Define your generation here. Generation What
“وادي القمر” يقاضي غبار الأسمنت
 
 

أقام عدد من أهالي منطقة وادي القمر غربيّ الإسكندرية دعوى قضائية ضد مصنع الإسكندرية لأسمنت بورتلاند (تيتان)، مطالبين بوقف استخدام الفحم كوقود في المصنع، على خلفية تبعاته الصحية والبيئية، وفقاً لبيان أصدرته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.

وإلى جانب إدارة المصنع، اختصم الأهالي في دعواهم، والتي أقاموها أمام محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية بتاريخ 3 يناير 2016، كلاً من رئيس الوزراء ووزير البيئة ومحافظ الإسكندرية. وطالبوا بوقف تنفيذ وإلغاء قرار السماح للمصنع باستخدام الفحم، وكذلك وقف تنفيذ وإلغاء قرار رئيس الوزراء المعدّل للائحة التنفيذية لقانون البيئة، والذي سمح باستخدام الفحم في المناطق السكانية.

وقالت المبادرة المصرية إن الدعوى استندت إلى مخالفة قرارات الدولة والمصنع للقانون والدستور والاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها مصر، و”التي تحمي وتحترم الحق في الصحة والحق في البيئة النظيفة”.

وتأسست شركة الإسكندرية لأسمنت بورتلاند بموجب مرسوم ملكي عام 1948، وكانت أفرانها الثلاثة في ذلك الوقت تعمل بالطريقة الرطبة الملوثة للبيئة، وصدرت أول رخصة لهذه الأفران عام 1951، وكانت الشركة في ذلك الوقت مملوكة للدولة، وظلت كذلك حتى عام 1999، حين بيع أكثر من 73% من أسهمها لشركة أجنبية، في بداية مشوار من نقل الملكية بين شركات مختلفة، بحسب موقع الشركة.

السكان يتحدثون

تتبع منطقة وادي القمر حي العجمي إداريًا، لكنها قريبة لحي العامرية ويسكنها قرابة سبعين ألف شخص.

في زيارة حديثة للمنطقة، قالت سيدة ثلاثينية تسكن بوادي القمر لـ “مدى مصر” إنها تسكن في الوادي الواقع على بعد عدة أمتار من الشركة منذ ما يزيد قليلًا على ثلاث سنوات فقط، هي كل عمر ابنها، والذي ما أن جاء للحياة حتى تكالبت عليه الأمراض الصدرية، ليتم احتجازه أكثر من مرة بالمستشفى.

وأضافت السيدة -التي طلبت عدم ذكر اسمها: “ابني تعب بسبب الشركة، ندعى ربنا يرحمنا منها، ويرحم كل أطفال المنطقة اللي بيعانوا بسببها، وحياتهم مهددة.. ابني مش بياكل ويرضع غير علاج”.

فيما قالت أم لطفل أخر من سكان المنطقة، إن ابنها أصيب بأمراض الحساسية من جراء انبعاثات المصنع، ضمن عدد من أطفال وادي القمر ممن أصيبوا بنفس الداء للسبب نفسه.

وأظهرت السيدة -التي طلبت أيضاً عدم ذكر اسمها- تقريراً طبياً بحوزتها، صدر عن مستشفى تابعة لهيئة التأمين الصحي ويعود إلى نوفمبر قبل الماضي، قائلة: “ده تقرير طبي لابني، من مستشفى حكومي، بيقول إن عنده إعاقة ذهنية”.

وأضافت: “الدكتور قال إن الإعاقة الذهنية نتيجة التلوث اللي بيجيلنا من تراب المصنع.. غسيلنا بننشره أبيض يطلع رمادي، ما بالك بالنفوس، إحنا بنشم أسمنت، الشركة تتشال تتحط المهم إحنا يشوفولنا صرفة”.

