالأكبر.

وفى مجال الخدمات، وما دامت الدولة غير قادرة على حل مشكلة النقل داخل المدن، باستثناء مشروع مترو الأنفاق، فلماذا لا تدعو المستثمرين، والراغبين فى تكوين شركات مساهمة للنقل، إلى دخول الميدان، وتعطيهم الامتيازات، بل والحوافز اللازمة، مثل إعفاء سيارات الأوتوبيس المستوردة من الجمارك  لمدة 10 سنوات أسوة بأتوبيسات السياحة، مع الاحتفاظ بحق تحصيل الضرائب، وتأمينات العاملين؟

يمكن البدء هنا ببعض قطاعات القاهرة وبعض قطاعات الاسكندرية.

هل يمكن حساب الوفورات الاقتصادية، للتحول من التركيز على النقل بالسيارة الخاصة إلى النقل الجماعى، فى الوقود، وقطع الغيار، واستيراد السيارات وقطع غيارها، والوقت والجهد، ومكافحة تلوث البيئة؟

أزعم أن التحول إلى النقل الجماعى بنسبة معقولة، سيوفر الكثير فى مجال الطاقة، التى يمكن تحويلها إلى الصناعة والكهرباء، كما أزعم أنه سيخفف الضغط على ميزان المدفوعات، لأن مصر أصبحت من كبار مستوردى السيارات فى العالم الثالث (أى، ياليتنا كنا نحن الذين ننتج سياراتنا، مادمنا مغرمين، دولة ومواطنين، باقتناء السيارات الخاصة!)

وبالطبع يمكن للدولة أن تدخل شريكاً فى بعض الحالات، بملكيتها للجراجات، أو ورش الصيانة، وقد تبيع جزءاً منها (بشفافية) للشركات الجديدة، كما بالطبع ستتقاضى الدولة مستحقات عن استخدام الشوارع، وهكذا يُرفع العبء عن الموازنة العامة مرتين، موارد جديدة، وخفض فى النفقات الداعمة لخدمة النقل، أم أن الدولة ستستمر فى سياسة من لا يريد أن يرحم، ولا يترك رحمة ربنا تنزل على عباده؟

ويجب أن يُحسب حساب الفقراء هنا، فتقدَم خدمة النقل المملوكة للدولة بأسعار مخفضة لهم، كما يُفرض على الشركات القديمة تخصيص نسبة من رحلاتها للتعريفة المخفضة.

ويجب أن يحدث شئ مماثل فى السكك الحديدية، فالمشروعات الجديدة يجب أن تُسند بالكامل لشركات استثمارية مساهمة، أو محدودة، أو محاصصة، مثلما فعلنا فى شركات الهاتف المحمول، ويمكن منح هذه الشركات أوقاتاً على الخطوط الرئيسية للشبكة الحالية، لتسيير قطارات حديثة بأسعار مناسبة للأغنياء ومتوسطى الدخل، وفى كل الأحوال تتقاضى الدولة مستحقاتها، من ضرائب ورسوم وغيرها، وهذه زيادة فى موارد الموازنة من ناحية، وتخفيض فى الإنفاق العام من الناحية الأخرى.

السؤال هنا، مادامت كل هذه المزايا الاقتصادية واضحة ومؤكدة فما الذي يمنع تنفيذ هذه المقترحات؟ هل المانع سياسى، إذ لا تريد الحكومة وجود قطاع خاص قوى حقاً يطمح إلى المشاركة السياسية؟ ولكننا نتحدث عن تفكيك التكلس المستمر فى النظام السياسي منذ يوليو 1952.

