Define your generation here. Generation What

في جمال الرتابة

تأكدت مرة أخيرة من اتساق مظهري، وأنا أراها تسير باتجاهي. هي التي كانت زميلتي في الدراسة الجامعية لسنوات، وشغلتها لسنوات أخرى مهام الأمومة عن إنجاز أطروحة الدكتوراة التي تكتبها عن العلاقة بين علمانية الدولة ونظم التعليم المدرسي. كانت رحلتي الأولى إلى الخارج بعد رفع المنع من السفر، وكنت أتخوف من فقدان ذاكرة الأمكنة والأزمنة والصداقات البعيدة عن مصر.

جلسنا في مقهى تستدل بعض جنباته على نور النهار بأعجوبة في بلاد الشتاء المظلمة هذه. وبعد أن أجبت سريعاً على أسئلة البدايات بشأن حالي وحال البلاد وأحوال جوارها الذي لم يعد يسمع عنه غير مفجعات الأخبار، صارحتها برغبتي في الإنصات إليها هي وإلى تفاصيل حياتها وعملها. قلت لها: اشتقت كثيراً إلى حوار من حوارات البشر الطبيعيين. قالت: لك ما شئت ولتستعد لرتابة حياة من تسميهم البشر الطبيعيين.

في شأنها الخاص، انتقلت مع أسرتها إلى حي آخر من أحياء المدينة الكبيرة، والدافع كان الاقتراب من مدرسة ابتدائية تعلم الأطفال اللغتين الألمانية والفرنسية. ذكرتني أن صديقها الذي تعيش معه منذ سنوات فرنسي الجنسية، وأن عدد المدارس الحكومية ذات المناهج التعليمية مزدوجة اللغة يظل محدوداً. تحدثتْ قليلاً عن الحي، فوصفته كحي لمتوسطي الحال وسردت بعض الاختلافات بينه وبين أحياء العمال التي اعتادت السكن فيها. رياض أطفال ومدارس حكومية وحدائق عامة وأماكن لممارسة الرياضة هنا، إلا أن الدفء الإنساني مفقود، وكذلك الأسعار مرتفعة نسبياً، مقارنة بخدمات المعيشة التي يقدمها في أحياء العمال المهاجرون من الأتراك والأوروبيين الشرقيين وبعض ذوي الأصول العربية.

تحدثت أيضاً قليلاً عن علاقتها بأمها وأبيها وشقيقتيها، فلم تأت بما يختلف عن مجمل توقعات الحياة لمن هم في أحوالهم. العام الماضي، تقاعدت الأم المحاسبة عن العمل، وكان الأب المهندس المعماري قد سبقها إلى التقاعد قبل أربعة أعوام. معاشهما جيد للغاية، وهما يكثران من السفر حول أوروبا والعالم، ويساعدان الثلاث بنات مالياً بانتظام، ويهتمان بالأحفاد بين الحين والآخر، وعادا مع تقدم العمر إلى دفع الضرائب الكنسية (اختيارية) والتردد المستمر على كنيسة كاثوليكية صغيرة في المدينة الجنوبية التي يقطنانها. وباستثناء بعض المشكلات الصحية المحدودة لا يعكر صفو حياتهما شيئ، ولم يشرعا بعد في التفكير في تنظيم الانتقال، الذي صار معتاداً ومتوقعاً إلى بيوت المسنين عندما يبلغ الأب الثمانين. منذ بضعة أشهر، توفت والدة الأم عن عمر تجاوز التسعين، وبرحيلها تتبقى والدة الأب التي تعيش بالفعل في بيت للمسنين ويتبقى أبو الأم الذي يرفض مغادرة منزله ويتعرض لأزمات صحية متكررة. عادت شقيقتها الأكبر منها إلى العمل في شركة تجارية صغيرة، بعد أن استقرت حياتها وحياة صديقها ببلوغ أطفالهما ما يوازي مرحلة التعليم الثانوي في مصر. أما شقيقتها الأصغر منها، الرسّامة، فنظمت معرضها الثاني في العاصمة البريطانية لندن. وعدا ذلك لا تعرف عنها سوى انفصالها عن زوجها، واستعدادها لإجراءات الطلاق المعقدة.

في المجمل، هكذا أنهت تدفق السرد في الشأن الخاص، حياة أسرية هادئة لا مفاجآت بها.

وفي عالمها المهني، استعادت القدرة على العمل الأكاديمي بعد أن التحقت ابنتها بالمدرسة الألمانية-الفرنسية والتحقت هي بوظيفة بحثية في جامعة من جامعات المدينة الكبيرة. تكتب عن علمانية الدولة مقارِنة بين ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية بين 1949 -تأسيس الجمهوريتين الألمانيتين في أعقاب نهاية الحرب العالمية الثانية وتقسيم ألمانيا- و1990 -زوال ألمانيا الشرقية، جمهورية ألمانيا الديمقراطية، بعد سقوط سور برلين والوحدة الألمانية. تنظر في علاقة علمانية الدولة بنظم التعليم المدرسي العام (تشكل المدارس الحكومية الأغلبية الكاسحة من المدارس الألمانية) والتعليم المدرسي الخاص (لا تتجاوز نسبتها إلى إجمالي المدارس حاجز الـ10 بالمائة).

سردت الكثير من التفاصيل عن زياراتها الميدانية، هي المولودة في الجنوب الغربي، إلى بعض مدن وقرى الشرق التي تبهرها طبيعتها الجميلة وتشعر فيهما باغتراب شديد. تحدثت مطولاً عن ملامح نظم التعليم المدرسي في ألمانيا الشرقية التي اندثرت، وعن العلمانية وعن مناهضة الدين والإمبريالية والعنصرية والعنف المسلح التي كانت مكونات برنامج الحكم الشيوعي لتعليم الأطفال والناشئة بعد تجربة النازي المدمرة في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، وعن المفارقة الصادمة التي مثلتها حقيقة الدور الهائل الذي لعبته الكنائس في إسقاط الحكم الشيوعي على الرغم من الحصار الرسمي المفروض عليها، وعن المفارقة الصادمة الأخرى التي تمثلها اليوم حقيقة التحاق نسبة معتبرة من مواطني المناطق الشرقية بحركات اليمين المتطرف والمجموعات العنصرية.

تحدثت مطولاً أيضاً عن ملامح نظم التعليم المدرسي في ألمانيا الغربية التي اجتاحت برامجها الشرق بعد الوحدة، وعن تميزها في المقررات العلمية وفي مجال التأسيس لثقافة ديمقراطية وتعددية حقيقية بين الأطفال والناشئة، وعن العلاقة الملتبسة أحياناً بين العلمانية الرسمية للدولة وبين اعترافها بحضور الدين في المجال الخاص للمواطن وفي المجتمع المدني وفي الحياة السياسية (الأحزاب المسيحية الديمقراطية والاجتماعية) كنسق قيمي لا يدعي احتكار الحقيقة المطلقة، ويتنافس مع أنساق قيمية أخرى ذات طبيعة وضعية. قالت إنها، دون تحيز مسبق، تقيّم النموذج الغربي كأكثر فعالية لجهة تحضير المجتمع لتحديات العصر الراهن، وإن اعترفت بشيئ من التفوق لنظم التعليم الشرقية في مجال تمكين الأمهات والآباء من مواصلة العمل بتوفير رعاية شاملة للأطفال (مجتمع المرأة العاملة والرجل العامل) وفي مجال الإعداد البدني، وعبرت عن الحزن لفقدانهما.

في المجمل، هكذا أنهت السرد في الشأن المهني، مسار عمل مستقر سينتقل بها من الوظيفة البحثية، مؤقتة المدة الزمنية، إلى وظيفة جامعية ثابتة، وسيمكّنها من النشر الدوري للأبحاث الأكاديمية، وربما تدريجياً من المشاركة في النقاش العام حول سياسات التعليم المدرسي في ألمانيا.

قالت: والآن ألا تريد إنهاء الرتابة والتبرع بشيء من السرد المثير عن حال ربيعكم أو خريفكم؟ ألا تريد إشراكي في بعض التفاصيل الخاصة والعامة لحياة البشر غير الطبيعيين؟ أقسمت لها أنني لم أستمع منذ فترة إلى ما هو أكثر تشويقاً وإثارة من هذا الذي تراه رتيباً، وأن حياة البشر غير الطبيعيين تظل عصية على السرد الموضوعي، وعناصر التشويق بها تتراوح بين المأساة والملهاة والكوميديا السوداء وقليل الأمل بين الحين والآخر.

اعلان
 
 
عمرو حمزاوي