راجية الجرزاوي، الطبيبة والباحثة في مجال البيئة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، قالت إنها تبينت خلال زيارتها لوادي القمر أن الشركة تخزن كميات من إنتاجها من الأسمنت مكشوفا دون غطاء يحمي أهالي المنطقة من تطاير غباره.

وأضافت لـ”مدى مصر”: “أثبت تقرير صادر عن جهاز شئون البيئة (الحكومي) أن الشركة لا تلتزم بتدابير تتعلق بالحماية من الغبار، ضمن معايير السلامة المهنية في مرحلتي تجهيز المواد الخام و التعبئة”.

أما نجاة سليمان، وهي سيدة خمسينية من سكان المنطقة، فقد روت لـ”مدى مصر” عن قرابة عشرين يوم قضتها في عنبر الصدر بالمستشفى الرئيسي الجامعي بالإسكندرية، على خلفية معاناتها من مشاكل في التنفس، وعما أظهرته نتيجة الفحص من تضرر رئتها اليسرى.

كما يكشف تقرير طبي صادر من مستشفى البترول بالإسكندرية، يعود تاريخه إلى إبريل 2013، معاناة صباح عوض محمد، إحدى ساكنات المنطقة، من قصور شديد في وظائف التنفس، وتليف بالرئتين، وارتفاع الضغط في الشريان الرئوي.

كانت لجنة تشكلت عام 2008 بقرار من مجلس الشعب؛ لتقصي الأوضاع، استجابة لاحتجاجات الأهالي المتواصلة (وتضمنت مدير عام الشئون الوقائية والرعاية الأساسية بمديرية الصحة بالإسكندرية، ومسئول البيئة بالمحافظة، ومدير السلامة والصحة المهنية بالدخيلة، بالإضافة إلى ممثل عن جهاز شئون البيئة بالقاهرة) قد أوصت بضرورة نقل مصنع الشركة خارج المنطقة السكنية بوادي القمر. وقد جاء في تقرير اللجنة: “ترى اللجنة أن الانبعاثات من هذه الشركة تسبب أضرارًا جسيمة على سكان وادي القمر كما أنها تتسبب في التأثير السلبي والخطير علي الشركات المجاورة ومنتجاتها، وأن هناك خطرًا شديدًا على صحة المواطنين يتمثل في أن هذا الانبعاث يمثل تأثيرًا خطيرًا على إنتاج ملح الطعام (شركة الملح المجاورة للشركة). مما يستوجب اتخاذ إجراء حازم وقطعي وسريع في هذا الشأن”. بحسب دراسة أعدتها “المبادرة المصرية” في أكتوبر 2014.

وكانت محكمة في الإسكندرية قد أصدرت حكما لصالح شركة المكس للملاحات في دعوى قضائية أقامتها ضد مصنع “تيتان” في مارس من العام 2010، بسبب تأثير الانبعاثات الصادرة من شركة الأسمنت على النشاط الإنتاجي لشركة المكس للملاحات، وهي الانبعاثات التي تشكل مخاطر على مستهلكي الملح الذي تنتجه شركة المكس. وأثبت تقرير فني أعده استشاري انتدبته المحكمة أن مصنع تيتان لم يلتزم بالمعايير الدولية بشأن مستوى الانبعاثات.

كما أثبتت الدعوى تلوث الملح من الأسمنت بنسبة 5%، وأن التلوث قد طال أيضاً بحيرة مريوط، التي تعد مصدراً هاما من مصادر الثروة السمكية.

.. وخبراء يختلفون

في المقابل، قال إبراهيم عبد الحكيم، أمين عام جمعية حماية البيئة بالإسكندرية، لـ”مدى مصر” إن الشركة قبل تحديثها كانت تسبب تلوثاً أدى لإصابات عديدة بمرض التحجر الرئوي، ولكنها أقدمت لاحقًا على تحديث آلية الحرق تحت إشراف جهاز شئون البيئة، حيث قام فريق متخصص من كلية العلوم بجامعة الإسكندرية ومن جهاز شئون البيئة بفحص المصنع والتأكد من مطابقته للمعايير البيئية، على حد قوله.

واتقفت مع الرأي ذاته هدى مصطفى، وكيل جهاز شئون البيئة بالإسكندرية، قائلة إنه “لا مشكلات بيئية مع المصنع والتفتيش يتم دوريًا عليه”.

كما قالت منال فوزي، رئيس قسم علوم البيئة في كلية العلوم بجامعة الإسكندرية، إن مصنع تيتان بدأ توجهاً جيدًا في الاعتماد على “الحمأة” الناتجة من الصرف الصحي داخل أفرانه، بما تشتمل عليه من مادة عضوية ذات قدرة عالية على توليد الطاقة دون الحاجة للغاز أو الوقود.

والحمأة هي صرف مختلط، لا يمكن تحويله لسماد بسبب مكوناته من المواد غير القابلة للتكسير مثل المعادن الثقيلة.

من جاء أولًا؟

وبعكس ما هو شائع، تثبت خرائط صادرة عن هيئة المساحة المصرية تعود إلى العام 1944 أن الأهالي اتخذوا من منطقة وادي القمر منطقة سكنية منذ ذلك الحين، كما تدعم هذه الفرضية عقود تملك بحوزة بعضهم، ما يعني أن وجودهم سابق على تأسيس الشركة، وفقاً لشكوى سابقة أعدها أهالي المنطقة ضد الشركة.

ومع ذلك، فإن إبراهيم عبد الحكيم، أمين جمعية “حماية البيئة” يصر على أن الشركة تأسست قبل أن يستوطن الأهالي المنطقة، وقبل أن يتملك بعضهم الأرض عبر “وضع اليد”.

بينما قالت أمل فوزي من جامعة الإسكندرية: “ما أعلمه أن المصنع هنا قبل السكان، لذا فالمسئولية تقع أيضا على السكان لعلمهم بتلوث المصنع واختيارهم السكن بجواره بالرغم من ذلك.. بخلاف مسئولية الدولة في الرقابة البيئية ومسئولية المصنع أيضًا”.

وكان عدد من منظمات المجتمع المدني قد أعلن في إبريل من العام الماضي تضامنه مع أهالي المنطقة في شكوى ضد الشركة تقدمت المنظمات بها إلى مؤسسة التمويل الدولية، وهي عضو في مجموعة البنك الدولي وتختص بتمويل القطاع الخاص، على خلفية التمويل الذي قدمته للشركة رغم الأضرار البيئية والصحية. وتضمنت الشكوى رصداً لأنماط الانتهاكات لمعايير العمل والبيئة التي تشترطها مؤسسة التمويل الدولية.

وأوضحت راجية الجرزاوي من “المبادرة المصرية” أن المؤسسة الدولية قد قبلت الشكوى وشرعت في إتمام سلسلة من الإجراءات المترتبة عليها، كان آخرها زيارة لوفد من المؤسسة للمنطقة في سبتمبر الماضي ينتظر أن يتم بناء عليها إعداد تقرير لم يصدر بعد.

ولم تحصل الشركة على ترخيص دائم بتشغيل خط الإنتاج الخامس -وهو الخط الوحيد العامل الآن- وبناء عليه كان أهالي المنطقة قد أقاموا دعوى قضائية منفصلة قبل بضعة سنوات تطالب بإلغاء القرار الإداري بتشغيل هذا الخط، والذي كانت الشركة قد حصلت وقت إنشائه منذ عدة سنوات على ترخيص مؤقت بتشغيله لمدة ستة أشهر فقط.

ولم يصدر القضاء حكما بعد في القضية الأولى بعدما وصلت إلى المحكمة الإدارية العليا بالإسكندرية، والتي أحالتها بدورها إلى المحكمة الاقتصادية في القاهرة.

اعلان
 
 
محمد جمال