فى مجال الصحة العامة:

لماذا لا نشرع فوراً، وبجدول زمنى، فى إعادة مستشفيات المؤسسة العلاجية للجمعيات الخيرية التى أنشأتها؟ فإن لم تكن قائمة، فليُفتح الباب لإعادة تشكيلها، وأقصد مستشفيات جمعية المبرة، وجمعية المواساة، والجمعية الخيرية الاسلامية، والجمعية الخيرية القبطية، وكذلك مستشفيات الإرساليات الأجنبية. كانت هذه المستشفيات مثلاً أعلى فى تقديم الخدمة الصحية بأقل الأسعار، وبأحسن المستويات، قبل التأميم، ثم أصبح بعضها خراباً بلقعاً مع وقوعها فى قبضة البيروقراطية والفساد، ثم، ومع تردى خدماتها، جنباً إلى جنب مع تردى خدمات المستشفيات العامة، تُركت “الصحة مثل التعليم” لتكون سوقاً صاخبة بكل أنواع الفساد والاستغلال الخاص والعام.

اقتراح ثان وعاجل يفصد الدم الفاسد، ويجدد الدم فى القطاع الطبى، ومعمول به فى كافة دول العالم تقريباً، لا فرق بين عالم أول وعالم ثالث، وهو إلزام الطبيب العامل لدى الحكومة بعدم فتح عيادة خاصة، أو العمل فى مستشفى خاص، بما فى ذلك أساتذة كليات الطب، وعدم توظيف صاحب العيادة الخاصة أو الطبيب العامل فى مستشفى خاص فى الحكومة، ولكن يلزم توفير راتب كاف وكريم لطبيب الحكومة، وبالطبع سيمكن تدبير الموارد اللازمة لذلك، من الرواتب التى كانت ستذهب لمن سيختارون العمل الخاص.

نأتى الى مجال مكافحة الفساد:

الاقتراح هو تحصين منصب رئيس هيئة الرقابة الإدارية من العزل طوال مدة خدمته، مثله مثل رئيس جهاز المحاسبات، على أن يكون من حق الاثنين تحريك الدعوى الجنائية ضد الفاسدين دون انتظار موافقة الرئاسة أو البرلمان، مع إلزام النيابة العامة بانهاء التحقيقات قبل حلول عام مالى جديد.

وفى مجال الإصلاح القضائى:

لا محل لاستمرار تقاليد وقوانين مستمرة منذ ما قبل ثورات 1919، 1952، ويناير 2011، إذ فى نظام يريد التخلص من التكلس، وتجديد دمه، يجب أن لا يكون من سلطة وزير العدل تعيين رؤساء المحاكم الابتدائية، ولا يكون من حق السلطة التنفيذية عموماً تعيين رؤساء محاكم الاستئناف، اكتفاء بتعيين رئيس الجمهورية لرئيس محكمة النقض الذى هو رئيس المجلس الأعلى للقضاء، وتعيين الرئيس أيضاً لرئيس وأعضاء المحكمة الدستورية العليا. كذلك يجب أن يكون كل ما يخص القضاء، مالياً وإدارياً، من اختصاص المجلس الأعلى، بما فى ذلك سلطة ندب قضاة التحقيق فى قضايا بعينها، وفوق هذا كله أو قبله، يجب أن يبطل تقليد استُحدث فى السنوات العشرين الماضية، وهو التفويض المسبق من الجمعية العمومية للمحاكم لرئيس المحكمة (المعين) بتوزيع القضايا على الدوائر، والعودة إلى النظام السابق الذى كان توزع فيه القضايا على الدوائر وفقا لترتيب إحالتها دون تدخل من رئيس المحكمة.

هناك مجالات أخرى تحتاج، فى سياق حديثنا، لفك عقال تعبئتها حول مؤسسة الرئاسة على طريقة نظام يوليو، ومنها الصحافة القومية، واتحاد الإذاعة والتلفزيون، ولكنها تستحق حديثاً مستقلاً، بحكم المهنة على الأقل، إلا أن ما سبق يكفى لفصد كميات غير قليلة من الدم الفاسد من جسد مصر، ولتزويدها بدم صحى جديد، ولا شك أن هذا هو أملنا جميعاً، من أول رئيس الجمهورية إلى أبسط مواطن، إلا أقل القليل ممن لايحسب حسابهم.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد